A swan swims in the lake near Thiessow, northern Germany, as the sun sets after a sunny day on August 4, 2020. (Photo by…
كيف يبحث الإنسان عن الله في نفسه؟

في كتابه "منطق الطير" يتحدث الصوفي الإيراني الكبير فريد الدين العطار (عاش بين عامي 545 ـ 627 هـ) عن الرحلة الطويلة التي قطعتها الطيور في بحثها عن ملكها السيمورغ وهو طائر أسطوري، يقيم في جبل قاف، وهو أيضا جبل أسطوري.

مرآة السيمورغ

تجتمع الطيور وتقرر البحث عن ملكها، لكن عليها أن تقطع سبعة أودية، كي تصل إلى الجبل. جميع الطيور في البداية تتحمس للرحلة، يتقدمها الهدهد، لكن بعد فترة بعضها يشعر بالتعب والإجهاد فيقرر عدم مواصلة الطريق، وبعضها الآخر يتعلل بعدم جدوى البحث، فيما يموت معظمها خلال الرحلة، إلا أن مجموعة من الطيور (عددها ثلاثون)، تنجح في بلوغ الجبل، وعندما تصل وقد أخذ منها الإعياء مأخذه، تستريح عند مدخل المكان الذي يفترض أنه مقر السيمورغ. 

إن نفس الإنسان أو جسده هما أقرب شيء إليه، وبالتالي يفترض أنهما أكثر قابلية للمعرفة من باقي الأشياء التي توجد خارج الإنسان

تطرق الباب فينهرها حاجب السيمورغ في البداية ويطلب منها العودة من حيث أتت، لكن مع إصرارها يوافق على فتح الباب، ولدهشتها ما أن تدخل إلى المكان حتى لا تجد شيئا. فقط مرآة وفيها تجد صورتها. تنهار في البداية من هول المفاجأة، لكن بعد برهة تدرك بأن ما كانت تبحث عنه إنما هو موجود في داخلها وليس خارجها.

الأودية السبعة هي المقامات السبعة عند الصوفية وهي وادي الطلب، ووادي العشق، ووادي المعرفة ووادي الاستغناء، ووادي التوحيد، ووادي الحيرة، ثم الفقر والفناء. والمتصوف يمر عبر هذه الأودية في طريقه نحو الترقي الروحي.

استحالة المعرفة

أما المغزى الأساسي من القصة فهو أن الإنسان يبحث عن الله معتقدا أنه موجود في مكان ما، أو على هيئة ما، البحث عن الله هو بحث الإنسان في نفسه عن نفسه.

كيف يبحث الإنسان عن الله في نفسه؟

إذا كان الإنسان يعتقد بأن الله موجود في مكان ما خارجه، فإنه لن يجده. فكرة الفصل تجهض أية إمكانية للبحث. والسبب؟ إن الإنسان بحكم قوانين الفيزياء الكمية لا يستطيع أن يدرك حقيقة أي شيء خارجه. كل ما تنظره عيوننا أو تسمعه آذاننا، إنما يتم بأثر رجعي لأن الأشياء تتغير في اللحظة التي نشرع في ملاحظتها، بمعنى أن الأجزاء من الثانية التي تستغرقها حواسنا، بما في ذلك العين، كي ترى الشيء وترسله إلى العقل كي يحلله ويرسله مرة أخرى للعين كي تنظره، يكون الشيء نفسه قد تغير. فنحن دائما مهزومون عندما يتعلق الأمر بمعرفة الأشياء خارجنا.

ولأن الأمر هو على هذا النحو فإن نفس الإنسان أو جسده هما أقرب شيء إليه، وبالتالي يفترض أنهما أكثر قابلية للمعرفة من باقي الأشياء التي توجد خارج الإنسان.

تعريف الإنسان

وبالعودة إلى السؤال أعلاه، فإن إدراك الله في الإنسان، لا يعني أن الله موجود داخل الإنسان (وجودا ماديا)، ولكنه يعني أنه يمكنه أن يستخدم نفسه كجسر أو صلة أو وسيلة نحو إدراك الله.

وهذا ينقلنا إلى السؤال التالي وهو: هل يعرف الإنسان نفسه؟

حتى الآن كان الجسد مجرد بوابة يعيش الإنسان عبرها تجاربه مع العالم الخارجي

إن معظمنا سيقدم إجابة من قبيل الاسم أو الوظيفة أو الانتماء العائلي أو القبلي أو الوطني أو الديني وما إلى ذلك. إن هذه الأمور كلها ربما تشير إلى شخص ما، لكنها لا تعرّف الإنسان أو تقول من هو على وجه الحقيقة. فهي لاحقة على وجود الإنسان وليست سابقة له، وبالتالي فهي إضافة منحها المجتمع للإنسان، ويمكنه أن يعيش من دونها، لذلك يبقى السؤال قائما. من هو الإنسان؟

شخصيا وجدت دائما أن هذا هو أكثر الأسئلة صعوبة التي يمكن أن توجه للواحد منا. ليس فقط لأن الإنسان بالكاد يعرف نفسه حقيقة، وإنما لأن هذا النوع من الأسئلة عادة لا تطرح ولا يفكر فيها الإنسان.

البحث في الله

لكن لو شئنا أن نتقدم في الموضوع أكثر، وافترضنا أن الإنسان قد نزع تلك الصفات عنه (الاسم، واللقب، والوظيفة... إلخ) فما الذي يتبقى؟ وكيف سيعرف نفسه؟ لعل أول ما يلاحظه هو أنه ليس منفصلا عن الوجود، بل هو جزء لا يتجزأ منه. والأمر الآخر أن انتفاء الحاجة إلى التعريف أو الارتباط الشرطي بالأشياء الخارجية تدفع الإنسان تلقائيا إلى الارتداد نحو الداخل، أي داخل الإنسان. 

وهذا الارتداد يجعل الإنسان يُصلح علاقته بجسده ويشعر بوجوده كما لم يفعل من قبل. فحتى الآن كان الجسد مجرد بوابة يعيش الإنسان عبرها تجاربه مع العالم الخارجي، أما الجانب الآخر للجسد فهو أنه أيضا بوابة للعالم الداخلي والذي بمجرد الولوج إليه يصبح الإنسان وجها لوجه مع الوعي والعقل والنفس والقلب والروح.

هذه "الكيانات" ليست مادية ولكنها أشبه بشحنات الطاقة التي تتدفق باستمرار عبر جسد الإنسان. وهي نفس الطاقة التي تملأ الكون كله. إن إحساس الإنسان بهذه الطاقة وفهمها وقدرته على تحقيق الانسجام والتناغم بينها وبين العالم الخارجي، هو ما أسميه بحث الإنسان عن الله في نفسه. وهذه الرحلة تنقسم إلى قسمين، الأول هو البحث عن الله، أما القسم الثاني فهو البحث في الله، وهي رحلة لا نهاية لها.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.