A Lebanese protester waves the national flag during clashes with security forces in downtown Beirut on August 8, 2020,…
شهدت شوارع بيروت تظاهرات واسعة ضد السلطة

قبيل السادسة مساء، كنت أكمل القراءة اليومية قبل أن أخرج لأمارس رياضة المشي اليومية. أسير عادة باتجاه وسط البلد والمرفأ. دقائق قليلة وأسمع صوت انفجار اهتز له المنزل، ثم انفجار آخر أكبر وأطول شعرت معه أن الأثاث والبناية يتحركان. بدا الصوت وكأنه مترافق مع عاصفة هوائية أو صفير، وكأن شيئا ما ضرب سطح المبنى وسقوط أشياء عن السطح. وقفت أنظر حولي لا أدري ماذا عليّ أن أفعل. نظرت من الشرفة تهيأ لي أن بإمكاني رؤية مكان الانفجار. ثم بدأ الناس بالنزول إلى الشارع شاخصين نحو المرفأ. احترت هل أخرج أم أبقى في الشقة؟ وماذا أضع في حقيبتي كي أكون مستعدة لكل طارئ؟ غمرني شعور بخطر مبهم غير محدد. كنت كمن يبحث عن مكان مناسب لاستقبال الموت المحتمل القادم.

ظلت محطات التلفزيون تعرض برامجها العادية لحوالي ثلث ساعة قبل أن نعرف أن ما حصل هو انفجار وإعلان مكانه. كنت قد تجولت في المنزل وعاينت الأضرار: كتب مندلقة وحاجز مخلوع أزاح البراد من مكانه وزجاج محطم ونباتات على الأرض. أخبرني الناطور مساء أن زجاج سيارتي تحطم أيضا. بيتي يبعد حوالي خمس كيلومترات عن المرفأ. علمت لاحقا أن البيوت القريبة من الانفجار تهدمت وأن حوالي 250 أو 300 ألف نسمة في العراء عدا الأحياء والبيوت المتضررة.

يطالب اللبناني بالتخلص من هذه السلطة التي جلبت له جميع أنواع الأخطار ورمته في العراء

افترش الزجاج الشوارع. في اليوم التالي، احتفظت الشوارع البعيدة عن مركز الانفجار ببقايا الزجاج وبقايا قطع معدنية وبلاستيكية. كلما اقتربنا من وسط البلد تكاثرت بقايا الزجاج والأكياس الممتلئة بالركام وعربات اليد التي يجرها عمال نظافة. انتشر الشباب والشابات في شارع الجميزة ينظفون ويرفعون ركام البنايات المدمرة.

في 4 آب أُمطرت بيروت دما ودموعا وسموما وزجاجا ورعبا.

كلمة السر: الحمدالله عالسلامة. الوجوه تغطيها الدهشة والذهول واليأس المختلط بالحزن والغضب. كأنهم لا ينتظرون شيئا من أحد. كأنهم دفنوا الدولة مع الركام. بيروت ـ المرفأ منذ الأزل فقدت نافذتها البحرية وسُدّ شريانها المائي ودمّر نصفها الحيوي. الفكرة الهائمة في الجو: كم مرة يجب أن تهدم ليعاد بناؤها؟ أي من المدن احتملت هذا القدر من الهدم وإعادة البناء؟

كم انفجار يلزمنا بعد؟ وكم كارثة وكم حرب لقليل من السلم والأمن؟ وكأن الخيار الوحيد أمام اللبناني هو اختيار طريقة موته: كورونا؟ بيروتشيما؟ أم تيتانيك الجوع والفساد؟ سلاح إيران أم سلاح إسرائيل؟ ماذا فعل اللبناني كي يعاقب هكذا؟ وإلى متى سيبقى وطنه سائبا دون حدود أو مسؤول؟ هل تحرير فلسطين مسؤوليتنا؟ هل نحن أفضل حالا منهم؟ هل عانى الشعب الفلسطيني أكثر من الشعب اللبناني؟ هل نكبته أكبر من نكباتنا؟ كم يلزمنا بعد لنتحرر ممن يزعمون تحريرنا؟

يردد الجميع: لم نشهد في تاريخ حروبنا المديد ما نشاهده من دمار. من الأجساد الممددة أو المقطعة أو المفقودة تحت الأنقاض والمتروكة للأهالي مهمة البحث عنهم. وكأن ما كان يحصل في الحرب خلال سنوات تكثف في لحظة واحدة. ذكر المعهد الأميركي للجيوفيزياء أن قوة الانفجار كانت كزلزال بقوة 3,3 درجة على مقياس ريختر بينما ذكر المرصد الأردني أنه بقوة 4,4 درجة.
أشارت مجلة فورين بوليسي إلى أن ما يقارب 10 في المئة من سكان العاصمة أصبحوا دون مأوى. وتقدر الخسائر بالممتلكات بمليارات الدولارات.

تتوالى مشاهد المساعدات التي تصل من نفس البلدان العربية والغربية التي قاطعها الحكم مع وليّ أمره. تدمع أعيننا ونشعر بالذل والإهانة والغضب، يريدوننا شعبا منكوبا محتاجا، شحاذا، على مر السنين. متى ينتهي هذا المسلسل؟ كفى، رحمة بلبنان وشعبه. اسمحوا لنا بمسحة كرامة.

يشعر اللبناني اليوم بالغضب المختلط بالقلق والخوف وعدم الاطمئنان، أمام ثالث أكبر كارثة ـ انفجار في العالم، بعد انفجاري هيروشيما وناكازاكي. مجلة فورين بوليسي شبهته بتشيرنوبيل بيروت، ولم يستقل أي مسؤول. يتعاملون مع الانفجار كأنه كارثة طبيعية أو هزة أرضية، للتنكر من مسؤوليتهم. الحكومة والمجلس الأعلى للدفاع يحصون القتلى بدلا من حماية الناس! يتعجبون ويدينون وجود مواد شديدة الانفجار والاشتعال منذ 6 سنوات في المرفأ! وكأنها نيزك هبط من السماء.

إن السلطة بكافة مكوناتها تتحمل مسؤولية هذا الانفجار الناتج عن الإهمال والفساد وترك المرفأ لسلطة الأمر الواقع. إن السؤال الذي ينبغي أن يجيبوا عليه: ما الذي تفعله هذه المواد ـ الأسلحة في مرفأ بيروت المدني؟ وليس لماذا حصل الانفجار تقنيا وكيف.

أما المعلومات المضحكة التي يعطونها، فكأننا نعيش في إيران أو سوريا. إن استغباؤهم لنا وللعالم لا يدل سوى على الغباء.

من هنا المطالبة بلجنة تحقيق دولية وبإشراف دولي. ومع أنني أشك أن اللجنة لو شكلت، في أن تجد هذه المرة ما يدل على حقيقة ما جرى. فتفجير 2005 والمحكمة الدولية كان كافيا لتعلم الدرس.

لذا نحتاج إلى مساعدات دولية، لكن ليس للإسعاف فقط، بل للحماية من السلطة الحاكمة ولمساعدتنا على استعادة سيادتنا والحياد في تفعيل عمل قوات الأمم المتحدة (اليونيفيل) لحماية كامل الحدود تنفيذا للقرارات الدولية دون استنسابية. فلبنان بلد محتل.

السلطة بكافة مكوناتها تتحمل مسؤولية هذا الانفجار الناتج عن الإهمال والفساد وترك المرفأ لسلطة الأمر الواقع

يطالب اللبناني بالتخلص من هذه السلطة التي جلبت له جميع أنواع الأخطار ورمته في العراء. من هنا الاحتفاء بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والتحلق حوله لأنه جسّد المسؤولية المفقودة. بلغ يأسهم حد مطالبته بتجديد الانتداب!

لا شيء قد يشفي الجراح، في وقت الصدمة هذا، سوى معرفة الحقيقة ومحاسبة المسؤولين. من تسبب بالجريمة لن يتوصل إلى معرفة الحقيقة. لن يخرجنا مما نحن فيه من جعل ممكنا ما وصفته الممرضة مريم بري: "ما مرق على دولة متل اللي مرق علينا، الدكاترة والممرضين يشتغلوا على ضو فلاش التلفون لانو ما في كهربا. مستشفى الروم عم تطلب مولد كهربا!".

إنها النفوس الضعيفة الخانعة الجشعة التي سمحت لـ"حزب الله" باحتلال مرفأ بيروت ومصادرته لجعله مخزن أسلحة إيراني. وقلة تتجرأ على الاعتراف والتصريح بذلك.

المؤسف، أنه فيما رفعت عدد من عواصم الدول العربية والغربية حول العالم، علم لبنان حزنا وتعاطفا، أتحفنا خامنئي بتصريحه المستهجن وغير الإنساني: انفجار مرفأ بيروت بطاقة ذهبية يفتخر بها لبنان!

المضحك المبكي في هذه التراجيديا المستمرة، أن السيناريو الذي أخبرنا به الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله ضاحكا، حين وصف صاروخا قد يصيب مخزن أمونيا في حيفا ويفجّره فيسقط آلاف الضحايا، تحقق في بيروت. وبعد صمت طويل غير معتاد ودون اتهام إسرائيل، أصدر الحزب بيان تعزية هزيل موجه إلى اللبنانيين وكأنهم مواطنون في بلد آخر.

عسى أن نخرج من الكارثة نحو لبنان جديد حر وسيد مستقل بإرادة اللبنانيين الذين ملأوا الساحات أمس السبت.

ملاحظة: قدم استقالته كل من: النائب مروان حمادة وكتلة نواب حزب الكتائب وسفيرة لبنان في الأردن، وكان سبق ذلك استقالة وزير الخارجية ناصيف حتي.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.