Protesters run from tear gas fired by police forces during an anti-government protest following Tuesday's massive explosion…
متظاهرون في لبنان يهربون من قنابل الغاز المسيل للدموع التي ترميها قوى الأمن

أغلبية مطلقة من الشعب اللبناني باتت تدرك ثلاث حقائق متراكبة: صار البلد الذي يعيشون فيه خاليا من كل أشكال الحياة، التنمية والاستقرار والسلام الاجتماعي والحريات العامة، وكل ما شابهها؛ وأن أوضاعهم ذاهبة إلى مزيد من التدهور بالتقادم المنظور. نفس هذه الأغلبية تعرف استعدادها التام لممارسة كل أشكال المعارضة السلمية، بما في ذلك العصيان المدني وشلّ الحركة العامة في البلاد، وهي فعلت ذلك أكثر من مرة قبل شهور قليلة. لكن فوق هاتين الحقيقتين، تُدرك نفس هذه الكتلة السكانية الضخمة من اللبنانيين، بأن كل أشكال تحركها لن يؤدي إلى شيء ملموس وذو مضمون في المستقبل المنظور، يستطيعون به تغيير أقدارهم الأولى، بسلوكياتهم الثانية.

ثمة حسٌ دفين، تكتنزه النخب السياسية والمدنية والمعرفية والشبابية المنخرطة في الحراك اللبناني، وإدراك جوهري، بأن الأحوال الجيوسياسية المحيطة بلبنان، الإقليمية والدولية، أكثر فاعلية ودورا من أية إرادة لبنانية داخلية، وأن الفاعلية الداخلية ليست إلا مؤثرا جانبيا، وأغلب الظن هامشيا.

لا يتعلق الأمر بمخطط أو مؤامرة مدبرة من تلك الفواعل الخارجية، مناهضة لإرادة التغيير اللبنانية، بل بنوع من التناغم والتعاضد والتفاهم المشترك بين المعادلات والقوى والتوازنات الإقليمية، وبما يناظرها من نُخب وقوى وروابط داخلية لبنانية، متوافقة على ألا يحدث تغيير جوهري.

لبنان ليس نموذجا استثنائيا في منطقتنا، لكنه الأمثولة الأكثر فجاجة وقسوة وتعبيرا عن اللاجدوى التي تمثلها كل "النضالات" الداخلية.

خاض اللبنانيون منذ نصف قرن كل أشكال الفعل والتجريب لانتشال بلادهم مما هي فيه، لتغير أقداره وتحويله إلى مُجرد بلد عادي. من تأييد واسع للنموذج العسكري/التنموي، في عهد الرئيس فؤاد شهاب، حيث كانوا يأملون بأن ذلك قد يجنب بلادهم ويلات الصراع بين الناصرية ومشيخات الخليج العربي، مرورا بخوضهم لحرب أهلية ضروس، لكسب وتحرير المجال الوطني، بعيدا عن أتون المسألة الفلسطينية المعقدة، وصولا لمؤازرة الحريرية الاقتصادية، التي قالت بأن استقلال الفضاء اللبناني أساسه التنمية الاقتصادي، وليس انتهاء بـ"ثورة الغضب المدنية"، ضد المحاور الإقليمية، تلك الثورة التي يخوضوها اللبنانيون منذ العام ،2004 على الأقل.

كل ذلك لم ينتج شيئا، ومجموع الدماء والأوجاع التي بُذلت في دروبها، لم تجترح ذلك الحلم المأمول، أن يكون لبنان بلدا عاديا، هذا الشيء الذي هو مُجرد بداهة، ولأجل استحالة ما هو مجرد بداهة، ثمة تراجيديا مهولة.

♦♦♦    

هل هذه حالة لبنانية فحسب! دون شك لا.

هي حالة عمومية ومتطابقة بين مختلف كيانات ودول منطقتنا، حتى أنها تكاد أن تكون البنية التحتية الأكثر استقرارا وصلابة وتعبيرا عن أحوال هذه الكيانات. حيث تجمع كلها على استحالة الاستقلال الداخلي لأي منها، وبالتالي التغيير الذاتي فيها، دون أن تطيح بها ترسانة ضخمة من المؤثرات والفاعليات التي تتدفق إليها من الخارج، بالذات من الكيانات المحيطة بها.

خاض اللبنانيون منذ نصف قرن كل أشكال الفعل والتجريب لانتشال بلادهم مما هي فيه، لتغير أقداره وتحويله إلى مُجرد بلد عادي

ففي سوريا اليوم، ثمة شعب كامل مُصاب بالإحباط، بما في ذلك أشد القواعد الاجتماعية مولاة لرأس النظام السوري. كل السوريين متوافقون مطلقا على أن مختلف أشكال النقاش والفعل والتجريب فيما بينهم، بما في ذلك الحرب نفسها، لن تؤدي إلى أي شيء، وأن سياق التغيير الوحيد الممكن، هو ما يمكن أن يُفرض من الخارج، ويراعي التموضع وتوازن القوة بين الدول الإقليمية في الوقت نفسه.

العراقيون والإيرانيون والمصريون، ومثلهم باقي الكيانات المندرجة في الفضاء الجيوسياسي العنكبوتي لهذا الإقليم، يعيشون نفس الحالة والتموضع.

♦♦♦

نتج ذلك عن تعاضد اللحظة التأسيسية لهذه الكيانات مع السياقات المتطابقة التي سارت فيها، وطبعا بالكثير من الرؤية والفاعلية الدولية تجاه هذه المنطقة.

إذ انبلجت بلداننا عن كتلة جيوسياسية واحدة، هي الإمبراطوريتان العثمانية والقاجارية، وحسب نفس الحدث التاريخي، المتمثل بالحرب العالمية الأولى.

لم يكن ذلك أمرا ثانويا. فالعالم الإمبراطوري القديم ذاك، كان قد راكم شعوبا وجماعات وهويات أهلية صلبة للغاية، طوائف ومذاهب وأديان وقوميات، وحتى مدنا وجهويات. كانت تملك داخل فضاء الإمبراطورية نوعا من التواصل والاستقلال الذاتي. لكنها جُمعت وقُسمت وتشتت بين هذا الكيانات الحديثة بطرائق شبه عشوائية، حسب نتائج وتوازنات تلك الحرب. أنتج ذلك تداخلا وتأثرا استراتيجيا رهيبا بين مختلف الكيانات التي تقاسمت تلك الحساسيات، التي بقيت حية وفاعلة وقابلة على الدوام للإثارة والاستخدام.

يكفي مثلا النظر إلى السيرة الطويلة للعلاقة التركية المعقدة مع كل من سوريا والعراق، وطوال قرن كامل، حيث بقيت المسألة الكردية في هذه الدول ديناميكية شديدة الفاعلية ومتجاوزة لأية "عقلانية" سياسية في العلاقة فيما بين هذه الدول، أو سماح لاستقلال العوالم الداخلية لأي من هذه الدول عن الأخرى.

على نفس الشاكلة، يمكن رسم خريطة كاملة من العلاقة التداخلية غير المرئية بين هذه الدول، تنتج كلها من تداخل عوالم الجماعات الأهلية والقومية لأي منها عن الأخرى. وتستخدم كل مرة لإحباط وتحطيم أي تغيير متوقف في أي دولة كانت، فيما لو لم يكن ذلك التغيير لصالح دولة أخرى تستطيع أن تستخدم حساسيات تلك الدولة.

ربما يقول قائل إن ذلك متحقق في مختلف الدولة المتجاورة، بما في ذلك الكيانات الأوروبية، وهو أمر صحيح، كما في حالة ألمان سويسرا أو فرنسيي بلجيكا، وقد دفع الأوربيون أثمانا دموية لذلك، إلى أن توافقوا على استقلال المجال السيادي لكل دولة عن الأخرى، بعد معاهدة وستفاليا.

♦♦♦

شكلت السياقات التاريخية المتطابقة لهذه البلدان، التي تلت مرحلة التكوين، شيدت أساسا متينا آخرا لذلك التداخل. إذ لم يشهد أي من هذه البلدان مسارا سياسيا واجتماعيا وثقافيا واقتصاديا مستقلا "وطنيا" ومختلفا عن باقي التجارب. إذ كان ثمة رؤية حقيقية ترى فيما يجري في مختلف مناطق ودول هذا الإقليم، وكأنه حدث كلي يجري فيها وكأنها ولايات أو محافظات من دولة واحدة، وليست دولا سيادية ومستقلة عن بعضها.

إذ يُمكن تقسيم القرن الأخير لمجموع هذه الكيانات إلى أربعة أحياز متطابقة، حيث أمضت كل هذه الكيانات الحيز الأول في مقارعة الاستعمار، والثاني في هيمنة النخب البرجوازية المدينية، التي امتلكت المجال العام، والثالث في مواجهة الأنظمة العسكرية، الشمولية والشعبوية، والأخير في المزج الرهيب بين تلك الشمولية مع اندلاع موجة التيارات الدينية والطائفية.

لبنان ليس نموذجا استثنائيا في منطقتنا، لكنه الأمثولة الأكثر فجاجة وقسوة وتعبيرا عن اللاجدوى التي تمثلها كل "النضالات" الداخلية

كان ذلك التطابق في المسارات والأحوال العامة لمختلف تلك الدول، قد أفرز الكثير من المفاعيل، على رأسها إنتاج نظام إقليمي عمومي، قائم على تعاضد السلطويين في كل كيان، مع ما يناظرهم من سلطويين في الكيانات الأخرى. فمثلما كانت مختلف الدول التي كانت تستعمر هذه البلدان متكاتفة فيما بينها، فإن البرجوازيات الحاكمة ومن بعدها الشموليات العسكرية والشعبوية وقوى الإسلام السياسي الحاكمة، فعلت وسارت على نفس الدرب، لأن تعاضدها فيما بينها كان ينتج استقرارا وديمومة لسلطة كل منها.

هذا التعاضد والتشكيل للأنظمة الإقليمية، كان جوهرا ثانيا لتلك التداخلية الرهيبة بين هذه البلدان.

♦♦♦

أخيرا، فإن بلدان هذه المنطقة، ولمركزية موقعها الجيوسياسي وما ملكته من ثروات باطنية، بالإضافة إلى القيمة المضافة المتأتية من التراث الرمزي الذي استحوذته كمركز عالمي لتدفق المشاعر والهويات الدينية، وطبعا بسبب الصراع الإسرائيلي/العربي، تحولت إلى مركز للرعاية والتدخلات والتأثيرات الدولية، بالذات منها القوى الأكثر نفوذا وتنافسا.

منذ قرن وحتى الآن، وكلما تُفتح الوثائق والسجلات المغلقة، وقتما تُسرد مذكرات القادة العالميين وتُكشف أسرار الأجهزة الاستخباراتية العالمية، يكتشف سكان منطقتنا كيف أن المزيد والمزيد من الأحداث التي كانوا يعتقدونها من أفعال و"نضالات" مجتمعاتهم، إنما كانت نتاج خيار هذه القوة الدولية أو تلك، وأن فعلها الداخلي كان نسبيا للغاية.

صحيح أن تأثير القوى الكبرى كان وما يزال يحدث في مختلف مناطق العالم، لكن أبدا ليس بمستوى ودرجة ما يحدث في منطقتنا.

♦♦♦

هل التغيير التاريخي في المرتقب المنظور مستحيل إذا في أي من بلدان منطقتنا! كل الدلائل والتحليلات العقلانية تقول: "نعم أنه مستحيل". لكن كل حركة وتجربة التاريخ تقول: "لا ليس مستحيلا، بل التغير حتمية مطلقة".

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.