Children take part in a vigil for the victims of the deadly explosion which devastated the port and large parts of the city of…
إضاءة شموع في تشيلي تضامنا مع ضحايا التفجير في لبنان

بينما تتابع النكبات المتتالية التي تعيشها بلداننا، وحالة الحنين إلى الماضي ومقارنته بتردي الحاضر، يمكنك القول إنه لو اجتمع أهم خبراء استراتيجيات تدمير البلدان ووضعوا خطة تآمرية على بلداننا لما وصل حال الدمار والخراب والانهيار الذي وصلت إليه على أيدي ساستنا وحكامنا، الذين جاءت بهم تجمّعات جماهيرية توصف مجازا بـ"الانتخابات"، وآخرون توارثوا الحكم عائليا، وبعضم استحوذ على السلطة بالانقلابات العسكرية وبقي فيها.

ويبدو أن المنظمات الدولية ومراكز الأبحاث والدراسات التي انشغلت بتوصيفات بلداننا في القرن الماضي بين التخلف والعالم الثالث وعالم الجنوب، ومن ثم الدول الفاشلة أو الهشّة، كانت تجانب الصواب وهي تتجاهل حجم الدمار والخراب والنكبات التي تتحقق على يد الطبقة السياسية الحاكمة في "دولنا". ولذلك من الإنصاف أن تبدأ بتحديد معايير للدول المنكوبة، والتي بالتأكيد ستكون بلداننا في صدارتها.

ورغم الحروب العَبثية ودمارها الذي حل بالأوطان والمواطنين، لم يتنازل زعماؤنا السياسيون عن لعبهم دور "الحكومات الأبوية" والتي كانت ولا تزال السبب الرئيس في تخلّف مجتمعاتنا وتحويلها إلى مجتمعات كسولة مستهلكة وليست منتجة. فساستنا كما يصفها الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط: "هؤلاء الأوصياء حريصون على أن يعتبر الجزء الأكبر من أبناء البشر مسألة تحررهم أمرا خطيرا، لا مسألة غير مناسبة وحسب؛ وهم لتأكيد ذلك يركّزون حديثَهم دوما على المخاطر التي تحيق بالبشر حين ينطلقون وحدهم من دون أدلّة ومن دون وصاية".

في العراق الذي أثخنت جراحاته بسبب الفاسدين والفاشلين، يطل علينا بين فترة وأخرى من يعترف بالخطأ، لكنه يتعالى عن الاعتذار عن حماقاتهم التي تركت ندبات لا تمحى وهدمت أسس بناء الدولة

ولذلك، بدأ زعماء النكبات فترات حكمِهم بالترويج للأيدولوجيات الشمولية التي تلغي أي وجود للإنسان وتلغي حريَّته وكيانه الشخصي، ليكونوا بذلك هم حُماة العقيدة والفكر ومن يحدد مصلحة المجتمع. ولم يتعلموا من السياسة إلا تبريرات فشلهم وسوء إدارتهم وفقا لنظرية المؤامرة.

وهم عملوا على إفراغ كل عناوين الممارسات السياسية التي تقوم عليها الدولة الحديثة من محتواها، ففي بلداننا يتساءل المواطن عن جدوى الانتخابات، إذا كان الزعماء يتحكّمون بمصائر البلاد والعباد وهم يقررون من يكون ومن لا يكون بالمناصب العليا في الدولة! وما فائدة الانتخابات إذا لم تكن اختبارا لنجاح أو فشل الزعامات والأحزاب السياسية في إدارة البلد؟ ما فائدتها إذا لم تكن هي الأساس في المحاسبة والمساءلة في حال فشل الحكام عن الوفاء بواجباتهم وتقصير عن إداء وظائفهم؟!

وحتى عنوان "الدولة الوطنية" التي تعبر عن رمزية الخلاص من الاستعمار وثمرة دماء سالت في سبيل الاستقلال التي كنا نفتخر بها في كتب تاريخنا المعاصر، باتت اليوم محل شك بجدواها! فعشرات السنوات من تراكم فشل الحكام الذي لم تحقق سوى منجزا وحيدا وهو: "نكبة تلد أخرى".

ومن ثُمَّ، أيُّ مشهد مأساوي يختزله واقعُنا السياسي ونحن نشهد شعارات ترفع بعد النكبات تدعو إلى عودة الوصاية الأجنبية على بلداننا للخلاص من "حكامنا الوطنيين" الذين انتخبنا بعضهم وفرض الآخرون أنفسهم حُكاما علينا! وهل كان يخطر ببال أحد أن نصل إلى هذه السرديّة المحزنة لولا فشل الطبقة الحاكمة وفسادها؟!

ويمكنك تخيل حجم النكبة التي تعيشها شعوبنا على يد حكّامنا، بعد أن باتت تفرّط بحريتها واستقلالها في سبيل ضمان استمرارها على قيد الحياة! ودليل ذلك المناشدات التي رفعها بعض اللبنانيين في أثناء زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى لبنان بعد كارثة مرفأ بيروت، والتي طالبت بعودة الانتداب الفرنسي!

المعركة في بدايتها بين تيار شعبي يقوده شباب البلدان المنكوبة، وبين زعماء النكبات الذين يحاولون التحايل على حركة التاريخ بنظريات المؤامرة والشعارات الطائفية والقومية على أمل بقائها في السلطة

وفي العراق الذي أثخنت جراحاته بسبب الفاسدين والفاشلين، يطل علينا بين فترة وأخرى من يعترف بالخطأ، لكنه يتعالى عن الاعتذار عن حماقاتهم التي تركت ندبات لا تمحى وهدمت أسس بناء الدولة. حتى بات الحنين إلى أيام الدكتاتورية والتغني بأيام النظام الشمولي يعبّر عن ردة فعل بإزاء تردي الواقع المعاشي ومعاناة العراقيين من الموت المجاني والفساد وطبقية سياسية تثبت يوما بعد آخر فشلها في إدارة الدولة وعجزها عن توفير أبسط متطلبات ديمومة الحياة، ولا نقول العيش الكريم الذي بات مطلبا ترفيا.

ويبدو أن نزار قباني لم يجانب الصواب عندما قال في إحدى قصائده: "إن الثورة تولد من رحم الأحزان". فهذا الجيل الشبابي الذي يستغل منصات وسائل التواصل الاجتماعي لتأكيد رفضه لسياسات الفشل والنكبات التي أنتجتها طبقة سياسية تفصل بينها وبين تطلعات أجيال الشباب سنوات ضوئية. فهذا الجيل لم ولن يتنازل عن مطالبه بحياة حرة وكريمة، حاله حال بقية شعوب المعمورة. وهو يدرك تماما بأن الوصول إليها لن يتم إلا من خلال إعلان الثورة والتمرّد على الأنظمة السياسية التي تديرها وتهيمن عليها إقطاعيات ومافيات سياسية.

لكن المعركة في بدايتها بين تيار شعبي يقوده شباب البلدان المنكوبة، وبين زعماء النكبات الذين يحاولون التحايل على حركة التاريخ بنظريات المؤامرة والشعارات الطائفية والقومية على أمل بقائها في السلطة وعدم خساراتهم مواقع النفوذ. ومهما طالت المعركة وتعددت وسائل التحايل لقادة النكبات والخيبات ستكون النتيجة حتما انتصار إرادة الشعوب التي باتت تدرك تماما بأن لا حياة ولا مستقبل في ظل الخضوع لحكم نخب سياسية تتعامل مع شعوبها على أنهم رعايا وتابعين لهم وليس مواطنين.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.