An anti-government protester chants slogans inside the Lebanese foreign ministry in Beirut, Lebanon, Saturday, Aug. 8, 2020. A…
متظاهرون يقتحمون مبنى وزارة الخارجية اللبنانية في بيروت ويسيطرون عليه

يأتي الدور على بيروت، لتنضم إلى شقيقاتها الغارقات في مستنقعات الخيبة والفشل: دمشق، بغداد، صنعاء، طرابلس، قبلها مقديشيو، وبعدها عدة عواصم تصطف تباعا للسقوط في المستنقع ذاته، ألم نقل في مقال سابق على هذه الصفحة، أن "نادي الدول الفاشلة" في العالم العربي سيستقبل المزيد من الأعضاء الجدد، وأن دولا تقف على حافة الفشل، سنزلق إلى قعره، بعد "الجائحة"، وأن "الفيروس" سيفاقم اتجاهات التدهور ويسرّعها، ويفجّر دينامياتها الكامنة في دولنا ومجتمعاتنا منذ سنوات وعقود..."الجائحة" لم تنشئ وضعا جديدا، وإنما عجّلت في الكشف عن المستور من عوراتنا.

صورتان تكشّف عنهما "الزلزال/الكارثة" الذي أتى على مرفأ بيروت وأحال المدينة برمتها، إلى واحدة من مدن الحرب العالمية الثانية المنكوبة... الأولى؛ المقدار الهائل من الحب والعطف الذي تكنه شعوب المنطقة ومجتمعاتها، بل وشعوب العالم على اتساعه، لهذا البلد الفريد في منطقتنا، ولشعبه المبدع الخلّاق، المتشبّث بالحياة، الذي أجاد في كل مرة، الخروج من تحت الركام والأنقاض، لينهض من جديد... 

والثانية؛ مقدار مماثل من السخط والاحتقار، تكنه هذه الشعوب والمجتمعات، للطبقة السياسية الفاسدة، المتحكمة منذ عشرات السنين، برقاب البلاد والعباد، والممسكة بتلابيب عيشهم ومصادر رزقهم... طبقة يتخطى فسادها الإدارة والمال والأعمال، إلى الإفلاس القيمي والأخلاقي، فما عاد يستثيرها انفجار بخمس درجات على مقياس ريختر، أو تبدّل من جداول أعمالها، كارثة بحجم تلك التي حوّلت بيروت إلى مدينة أنقاض وأشاح، تفوح من أرضها وسمائها روائح الموت والدمار والعصف الكيماوي.

بم تختلف بيروت عن بغداد، سوى أن الأخيرة لديها فائض من المال والطاقة، يكفي لستر بعض عورات أمراء الطوائف والمذاهب والمليشيات المدججة بالسلاح والكراهية

قد تبدو الصورة من بيروت، كما لو أن لبنان "استثناء" في محيطه العربي... هو استثناء بلا شك، لجهة ما تعرض له من حروب متعاقبة على امتداد أزيد من أربعة عقود متتالية، حروب أهله وحروب الآخرين عليه، وما ابتُليَ به من نكبات، تكفي واحدة منها، للإطاحة بدول ومجتمعات بأكملها... لكنه ليس "استثناءً" إن نُظر للأمر من زاوية أخرى، زاوية فشل النخب الحاكمة، في إدارة البلاد وتدبير شؤون العباد، لجهة فشل مشروع بناء "الدولة الوطنية" القادرة والعادلة، التي تقف على مسافة واحدة من مواطنيها ومكوناتها، وتواكب العصر لجهة ما تضطلع به من وظائف وتقدمه من خدمات.

بهذا المعنى، بم تختلف بيروت عن دمشق، بل وباقي المدن السورية، التي حولتها حرب السنوات العشر، إلى خرائب ومدن أشباح... ما الذي يميز الطبقة السياسية اللبنانية عن نظيرتها في سوريا، سوى أن دمشق يحكمها ديكتاتور واحد، فيما لبنان محكوم بثمانية عشرة ديكتاتورا، كما قال أحد اللبنانيين ساخرا في تغريدة له على "تويتر"... بم يختلف حال اللبنانيين عن حال السوريين، فيما شرائح واسعة من الشعبين الشقيقين، تبحث عن لقمة عيشها في حاويات الزبالة وتفترش الطرقات، وتنام على "انعدام يقين" على مستقبلها ومستقبل أطفالها؟

بم تختلف بيروت عن بغداد، سوى أن الأخيرة لديها فائض من المال والطاقة، يكفي لستر بعض عورات أمراء الطوائف والمذاهب والمليشيات المدججة بالسلاح والكراهية... لا ماء ولا كهرباء ولا طرقات ولا خدمات صحية وتعليمية بحدها الأدنى، هنا وهناك، فيما الفساد المالي والإداري، والإفلاس الأخلاقي، يكاد يكون حاضرا بنفس الصور والأشكال في العاصمين الشقيقتين.

حال بيروت بهذا المعنى، يشبه حال العواصم العربية، وإن بأقدار متفاوتة من التفاقم، فجميعها "في الهمّ شرق"

إن نحن ذهبنا إلى صنعاء وعدن وطرابلس الغرب وبنغازي وطبرق، لا يبدو المشهد مغايرا... "حروب الأخوة الأعداء" تكاد تأكل الأخضر واليابس، والبلاد موزعة على المحاور والعواصم الكبرى المتصارعة، وروائح الفساد تزكم الأنوف، و"حروب الوكالة" تكاد تأتي على ما تبقى من لحمة وطنية ونسيج اجتماعي.

الخراب لا يتوقف هنا، وقطار التفكك والانحلال يسير من محطة إلى أخرى، والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: أي العواصم العربية أكثر ترجيحا لأن تكون "التالية" بعد بيروت؟... الخرطوم المفتوحة على شتى احتمالات "الانتقال" الصعب، رام الله التي شهدت في توقيت متزامن مع كارثة بيروت، نوعا جديدا من "الاحتلال"، لم تنفذه إسرائيل هذه المرحلة، بل "الحمائل المسلحة" والسلاح المنفلت من كل عقال... 

تونس التي احتلت مكانة الصدارة في عشرية الربيع العربي بوصفها التجربة الأنجح للانتقال السلمي نحو الديمقراطية، وقد بدأت رياح الفرقة والانقسام، معطوفة على "الخيبة الاقتصادية" تنخر في هذه المنجزات وتهدد بزوالها... القاهرة وخيبات الداخل والخارج محمّلة على "سيناريو العطش المديد"... الباب مفتوح لشتى الاحتمالات، بما فيها وصول قطار الخراب إلى عواصم خليجية، فقدت بوصلتها في الداخل كما في الخارج، ومصائرها تثير من القلق أكثر مما تبعث على الاطمئنان.

بيروت ليست "الاستثناء" في عالم "الخراب العربي"...  لا القديم الفاسد، المتآكل والمتهرئ ينوي الرحيل وتسليم الراية، ولا الجديد الباعث على الأمل، قادر على البزوغ وتسلم زمام الريادة... حال بيروت بهذا المعنى، يشبه حال العواصم العربية، وإن بأقدار متفاوتة من التفاقم، فجميعها "في الهمّ شرق"... والعرب موزعون على دول، يحكم بعضها أمراء الحرب والطوائف والمليشيات، وبعضها الأخر محكوم بأنظمة العسكر والطغاة المتجبرين والفاسدين، وبعضها الثالث يخضع لأنماط من حكم السلالات، تليق بالقرن السادس عشر، وليس بمطلع العشرية الثالثة من القرن الحادي والعشرين.

الفشل المتكرر والخيبات المتعاقبة، الذي ألم بشعوب المنطقة، سيترك أثرا، قد لا يُمحى إلى حين من الدهر

لم تترك الشعوب العربية فرصة إلا وخرجت فيها معبرة عن رغبتها في التغيير والإصلاح والثورة... لكن "الخراب المقيم" في دولنا ومجتمعاتنا، ينتصب دائما كعقبة كؤود في وجه رياح التغيير وقبضات الشباب والصبايا... هكذا انتهت الموجتان الأولى والثانية من ثورات الربيع العربي، على أمل أن تحظى الموجة الثالثة بمصائر مختلفة ونتائج مغايرة.

على أن الفشل المتكرر والخيبات المتعاقبة، الذي ألم بشعوب المنطقة، سيترك أثرا، قد لا يُمحى إلى حين من الدهر... البعض استغرب دعوات ألوف الشبان اللبنانيين للرئيس الفرنسي الزائر بإعادة الانتداب الفرنسي إلى لبنان... لم الاستغراب؟... أليس هناك من ينافح عن التمدد التركي في المنطقة، ويستعجل عودة "العثمانية الجديدة" لدولنا ومجتمعاتنا؟... أليس من بيننا من جعلوا من أجسادهم جسرا لعبور إيران إلى المنطقة والهيمنة على أربعٍ من عواصمها.... ألا يوجد عرب وكرد و(أقليات أخرى) يستميتون لاستبقاء الوجود العسكري الأميركي ـ الدولي بين ظهرانيهم؟... أليست روسيا بقواعدها وميليشياتها (فاغنر)، مدعوة (على الرحب والسعة) لإقامة دائمة ومريحة على أرضنا وشواطئنا؟... 

سأذهب أبعد من ذلك لأجازف بالقول: أليس هناك فلسطينيون في القدس والضفة وربما غزة، يرغبون البقاء تحت السيطرة/السيادة الإسرائيلية، بل والحصول على "المواطنة الإسرائيلية" بعد أن راقبوا بالعين المجردة، انهيار مشروعهم الوطني، وتآكل سلطتهم الفاشلة، وعجزها عن تقديم نموذج مغاير للعلاقة بين الحاكم والمحكوم؟

من الأسهل، الاكتفاء باتهام هذه الفئات والشرائح من شعوبنا بـ"العمالة" و"الخيانة" و"التساقط"، أو القول، إنها لحظة يأس عابرة... لكن من الأصعب تقديم إجابات حقيقية على أسئلة من نوع: من الذي أوصل هؤلاء إلى هذه النتيجة، ولماذا تبحث شعوبنا عن الخلاص في الخارج وعن طريقه، بدل النظر إلى "دواخلها" بحثا عن بارقة أمل جديد ومستقبل أفضل؟

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.