لا كلمات مؤثرة يمكنها أن تبلسم أحزانا، أو تخفف من هول الآثار القريبة والبعيدة التي نكبت بها مدينة بيروت إثر الانفجار الذي حدث في المرفأ، خلال أقل من لحظة زمنية لانتصار الشرّ.
شرّ عصيّ على الفهم، وعصيّ على الانضباط، دمرّ في نشوته، ماديا ومعنويا، أكثر من نصف مدينة، وملايين الحيوات، عصر الرابع من شهر أغسطس الجاري، مضيفا هذا التاريخ المفصلي، كنزفٍ سيّال طازج، ينضم إلى سلسلة طويلة من تواريخ القهر، التي ما زالت مفتوحة للمجهول.
مرفأ بيروت، لم يكن يوما ميناء تقليديا لاستقبال ومغادرة السفن وبضائعها فقط، عند أرصفته، سالت أنهار من دموع حزن وداع أو فرح لقاء. وعند مدى مياهه الحيوية، تنهدت آمال وتطلعات وأحلام. تعطيل رمزيته المرتبطة بوشائج تاريخ بشري طويل، يعني إغلاق نافذة كانت على مر السنين، الأكثر رحابة لأهل البلاد وما خلفها، وانفجاره يعني حرفيا انفجار أوسع رئة تنفس منها شرق المتوسط.
شياطين يبدون بمظهر طهراني، ينفثون في العقد، مطلع الفجر، وعند تنفس الصباح، وقبيل مغيب شمس مرفأ في يوم صيفي مرير
ليست هذه الكارثة الأولى في التاريخ القديم أو الحديث، وقد لا تكون الأخيرة، طالما أن بلاد أرز الرب، رسمتها السماء لتكون واحدة من جنان الأرض، مصابة بالحسد المزمن، كلما اشتد بهاؤها، تغول حسادها، وتمكنت منها بعض الشياطين، وحكمتها.
للشياطين أنواع، من سوء حظ هذه البلاد، أنها تبتلى من حين إلى آخر بأكثرهم لؤما، ممن يحفرون قوانينهم بنصل السكين فوق لوائح الظل السوداء، التي تسن ثقافة "الزعرنة"، وكراهية الأمان، وإشاعة القبح، وتدمير بناء الثقة.
شياطين يبدون بمظهر طهراني وياقات منشّاة، ينفثون في العقد، مطلع الفجر، وعند تنفس الصباح، وقبيل مغيب شمس مرفأ في يوم صيفي مرير.
بيروت التي أعلنت رسميا إثر الانفجار مدينة منكوبة، نكبت باستمرار بأشكال مستحدثة من فنون التدمير المادي والمعنوي، وأضيفت، أحيانا في السر ومؤخرا في العلن، لتتحول إلى واحدة من أبرز البلدان التي تنتمي إلى القائمة الطويلة والعريضة لبلاد الخوف.
في بلاد الخوف هذه، أو ما يشابهها، الممتدة جغرافيا من شرق القصور إلى غرب الزنازين، ومن شمال الحواجز إلى جنوب القهر، فضاؤها يمتلأ بذرات الخوف، الذي يتمدد بحسب المناخ ويصير عابرا للحدود والإنسانية.
الخوف الوجودي من الموت الطبيعي، هو أرق أنواع الخوف في قاموس أهلها، إذ تسود عليهم أنواع خوف مصنّع أخرى، مثل أولويات قسرية، أو كمثل ألفباء ليوميات متكررة خائفة ومطاطة، لا تكف عن التطاول والتمادي.
بين كل صباح ومساء، يخاف الطفل من معلمه في المدرسة، والمعلم يخاف من ولي أمر تلميذ ما، وتخاف المرأة من رجلها، ومن كل رجال العائلة ومن المجتمع، فيما يتقاسم الرجال الخوف من بعضهم البعض، ومن جيرانهم، ومن تقارير رفاق عملهم، ومن أرباب عملهم.
بين كل صباح ومساء، يخاف الجميع من "بعبع" الكلام، و"غول" التفكير في الحرية، ولا يتوقفون عن الخوف من الأشباح التي ستظهر بينهم حتما، كلما فكروا بالخلاص.
يكتمون أفواههم، ويهدئون أعصابهم بـ "الزهورات" خوفا من انفجار غضبهم في لحظة مصيرية، قد يجلب عليهم غضب أحد الغاضبين الكبار، ويلجأ معظمهم إلى عوالم التمائم والبخور والأيقونات، والتضرع للقديسين والأبرار والغيبيات، أو الاستناد إلى ما تخبرهم به حركة النجوم والأبراج الفلكية، لعلها تساعد في طمأنتهم، وتهدئ من روع الغاضبين الدائمين عليهم.
الأحلام تحدث عند عمومهم في المنام لا أكثر، فلا آمال واهية، ولا طموحات ترسم أحلاما مستقبلية، يدركون مسبقا أنها ستتحول ـ بفعل فاعل مجهول ـ إلى أضغاث أحلام. ولأن إمكانيات البقاء تتقلص، وشروط العيش الكريم تتراجع وتنوء يوما إثر يوم، يتحدون جميعا في خوفهم الأبدي، الذي ينبض بقوة عكس نبضات قلوبهم المنهكة، ويجربون ما استطاعوا إبعاد التهديد المستمر لوحشية الفقر وعدم رحمته.
رغم كل ما تقدم، ثمة أمل شحيح، أن يكون هذا الخوف الأخير، هو ذروة الخوف، ولم يعد يمتلك ما يخيف به أكثر مما فعل، وتجبر
رغم ذلك، وقياسا لمقومات الإنسانية، يعتبر عمومهم فقراء، بل فقراء وخائفون، دواؤهم ومشربهم وطعامهم وهواءهم فاسد، تظللهم قوانين فاسدة، ومظلات أحزاب مدنية ودينية وأعراف وصحافة وطبابة فاسدة، بحيث يمكن أن يضاف إلى بلاد الخوف هذه، توصيف بلاد الخوف الفاسدة.
هذا الخوف المتأصل في مثل هذه البلاد، وما شابهها، لم يكن يوما بمثل هذه الحدة والتمادي المنتشرين في مثل هذه الأوقات، حيث تكاثرت الأوجاع والمصائب دفعة واحدة لتحقق المثل الذي يقول إن المصائب لا تأتي مفردة.
حل وباء كورونا، ووباء الجوع، والتحفظ على أموال المودعين في المصارف وإذلالهم من أجل حفنة من القروش، والبطالة، وانهيار الاقتصاد وشح السيولة، والتهديد المستمر بالحروب الاقليمية أو الأهلية، وغيرها من الكوارث المتلاحقة التي سجل التاريخ شبيها لقسوتها وضراوتها، لكن ذاكرة التاريخ وذاكرة الأحياء، أجمعتا أن إمكانية الخلاص كانت متاحة دوما عبر بعض السبل، وكان الهارب من جبروت السلطان، أو الجوع أو الحرب أو الوباء، يركب دابته أو عربته، ويتجه بما خف من حمله، عبر حدود الدول المجاورة المفتوحة، أو يتجه إلى أي ميناء، ويهاجر عبر البحار.
لكن الحدود والنوافذ مغلقة اليوم أمام الهاربين، وأحكم الحصار قبضته، فلا تأشيرات سفر تمنح، ولا طائرات تطير، ولا أحد يرغب بهؤلاء المرهقين، فيما الميناء، تعطل يا سادة في بلاد الخوف.
رغم كل ما تقدم، ثمة أمل شحيح، أن يكون هذا الخوف الأخير، هو ذروة الخوف، ولم يعد يمتلك ما يخيف به أكثر مما فعل، وتجبر.

