An aerial view taken on August 7, 2020, shows a partial view of the port of Beirut, the damaged grain silo and the crater…
صورة جوية للدمار الذي طال مرفأ بيروت نتيجة للانفجار

في الدقائق الأولى كنت مقتنعا أنها هزّة أرضية. للحظات نظرت إلى سقف البيت منتظرا سقوط أجزاء منه. عندما تمكنا من النزول من البناية خوفا من هزّة ارتدادية، نظرت زوجتي إلى الغيوم الحمراء التي يشبه لونها دم العفاريت في الأساطير وهمست بأذني "إنها علامات القيامة".

من الممكن اعتبارها تجربة افتراضية عن يوم القيامة، لكنها في الحقيقة هي تجربة نووية حيّة أو محدودة، حظي بها الشعب اللبناني دون غيره من الشعوب، وستُسجل كتجربة تُميّزه في تاريخ البشرية. 

في القرن الماضي سمعت البشرية بانفجار هيروشيما فقط، وأغلب سكان الأرض شاهدوا الانفجارات النووية فقط في أفلام السينما، باستثناء تجربة عصف نووي سوفياتية مُصورة، بعد أن نجح العالِم النووي السوفياتي أندريه ساخاروف في إنتاج نوعية جديدة من القنابل الهيدروجينية، لكن ساخاروف أنّبه ضميره على اختراعه، فأعلن عصيانه وتمرده على السلطة السوفياتية التي قامت بسجنه لسنوات.

السلطة الحاكمة وصلت إلى ذروة إنكارها وهي الآن أمام مواجهة تاريخ جديد على الأغلب سيشكل الموجة الثانية من انتفاضة 17 أكتوبر

وفي الحديث عن السوفيات وأسلحة التدمير الشامل، تقفز حادثة تشيرنوبيل مباشرة إلى الذاكرة، وتُعيد إنتاج الخوف من الموت الجماعي والكوارث البشرية التي تبقى آثارها لعشرات السنين، لكن ارتدادات تشيرنوبيل لم تقتصر على الارتدادات الإنسانية والبيئية فقط، فالارتداد الأهم لتشيرنوبيل كان سياسيا وبنيَّويا، فقد كشف حجم الاهتراء والإهمال الذي أصاب حتى المؤسسات الاستراتيجية السوفياتية. ويُجمع الخبراء في الشأن الروسي بأن انفجار تشيرنوبيل سرَّع في سقوط الاتحاد السوفياتي.  فقد وضعت الحادثة حدا للدعاية الروسية عن عظمة القوة السوفياتية القادرة على السيطرة على الكرة الأرضية تكنولوجيا وعسكريا.

من المستحيل مقارنة لبنان بالاتحاد السوفياتي، لكن الأزمة أن حكام هذا البلد الصغير لم يأخذوا العبرة مما حدث لإمبراطوريات اعتقدت أنها خالدة، حتى لو كان نظام الحكم فيها متماسكا سياسيا وعقائديا، ونجح في تطويع مواطنيه، العبرة من السوفيات أن كارثة غير متوقعة غيّرت مجرى التاريخ، ومهما امتلكت الدولة أو السلطة أو الحزب الحاكم من أدوات قوة تعجز عن تغيير مساره، ففي لحظة الحقيقة يسير باتجاه واحد، وعقارب الساعة من المستحيل أن تعود إلى الوراء.

وفي الرابع من الشهر الحالي اقترب اللبنانيون من فكرة الموت الجماعي، بعدما غامرت سلطة الأحزاب الفاسدة سياسيا وماليا بسلامة العاصمة وخزّنت قنبلة تدمير شامل في مرفق مدني يبعد مئات الأمتار عن الأحياء السكنية، وهذا لوحده يكفي ليس للمطالبة بمحاسبة المقصرين ولكنه يكفي للمطالبة برحيل المنظومة الحاكمة.

حالة الإنكار التي تمارسها الطبقة السياسية اللبنانية وتهربها من تحمل المسؤولية تكاد تكون نسخة مصغرة عن حالة القيادة السوفياتية عندما أبلغتها مملكة السويد بعد يومين من انفجار المفاعل رقم 4 عن ارتفاع نسبة الإشعاع في مناطقها الحدودية مع الاتحاد السوفياتي، لكن السوفيات حاولوا التعتيم والتنكر من تحمل المسؤولية ولم تقم أجهزة الدولة بالحديث العلني عن الانفجار إلا بعد 18 يوما.

تلاشت سلطة الدولة وغاب حضورها في الشارع وخافت من ردّت فعل المواطنين حيث لم يجرؤ ميشال عون، وهو رئيس الجمهورية، على تفقد الأماكن المتضررة في صورة تُشبه إلى حد ما، ما كتبه المؤرخ الأوكراني سيرجي بلوخي في كتابه "تشيرنوبل: تاريخ كارثة نووية 2018"، أن الرجل الأقوى في الاتحاد السوفيتي بذلك الوقت لم يرَ ضرورة لإيقاظ الزعماء السياسيين الآخرين، أو قطع عطله لنهاية الأسبوع بجلسة طارئة، فقد اكتفى بإنشاء لجنة حكومية برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء بوريس شربينا، للتحقيق في أسباب الانفجار، وفي الوقت نفسه، كان المواطنون في خطر، لكن لم يجرؤ أحد على طلب الإخلاء".

حالة الإنكار التي تمارسها الطبقة السياسية اللبنانية وتهربها من تحمل المسؤولية تكاد تكون نسخة مصغرة عن حالة القيادة السوفياتية

في السنوات الـ 15 الأخيرة من عمر الاتحاد السوفياتي تغلغلت مافيا الدولة المنظمة في مفاصل السلطة وتحكمت في مفاصل القرار وخصوصا الاقتصادية، لدرجة أن صحيفة ليتراتورنايا غازيتا في افتتاحيتها بتاريخ 20 يوليو 1989 قالت: "ليست المافيا صورة جميلة، إنها واقع، إنها مرض كنا نفكر منذ عهد قريب وبخفة أنه من غير الممكن أن يهدد مجتمعنا". والحقيقة أن ما يمكن تسميتها بالمجتمعات السوفياتية لم تزل تدفع حتى الآن ثمن الأمراض التي تسببت بها مافيا الدولة المنظمة وهذا ما يتعرض له الشعب اللبناني الآن من خلال سلطة مافيوية تسيطر على قرار الدولة.

عودة على بدء، إلى الاختبار النووي. إن السلطة الحاكمة وصلت إلى ذروة إنكارها وهي الآن أمام مواجهة تاريخ جديد على الأغلب سيشكل الموجة الثانية من انتفاضة 17 أكتوبر، ولكن هذه المرة تتجه أنظار العالم نحو بيروت التي باتت تحت المجهر الدولي، وأي تلاعب في التحقيقات أو في تغطية الجُنات أو في ممارسة القمع ضد المتظاهرين لن تمر دون موقف دولي صارم، فالمجتمع الدولي سحب اعترافه شبه النهائي بالسلطة، والشعب أقرب إلى الإعلان عن حرب تحرير الدولة.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.