Yemeni men read the Koran at the Great Mosque of Sanaa during the Muslim fasting month of Ramadan on April 26, 2020. (Photo by…
يشعر العرب شعورا قويا ـ وهذه حقيقة ـ أنهم أصبحوا "أمة" بفضل الإسلام

يتحول "الدين"، أيّ دين، من منظومة نصوص مُؤَسِّسة مُتَعالية إلى "واقعة اجتماعية"، واقعة تتعالق مع الواقع بكل تعقيداته/ بكل مكوناته؛ بقدر ما تستلهم النصوص الأولى في مستويات هذا التعالق الجدلي. يتعالى الدين كمفاهيم تصوّرية؛ بينما يتماهى مع الواقع الذي يتموضع فيه، إذ أن الدين لا يصبح دينا مشهودا إلا ببشر يتمثّلونه، وبزمان يحتويه، وبمكان يكون منصّة انطلاقته الأولى، ثم بأمكنة وأزمنة تكون منصّات داعمة لانطلاقاته الثانوية التي سيتحول من خلالها هذا الدين الواحد إلى "ديانات" متعددة، أو ما أصبح يطلق عليه اصطلاحا: طوائف، مذاهب.

عندما يتحوّل الدين إلى "واقعة اجتماعية" يكفّ عن كونه دينا خالصا (هذا إذا أمكن أن يكون ثمة دين خالص على الأرض)، ويصبح ابن مجتمع ما، مشدودا إلى الهويات والظروف والتطلعات البشرية للمؤمنين به. أي يصبح الدينُ بشريَّ الحضورِ حقيقة/ واقعا؛ بقدر ما هو إلهي المصدر تصوّرا. وبما أن الدين يستحيل أن يتجلى في الواقع إلا من خلال البشر أقوالا وأفعالا، فإنه ـ إذ يتجلى حقيقة في الواقع/ الدين المشهود ـ دينٌ بشريٌّ، يقول به بشر، ويتأوّله بشر، ويتمثّله بشر، ويُمَوْضِعُه في الواقع بشر. والبشر في كل هذا ـ بوعي أو بلا وعي/ بقصد أو بلا قصد ـ لا يَخْضَعون للدين (الدين في عليائه كمُتَصوّر ذهني مفترض)، بل يُخضِعون الدين لما يرونه الأمثل للحياة المثلى التي يطمحون إليها، وهي الحياة المُتخيّلة التي أسهم الواقع/ واقعهم الخاص ـ بشكل حاسم ـ في رسم حدود مدارها القِيَمي.

كل هذا يعني أن الدين (الدين البشري، ومذاهبه كأديان فرعية) ـ في مسار حضوره التاريخي ـ يُغَيِّر ويَتَغيّر، يمنح ويمنع، يرفع أقدارا ويضع أقدارا أخرى، وبالتالي؛ يُصبح مُقدّسَ أصحابه الذين انتفعوا به، بقدر ما يكون مُدنسَ أعدائه الذين تضرروا به في سياق التدافع. وفي هذا المسار، يتضاءل حضور "المتعالي الإلهي" لصالح "الواقعي البشري". وهذا التضاؤل لا يحدث صراحة، أي لا يقول به جملة الفاعلين في هذا المسار، بل على العكس، يكون "حديث الصراحة" محاولة أيديولوجية للتغطية على ما يحدث حقيقة، فيجري التأكيد على تعالي/ قدسيّة الخطاب الديني، (بالدرجة نفسها، ولكن في الاتجاه المعاكس)؛ للتأكيد العملي على قدسية الواقع الذي بات ينتهك قدسية المتعالي بتوظيفه في معترك الصراع الدنيوي.

إن تحوّل الإسلام، كدين، كمسار حضاري، إلى محض: منجز عربي، هو ما يفسر ظاهرة الاعتداد/ التفاخر بالدين الإسلام حتى عند أولئك الذين ينتهكون ـ سرا وعلانية ـ أهم مبادئ الإسلام

يشعر العرب شعورا قويا ـ وهذه حقيقة ـ أنهم أصبحوا "أمة" بفضل الإسلام. قبل الإسلام كان الانتماء القبلي في دنيا العرب هو الانتماء الحاسم. في المناوشات التي جربت على الحدود السائلة/ المتموّجة (كما في الانتصار الجزئي الهامشي في "ذي قار") كان الصراع قبليا. حتى هذا النصر الجزئي/ الهامشي، لم يتصوّر أصحابه نصرا عربيا على الفرس، بقدر ما تصوروه نصرا قبليا / بَكْرِيا على الفرس. وجرّاء ذلك، لم يكن تحالف المناذرة أو الغساسنة ـ كقبائل ـ مع الروم أو الفرس ضد قبائل العرب المجاورة لهم يدخل ـ عُرْفا ـ في خانة: الخيانة القومية، بل كان ـ بفضل قوة الانتماء القبلي ـ مجرد قبيلة تتحالف مع آخرين ضد قبائل أخرى. وعلى الحدود الفاصلة (التي لم تكن فاصلة!) بين القبائل المتاخمة للأمم الأخرى/ غير العربية، كانت مسيرة العلاقات تخضع للمصالح الآنية المباشرة/ الظرفية، بعيدا عن أي اعتبار قومي متوهّم.

التحوّل الهائل الذي حدث في حياة العرب بفضل الإسلام، جعل الإسلام يتحوّل ـ في عالم اللاّوعي، وأحيانا في عالم الوعي أيضا ـ إلى ما هو أكثر من دين، أو ـ على نحو أدق ـ إلى ما هو أقل من دين. بفضل الفرق الحياتي/ المعيشي المهول في حياة العرب بين حياة ما قبل الإسلام وحياة ما بعده؛ تحوّل الإسلام إلى مفخرة قومية، أو إلى مَعْقِد المفاخر التي يجري التأكيد عليها باستمرار، ليس ـ دائما ـ بإظهار الهوية العروبية صراحة، بل ـ غالبا ـ بالتأكيد الصريح على "مفاخر الإسلام"؛ على اعتبار أنها تُحْسَب، أو ستُحْسب ـ ضمنيا ـ لصالح العرب الذين استعمروا ثلث العالم القديم باسم الإسلام.

الإسلام تأسّس في التاريخ كديانة عالمية عبر الوسيط العربي الذي كان هو ـ في الوقت نفسه ـ المتلقي الأول/ المؤمن الأول بهذا الدين. وبهذا كان على عكس المسيحية التي كان من حظها أنها لم تتأسس، ولم تتمأسس، ولم تنتشر كديانة عالمية عبر أتباعها الأوائل، أي لم تحضر كديانة عالمية على يد أتباع المسيح/ من قوم المسيح، بل تأسست وتمأسست وانتشرت بواسطة أمة أخرى مغايرة (وهذا ما فصل نسبيا الديني عن القومي)، بل كانت هذه الأمة/ الدولة الرومانية في البدايات دولةً/ أمةً مُعادية لهذه الديانة التي ستأخذ على عاتقها لاحقا نشرها والذود عنها وتحويلها من مجرد ديانة إلى هوية الهويات.

لهذا، ارتسم الدين الإسلامي في التاريخ/ في وعي المتلقي الأممي كدين عربي (حيث بدأ عربيا، وتأسس عربيا، وانتشر ـ في الفضاء العالمي ـ عربيا)، أكثر بكثير مما ارتسمت الديانة المسيحية كدين فلسطيني أو شامي أو حتى شرق متوسطي أو شرق أوسطي.

"الإسلام الإنساني" الذي يتسع باتساع الإنسانية جمعاء، يختلف جذريا عن "الإسلام العروبي" الذي يضيق بضيق مُحدِّدات العنصرية الحمقاء

بعد الاحتلال العربي لكثير من بلدان العالم القديم باسم الإسلام، كان الشعور السائد لدى أبناء هذه البلدان أن المُحْتَل/ الغازي ليس "ديانة" بقدر ما هو "عِرق"؛ حتى وإن كانت لغة الخطاب في صريح منطوقها لا تتوسل غير الإسلام. فعلى أرض الواقع، كانت الشعوب الواقعة تحت الاحتلال العربي تشعر شعورا عميقا (مدعوما بوقائع السلوكي اليومي، الرسمي والشعبي) أن الإسلام كدين لم يكن أكثر من غطاء أيديولوجي للاحتلال الذي نقلهم من شعوب كانت تتمتع بالحرية الكاملة إلى مجرد مواطنين من الدرجة العاشرة، مواطنين موصومين على الدوام ـ رسميا وشعبيا ـ بصفة: "الموالي"، وهي الصفة التي تعني ـ في أقلّ درجتها إزراءً ـ: سيادة العربي الغازي المحتل على صاحب الأرض الواقع تحت نير الاحتلال.

هنا يبدو أن أكبر إساءة للإسلام أتت من أولئك المتشدقين بفضل الإسلام. أكبر إساءة للإسلام إنما كانت من أولئك العرب/ بعض العرب الذين استخدموه كرافعة للحضور القومي العربي الذي لم يكن له وجود معتبر قبل الإسلام. وبهذا، وعلى يد هؤلاء الأغبياء تحديدا، بدأ يتحوّل الإسلام ـ على نحو صريح ـ إلى مجرد "أداة" للاشتغال الدنيوي المباشر. أخذ الإسلام يتحوّل إلى مجرد خطاب تبرير: لتأسيس المجد القومي العربي (هذا في أفضل الأحوال!)، ولاستغلال بقية البشر في أنفسهم وأموالهم (وهذا في أسوأ الأحوال)؛ كتفريع على المجد العربي المزعوم.

كثيرا ما يذكر الجاحظ ـ في معرض ردّه على الشعوبية ـ أن الشعوبية التي تأخذ صورة كراهية العرب سرعان ما تنتهي بالزندقة/ الإلحاد، وأن هذا يبدأ بكراهية العرب، ثم يصل إلى كراهية الدين الذي جاء به العربُ، أو جاءَ بالعربِ. وكلام الجاحظ في مجمله صحيح؛ مع اختلافنا معه في بعض مفاصل التعليل. وفي المجمل فإن أبناء تلك الشعوب التي احتلها العرب (واسترقّوا أهلها، ثم عرضوا عليهم الإسلام كدين، ممزوجا بالإسلام كوسيلة للترقي الاجتماعي، أي كوسيلة للانعتاق ـ جزئيا ـ من وضعية "الموالي" المزرية) بدأوا ـ تدريجيا ـ يكتشفون ما هو خلف الخطاب المعلن، أي يكتشفون أن التأكيد على عالمية الإسلام، وعلى مبادئه السامية ـ ومنها مبدأ المساواة ـ إنسانيا، يلتف عليها خطابٌ آخر، أقوى وأشد حضورا في مفاصل اليومي من الخطاب الأول، وهو خطاب/ الخطاب الثاني يؤكد على أن "الإسلام" مجدٌ قوميٌ عربيٌ خاص، وأنه اصطفاء إلهي لـ"شعب مختار" أراد له الله أن يُبَلّغ هذا الدين، وثَمَّ؛ أن يسود به الأمم. وطبعا، لا يوجد إنسان يمتلك الحد الأدنى من الكرامة سيؤمن بدين يعده أصحابه مفخرة خاصة بهم. وهذا ما لم يتنبّه له الجاحظ، أو تنبّه له، ولكنه في سياق الرد السجالي المعتدّ بالعرب اختار أن يجعل ـ ضمنيا ـ من لوازم الإيمان بفضل/ تفوّق الإسلام: الإيمان بفضل/ تفوّق العرب.

ارتسم الدين الإسلامي في التاريخ/ في وعي المتلقي الأممي كدين عربي، أكثر بكثير مما ارتسمت الديانة المسيحية كدين فلسطيني أو شامي أو حتى شرق متوسطي أو شرق أوسطي

نعم، هذه الفرضية السجالية (= من لوازم الإيمان بفضل/ تفوّق الإسلام: الإيمان بفضل/ تفوّق العرب) التي تظهر أحيانا بصراحة، بل وبوقاحة؛ عند "مُعرّبي الإسلام"، وتظهر أحيانا تضمينا وتلميحا؛ عند "مؤسلمي العروبة"، هي فرضية سادت في القديم، ولا يزال حضورها يتمدّد في واقعنا اليوم. وعندما صرّح ابن تيمية في كتابه (اقتضاء السراط المستقيم) ـ وبعنصرية فاقعة الألوان ـ أن "الذي عليه أهل السنة والجماعة اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم" لم يكن يتحدث بلسانه كشيخ سلفي ضيق الأفق، وبالتالي: كعنصري، وإنما كان يتحدث بلسان الأغلبية الساحقة من التقليديين ذوي الانتماء العروبي، سواء أولئك الذين سبقوه، أو أولئك الذين سيقلدونه لاحقا. وتأكيده العنصري هذا، ستجده رائجا في كثير من سجالات العروبيين اليوم، خاصة العروبيين الخارجين ـ بشكل أو بآخر ـ من رحم السلفية الدينية المعاصرة في تمظهرها الصحوي/ الإسلام السياسي.

إن تحوّل الإسلام، كدين، كمسار حضاري، إلى محض: منجز عربي، هو ما يفسر ظاهرة الاعتداد/ التفاخر بالدين الإسلام حتى عند أولئك الذين ينتهكون ـ سرا وعلانية ـ أهم مبادئ الإسلام، بل حتى عند أولئك الذين يتحللون من أقدس فرائض الإسلام. وهذا ليس غريبا عند من يتخذ الإسلام ـ في مستوى حضوره التاريخي الباذخ ـ مجرد قصيدة فخر نقائضية، لامتداح الذات صراحة، ولهجاء الآخر ضمنا، أو يتخذه رافعة أيديولوجية صريحة للتعبير عن مطامع ومطامح قومية حاضرة، أو لمناكفة عدوان متوهم مصدره الآخر: كل الآخرين المصنفين قديما في خانة: العجم، والمعادين ـ بحكم ضرورة الانتماء العرقي المغاير ـ لكل العرب.

أخيرا، يجب التأكيد على أن "الإسلام الإنساني" الذي يتسع باتساع الإنسانية جمعاء، يختلف جذريا عن "الإسلام العروبي" الذي يضيق بضيق مُحدِّدات العنصرية الحمقاء. الإسلام الإنساني إلهي يتعالى مصدرا ليعم بمبادئه جميع بني الإنسان، وليكون ـ كمنظومة قيم ـ لصالح الإنسان بالمطلق. بينما "الإسلام العروبي" أرضي المنشأ، يتعرّق (من العرقية)، ويتأرْضَن (في حدود الأرض/ الجغرافيا)، لينحصر في حدود مجد قومي/ ذاتي/ خاص، يجري توظيفه، أو محاولة توظيفه؛ ليحقق ـ بصورة مباشرة أو غير مباشرة ـ مصالح مادية أو معنوية، أو كليهما، لفئة خاصة من البشر، تدّعي كذبا وزورا (لمجرد كون ضرورة الجغرافيا جعلتها: المتلقي الأول) أن الله اصطفاها على العالمين!

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.