A still image taken from a drone footage shows the damage two days after an explosion in Beirut's port area, Lebanon August 6,…
مرفأ بيروت، أو ما تبقى منه بعد الانفجار

لا كلمات مؤثرة يمكنها أن تبلسم أحزانا، أو تخفف من هول الآثار القريبة والبعيدة التي نكبت بها مدينة بيروت إثر الانفجار الذي حدث في المرفأ، خلال أقل من لحظة زمنية لانتصار الشرّ.

شرّ عصيّ على الفهم، وعصيّ على الانضباط، دمرّ في نشوته، ماديا ومعنويا، أكثر من نصف مدينة، وملايين الحيوات، عصر الرابع من شهر أغسطس الجاري، مضيفا هذا التاريخ المفصلي، كنزفٍ سيّال طازج، ينضم إلى سلسلة طويلة من تواريخ القهر، التي ما زالت مفتوحة للمجهول.

مرفأ بيروت، لم يكن يوما ميناء تقليديا لاستقبال ومغادرة السفن وبضائعها فقط، عند أرصفته، سالت أنهار من دموع حزن وداع أو فرح لقاء. وعند مدى مياهه الحيوية، تنهدت آمال وتطلعات وأحلام. تعطيل رمزيته المرتبطة بوشائج تاريخ بشري طويل، يعني إغلاق نافذة كانت على مر السنين، الأكثر رحابة لأهل البلاد وما خلفها، وانفجاره يعني حرفيا انفجار أوسع رئة تنفس منها شرق المتوسط.

شياطين يبدون بمظهر طهراني، ينفثون في العقد، مطلع الفجر، وعند تنفس الصباح، وقبيل مغيب شمس مرفأ في يوم صيفي مرير

ليست هذه الكارثة الأولى في التاريخ القديم أو الحديث، وقد لا تكون الأخيرة، طالما أن بلاد أرز الرب، رسمتها السماء لتكون واحدة من جنان الأرض، مصابة بالحسد المزمن، كلما اشتد بهاؤها، تغول حسادها، وتمكنت منها بعض الشياطين، وحكمتها.

للشياطين أنواع، من سوء حظ هذه البلاد، أنها تبتلى من حين إلى آخر بأكثرهم لؤما، ممن يحفرون قوانينهم بنصل السكين فوق لوائح الظل السوداء، التي تسن ثقافة "الزعرنة"، وكراهية الأمان، وإشاعة القبح، وتدمير بناء الثقة.

شياطين يبدون بمظهر طهراني وياقات منشّاة، ينفثون في العقد، مطلع الفجر، وعند تنفس الصباح، وقبيل مغيب شمس مرفأ في يوم صيفي مرير.

بيروت التي أعلنت رسميا إثر الانفجار مدينة منكوبة، نكبت باستمرار بأشكال مستحدثة من فنون التدمير المادي والمعنوي، وأضيفت، أحيانا في السر ومؤخرا في العلن، لتتحول إلى واحدة من أبرز البلدان التي تنتمي إلى القائمة الطويلة والعريضة لبلاد الخوف.

في بلاد الخوف هذه، أو ما يشابهها، الممتدة جغرافيا من شرق القصور إلى غرب الزنازين، ومن شمال الحواجز إلى جنوب القهر، فضاؤها يمتلأ بذرات الخوف، الذي يتمدد بحسب المناخ ويصير عابرا للحدود والإنسانية.

الخوف الوجودي من الموت الطبيعي، هو أرق أنواع الخوف في قاموس أهلها، إذ تسود عليهم أنواع خوف مصنّع أخرى، مثل أولويات قسرية، أو كمثل ألفباء ليوميات متكررة خائفة ومطاطة، لا تكف عن التطاول والتمادي.

بين كل صباح ومساء، يخاف الطفل من معلمه في المدرسة، والمعلم يخاف من ولي أمر تلميذ ما، وتخاف المرأة من رجلها، ومن كل رجال العائلة ومن المجتمع، فيما يتقاسم الرجال الخوف من بعضهم البعض، ومن جيرانهم، ومن تقارير رفاق عملهم، ومن أرباب عملهم.

بين كل صباح ومساء، يخاف الجميع من "بعبع" الكلام، و"غول" التفكير في الحرية، ولا يتوقفون عن الخوف من الأشباح التي ستظهر بينهم حتما، كلما فكروا بالخلاص.

يكتمون أفواههم، ويهدئون أعصابهم بـ "الزهورات" خوفا من انفجار غضبهم في لحظة مصيرية، قد يجلب عليهم غضب أحد الغاضبين الكبار، ويلجأ معظمهم إلى عوالم التمائم والبخور والأيقونات، والتضرع للقديسين والأبرار والغيبيات، أو الاستناد إلى ما تخبرهم به حركة النجوم والأبراج الفلكية، لعلها تساعد في طمأنتهم، وتهدئ من روع الغاضبين الدائمين عليهم.

الأحلام تحدث عند عمومهم في المنام لا أكثر، فلا آمال واهية، ولا طموحات ترسم أحلاما مستقبلية، يدركون مسبقا أنها ستتحول ـ بفعل فاعل مجهول ـ إلى أضغاث أحلام. ولأن إمكانيات البقاء تتقلص، وشروط العيش الكريم تتراجع وتنوء يوما إثر يوم، يتحدون جميعا في خوفهم الأبدي، الذي ينبض بقوة عكس نبضات قلوبهم المنهكة، ويجربون ما استطاعوا إبعاد التهديد المستمر لوحشية الفقر وعدم رحمته.

رغم كل ما تقدم، ثمة أمل شحيح، أن يكون هذا الخوف الأخير، هو ذروة الخوف، ولم يعد يمتلك ما يخيف به أكثر مما فعل، وتجبر

رغم ذلك، وقياسا لمقومات الإنسانية، يعتبر عمومهم فقراء، بل فقراء وخائفون، دواؤهم ومشربهم وطعامهم وهواءهم فاسد، تظللهم قوانين فاسدة، ومظلات أحزاب مدنية ودينية وأعراف وصحافة وطبابة فاسدة، بحيث يمكن أن يضاف إلى بلاد الخوف هذه، توصيف بلاد الخوف الفاسدة.

هذا الخوف المتأصل في مثل هذه البلاد، وما شابهها، لم يكن يوما بمثل هذه الحدة والتمادي المنتشرين في مثل هذه الأوقات، حيث تكاثرت الأوجاع والمصائب دفعة واحدة لتحقق المثل الذي يقول إن المصائب لا تأتي مفردة.

حل وباء كورونا، ووباء الجوع، والتحفظ على أموال المودعين في المصارف وإذلالهم من أجل حفنة من القروش، والبطالة، وانهيار الاقتصاد وشح السيولة، والتهديد المستمر بالحروب الاقليمية أو الأهلية، وغيرها من الكوارث المتلاحقة التي سجل التاريخ شبيها لقسوتها وضراوتها، لكن ذاكرة التاريخ وذاكرة الأحياء، أجمعتا أن إمكانية الخلاص كانت متاحة دوما عبر بعض السبل، وكان الهارب من جبروت السلطان، أو الجوع أو الحرب أو الوباء، يركب دابته أو عربته، ويتجه بما خف من حمله، عبر حدود الدول المجاورة المفتوحة، أو يتجه إلى أي ميناء، ويهاجر عبر البحار.

لكن الحدود والنوافذ مغلقة اليوم أمام الهاربين، وأحكم الحصار قبضته، فلا تأشيرات سفر تمنح، ولا طائرات تطير، ولا أحد يرغب بهؤلاء المرهقين، فيما الميناء، تعطل يا سادة في بلاد الخوف.

رغم كل ما تقدم، ثمة أمل شحيح، أن يكون هذا الخوف الأخير، هو ذروة الخوف، ولم يعد يمتلك ما يخيف به أكثر مما فعل، وتجبر.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.