People gather in honor of the victims at the scene of the last week's explosion that killed many and devastated the city, in…
معارضون للحكومة اللبنانية يكرمون ضحايا انفجار المرفأ بالقرب من مكان الانفجار

هل يعقل أن انفجار مرفأ بيروت، والذي سحق الغالي من حياتها وتاريخها، كان نتيجة محاولة بعض الفاسدين في أحد الأجهزة الأمنية طمس معالم استيلائهم على المواد المخزونة في العنبر المشؤوم، وذلك على مدى أعوام طويلة، على مرأى رؤسائهم المستفيدين بدورهم، وصولا إلى الشرائح العليا من نظام النهب الممنهج في لبنان، وذلك بعد أن تحققت لجهاز أمني آخر فرصة كشف هذا الفساد؟ ربما أن تأجيل المعالجة، كما تفيد بعض التقارير، كان بعد أن أراد أحد كبار الشركاء المستحدثين في نظام النهب هذا قدرا من التبرؤ والدعاية من خلال كشف مفاجئ مزعوم عن الإيداع الخطير، ليرفع من صورته محليا وعالميا. أو ربما أنه، كما غيره، إذ أجرى الجهاز الأمني الجديد إبلاغ الرؤساء والوزراء المعنيين قبل الانفجار بأسبوعين، عن وجود المواد المتفجرة الفائقة الخطورة في المرفأ، لم يدرك فداحة الحال فأهمله.

هي السفاهة والتفاهة على أي حال. قتلت أكسندرا، وقتل نزار، وقتلت سحر، وغيرهم العشرات، وجرح الآلاف، وشرّد مئات الآلاف، وضاع جنى عمر الناس، وهدّمت معالم المدينة، بفعل جشع بعض المتخومين الذين لا يشبعون، وخبث بعض الفسدة المتذاكين في الإفلات من العقاب.

من شأن هذه القراءات أن تتعدل وتتبدل، مع اجتهاد الصحفيين الاستقصائيين في الكشف والمتابعة. والتعويل لا يمكن أن يرسو على التحقيق الرسمي، إذ من العبث الانتظار أن تسائل طبقة موبوءة نفسها. وعلى حد قول رئيس الجمهورية، بما يجسده شخصه وسيرته من معالم التعسف في الاعتبار والإخلال في المنطق والانشغال بالذات لدى كامل المنظومة، فإن التحقيق الدولي مرفوض، لأنه قد يؤدي إلى "تضييع القضية". الأسهل والأفضل هنا طبعا، له وللآخرين من حلفائه الألداء وخصومه الأوفياء في الجسم السياسي اللبناني المريض، الإسراع بالتحقيق كيفما كان، وإيجاد من لا حماية له من صغار المتورطين لإدانتهم ومعاقبتهم، والإسراع بطي الصفحة.

سلاح "حزب الله" لم يبتكر الفساد، ولكنه مكّنه واستفاد منه وضاعفه وشارك فيه. سلاح "حزب الله" لم يبتدع السفاهة، ولكنه سرا وجهارا أصبح مبررا لها

على أي حال، الظاهر للتوّ أن المسؤولية عن الكارثة التي ألمّت ببيروت تعود إلى نظام النهب الممنهج، النهم والجشع والوقح، المتفنن بالفساد والمبدع بإيجاد السبل إليه، والذي تورطت به الطبقة السياسية اللبنانية برمّتها. هذا ما تفيده الدلائل والقرائن الأولية، دون أن تنتفي تماما فرضيات أخرى يتحمل اللوم فيها واقع الاحتلال الذي يقبع تحته لبنان، حيث ينتشر جيش مدجّج بالسلاح، مستعد للبطش، تلميحا وتهديدا وتحقيقا، غير خاضع لأية مساءلة وطنية، فيما هو يعلن جهارا نهارا ولاءه وتبعيته للخارج. هو "حزب الله" طبعا، حزب إيران، حزب السلاح.

لبنان اليوم هو أسير تواطؤ الفساد والسلاح. ومحاولات التعمية عن هذه الحقيقة غالبا ما تقتصر على إيجاد المبررات لها، من باب أن المسألة تتجاوز حدود هذا الوطن الصغير، أو أن قوى الاستكبار مجتمعة قد عجزت عن تجريد "حزب الله" من سلاحه، أفليس الأجدى السعي إلى معالجات للفساد لا تشترط التخلي عن السلاح؟

ولكنه من العبث إهمال هذا "التفصيل"، والذي يشكل في واقع الأمر صلب المأزق اللبناني. ليس أن السلاح هو من اجترح الفساد، وليس أن "المقاومة"، يوم كانت مقاومة، لم تتصد للاحتلال الإسرائيلي وصولا إلى إرغام المحتل على الاندحار. غير أن هذه الحجج العرضية، وإن لامست الصحة بالأمس، تنتفي اليوم بفعل التواطؤ الحاصل بين من أهان غيره حين وصف نفسه بأنه "أشرف الناس"، وبين الإقطاعية الجديدة، الموغلة بالنهب والمتسلحة بالطائفية.

بل من حيث المبدأ ومطلق البداهة، لا يجوز تأخير الاعتراض على سلاح "حزب الله"، قبل الكارثة، وقبل الوباء، وقبل الانهيار الاقتصادي، لأنه لا قيامة لوطن يرتع فيه سلاح ولاؤه لخارجه. أن تحضر قوة قاهرة، تتبجح بأنها خارج المساءلة هو تعريف لوطن محتل، لا لوطن مستقل.

ما يدعو إلى الاعتراض على سلاح "حزب الله" والإصرار أن يكون نزعه في طليعة القضايا الوطنية ليس انفجار المرفأ، بل هو مجرد وجود هذا السلاح خارج حصرية الدولة. على أن الشأنين متداخلين، وصولا إلى أن المسؤولية عمّا جرى تقع أيضا على "حزب الله"، أي على إيران طبعا بتبعيته الصريحة لها.

المسار الذي أراده اللبنانيون منذ مئة عام هو التدرج باتجاه تجاوز الطائفية. خلافا للمطروح جزافا، ليس الانتداب من أرسى الطائفية، بل فيه جرى تصوّر الإطار لتخطيها. وإذا كان السير على هذا الدرب سجالا بين مصالح الإقطاعية القديمة المتجددة والمتسلحة بالطائفية، وبين روابط وعلاقات متعززة عابرة للطوائف، فإن التقدم بقي بطيئا ورجائيا، حتى قبل أن تعترض سبيله مصالح دول الجوار وما أقدمت عليه من احتلالات.

ليس من أجل هذا قام لبنان، ولا من أجل هذا عاش لبنان حروبه ومآسيه

جمهورية الطائف، "الجمهورية الثانية"، أرادت أن تكون أكثر واقعية، أقل رجائية، وأوضح تدرجا. غير أنها انضوت على ما ينقضها وما يبطلها حين رضيت، وإن مكرهة، على تلزيم مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لجهة طائفية. "حزب الله"، أي إيران، لم تتفرد بمقام الشرف، بأن تقاوم الاحتلال، إلا بعد أن اغتالت الشرفاء، وهمّشت المقاومين، ورفعت راية دولة خارجية لتطهير الوطن من راية دولة خارجية أخرى.

"حزب الله" جيش طائفي يصرّ الخطاب السياسي في لبنان على تجاهل طابعه هذا، بل يعمد إلى الاستهجان إن طرح الأمر على حقيقته. هو بكامل أفراده وقادته مشتق من طائفة واحدة في لبنان، هو الضابط لمعظم أحوالها، وإن استعصى عليه وضع اليد عليها بالكامل. وقائد هذا الجيش له أن يهدد ويتوعد، ويوجّه ويتفقّه في كل شاردة سياسية وواردة. ولكنه حين يطاله النقد، فالحذار الحذار، لمقامه الديني المنزّه. وعقيدة الحزب تزّج الوطن في الحروب، تستعدي وتصادق كيفما شاء ولي أمرها في الخارج. ولكن حين تُفنّد، وهي ابنة العقود القليلة حديثة العهد في الفقاهة الإمامية، تعلو الأصوات بأن في الأمر عدوان على الإيمان.

كيف يعقل أن يكون المطلوب من اللبنانيين تجاوز الطائفية والسعي إلى الانصهار بوحدة وطنية، مع التسليم في الآن نفسه باقتطاع طائفي مسلح قاهر يعمل على فرض نفوذه، بالترغيب والترهيب حيثما استطاع داخل سائر الطوائف، فيما هو يحصّن الطائفة التي يزعم تمثيلها بالتعبئة العصبية حينا وبالتوريط المالي والمعنوي أحيانا؟

ما لا مفرّ من الإقرار به هو أن لبنان، بوجود "حزب الله" وبغضّ النظر عن شعارات الأبدية والدوام، هو وطن مؤقت لغالب أبنائه. من استطاع منهم أن يجد سبيل النجاة لنفسه ولأولاده بالهجرة إلى أوطان يتساوى بها كمواطن مع غيره، أوطان تحفظ له كرامته، ولا تلزمه بحروب الآخرين، ولا تجعل من ذريته وقودا لوعود المرشد والسيد، يفعل، وإن على مضض، وإن عجز عن الإقرار لنفسه.

أما من بقي في لبنان، وإن أشهر شعارات القوة والحقوق وما أشبه، فهو على يقين، وإن مطموس، بأن الوطن ليس وطنه، وأن هذا الاحتلال الخفي الذي استولى على طائفة وألبسها ثوبا ليس منها، هذا الجسم الغريب، سواء رضي به وجاراه، أو حاول التصدي له بالمحافظة على مساحة وإن ضيقة من وطنه الصغير للتوّ، باقٍ ويتمدد، وسائر باتجاه ابتلاع كامل الوطن.

ليس غريبا أن تكون أشنع مظاهر الفئوية والعنصرية والفوقية، والسفاهة والتفاهة، صادرة عن حلفاء "حزب الله"، فهو، بانضباطه النسبي قادر على تقنين الخطاب، وتنفيس الشحن الفئوي وفق الحاجة الموضوعية. ليس هذا حال المتعملقين والمتسلقين على جبروته، بل هم ساقطون في خطابهم، ومتدرجون بدورهم، ليس باتجاه تجاوز الطائفية، بل الإمعان بها.

وجود "حزب الله"، حزب السلاح والتبعية، هو نقيض لبنان الواحد، بل هو المبرر المنطقي والسليم للمطالبة بالتقسيم. قادة "حزب الله" يريدون لهذا الوطن أن يكون عنوانه المقاومة، لا الملاهي الليلية، وأن يتصدى لكيان العدو المختار عند الحدود، وأن يقاتل في جبال اليمن وبوادي الشام والعراق، تارة يحارب التكفيريين، وطورا قوى الرجعية والاستكبار. سائر أهل هذا الوطن، من الطائفة التي يضيق عليها "حزب الله" الخناق وغيرها، يريدون الحياة، والحرية والاطمئنان. لا تعايش بين هذا وذاك، ولا إمكانية تأسيس وطن واحد.

ساعة تغيب القناعة بلبنان الواحد، كواقع معتل أو كمستقبل سليم، يصبح الفساد إحقاقا للحق وضمانا مزعوما لحقوق الطائفة قبل أن ينفد الموجود ويستولي عليه الآخرون.

"حزب الله" جيش طائفي يصرّ الخطاب السياسي في لبنان على تجاهل طابعه هذا

والدة الطفلة الشهيدة ألكسندرا نجار قالت، صادقة صائبة، بأن من قتل ابنتها ذات الثلاثة أعوام في انفجار المرفأ هما اثنان، زعماء لا يستحقون هذا اللقب، وأتباع لهم ساروا خلفهم وامتنعوا عن المطالبة بلبنان الواحد.

ما يحرّك بعض هؤلاء الأتباع هو الجشع، والحصة، وإن ضئيلة، من فتات موائد الزعماء. على أن جلّهم مدفوع بالخوف والحاجة.

هم يستشفون من وجود "حزب الله" ما يقتضيه سلاح هذا الحزب من خراب آت لا محالة في حرب مدمرة، قد تنجو منها إيران البعيدة فيما تتمكن إسرائيل من حصر ما يطالها منها من أضرار. أما لبنان، فمن شأنه أن يسقط شهيدا، ببشره وحجره، ومن شأن الحزب أن يبارك لأهل الموتى بشهادة أحبائهم، وأن يعلن نصرا إلهيا جديدا إذا توقفت إسرائيل عن إفنائه، وإن دمرت لبنان وأعادته قرونا إلى الوراء.

ليس من أجل هذا قام لبنان، ولا من أجل هذا عاش لبنان حروبه ومآسيه. من اللبنانيين من يرفضون بإصرار هذه الخاتمة العتيدة المخيفة ويعملون على التصدي لها، غير أن قدراتهم محدودة. ومن اللبنانيين من ارتضوها قضاءً وقدرا، ورأوا أن بعض الفرصة متاحة أمامهم اليوم لتحصيل ما تيسّر، على شحتّه، من زعمائهم، عساهم يجدون سبيل النجاة في اليوم الموعود. لدى هؤلاء، الفساد ليس فسادا، أو على الأقل هو فساد مقبول وليس موضع اعتراض، إذا جاء نتاجه لصالح زعيمهم أو طائفتهم.

سلاح "حزب الله" لم يبتكر الفساد، ولكنه مكّنه واستفاد منه وضاعفه وشارك فيه. سلاح "حزب الله" لم يبتدع السفاهة، ولكنه سرا وجهارا أصبح مبررا لها. سواء كانت جريمة تفجير المرفأ واغتيال بيروت وليدة الفساد المجرم السفيه، وهو ما يبدو راجحا، أو كان في الأمر تورط أعمق لـ "حزب الله"، فإن هذا الحزب بوجهه الدخيل على الحقيقة اللبنانية، أي قطعا ليس بأهله وبيئته بل بقراره المصادر وسلاحه، هو المسؤول، وإن معنويا، عن هذه الجريمة المتحققة في بيروت، ومن شأنه أن يكون المسؤول، ماديا ومعنويا، عن الجريمة التالية التي يسير إليها الوطن، أي القضاء على لبنان كما عهده ناسه وكما عرفه التاريخ.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.