Workers remove debris from destroyed buildings near the site of last week's explosion that hit the seaport of Beirut, Lebanon,…

ثمة عطل أحدثه انفجار بيروت في الماكينة الداخلية للسلطة، وأعني بالماكينة الداخلية "حزب الله"، ذاك أن الأخير كان يستمد نفوذه علينا من قوة غير مرئية كان يحولها إلى وسيلة ضمنية لفرض هيبته. هذه القوة هي قدرته على إلحاق هزيمة بنا في الشارع وفي الميدان. صور الهزيمة كانت تلوح أمام أنظارنا بصفتها احتمال قتلنا، أو بصفتها تفجير سيارة أو تأديب مشاغب في الشارع. 

وفي النتيجة مصدر النفوذ هو القدرة على ممارسة عنف ما. أما وقد بلغ العنف أقصاه عبر التفجير، فإن العنف الأصغر سيفقد قدرته على التأثير. هذه المعادلة ليست استعارة لغوية أو تشبيها مجازيا. هي اليوم واقع نعيشه. قوة "حزب الله" قبل الانفجار لن تكون هي نفسها بعد الانفجار. وهنا لا نتحدث عن قوته على الجبهات، إنما تلك القوة الضمنية الداخلية التي فرض عبرها نفوذه في الشارع وفي الإدارة وفي المؤسسات.

ماذا بعد الانفجار؟ لقد ابتلع مشهده كل شيء. نحن الآن في مرحلة ما بعد العنف، إذا أردنا أن نستعير العبارة من شقيقتها "ما بعد الحداثة"! كيف للحزب أن يدير عنفه وأن يوظفه بعد أن صار عنفا أصغر، أو عنفا أقل؟ فالثواني القليلة التي نقلت سكان العاصمة إلى جهنم، جعلت من كل ما هو أقل عصفا أمرا عابرا وممكنا وقابلا للمواجهة. كيف لشاب يشارك في التظاهرات، وقد ألقى به الانفجار إلى خارج منزله في الأشرفية أو في مار مخايل، أن يخاف بعد اليوم من أن يرفع صورة حسن نصرالله في التظاهرة وأن يكتب تحتها "كلن يعني كلن"؟ ما كان يمنعه من فعل ذلك هم الفتية المتربصين للمتظاهرين على تخوم حي اللجا، أما اليوم، فأن يرمي عليه أحدهم حجرا، فهذا ما لن يخيفه، ذاك أنه ناج من سقوط سقف منزله على رأسه. وهذا الأمر هو ما يفسر انتشار صور نصرالله بين صور أركان السلطة الفاسدة في التظاهرة من دون خوف أو تردد.

سعد الحريري قد يبدو أحد أبرز خصوم الحزب المحليين، وسعد هذا سيكون جزءا من ماكينة الحزب في "حكومة الوحدة الوطنية"

هذا على الصعيد التقني والعملي، أما سياسيا فالمعادلة تصح على نحو أكثر وضوحا. لقد أتى الانفجار على أحياء بأكملها في بيروت وقتل وجرح وشرد عشرات الآلاف. وهو انفجار ناجم عن فساد السلطة وعن فشلها وعن ضعفها. اللبنانيون كلهم يعرفون أن السلطة هي "حزب الله". حين شَتَم وئام وهاب وزير الداخلية محمد فهمي، اشتكى الأخير للمسؤول الأمني في الحزب، ولم يشتك لرئيس الحكومة. نصرالله قال إن لا نفوذ له في المرفأ، لكن اللبنانيين كلهم يعرفون أن المرفأ مصمم لخدمة نظام الحزب ودولة الحزب ووظيفة الحزب. قد لا يحتاج نصرالله لنفوذ مباشر في المرفأ، لكن نفوذ العونيين فيه مستمد من علاقتهم بالحزب. الفشل هو فشل الحزب بالدرجة الأولى، فهو من يدير النظام، والأمر النهائي له في كل شيء. حين يقول حسن نصرالله إنه لا يريد تحقيقا دوليا في التفجير يظهر في اليوم الثاني ميشال عون ليردد من بعده ما قاله هو، وحين يتحدث عن الجهاد الزراعي، تنتشر في اليوم الثاني صورا لجبران باسيل وهو يفلح الأرض بمعوله!

يمكننا أن نذهب أبعد من ذلك في تصوير هذه المعادلة، فسعد الحريري قد يبدو أحد أبرز خصوم الحزب المحليين، وسعد هذا سيكون جزءا من ماكينة الحزب في "حكومة الوحدة الوطنية"، ذاك أنه سيؤدي الوظيفة المنوطة به مع قدرٍ من المسافة الوهمية مع الحزب، وهذا ما سيلبي أكثر ما يطلبه الحزب من دولته التي هي دولتنا.

قوة "حزب الله" قبل الانفجار لن تكون هي نفسها بعد الانفجار

لكن التفجير بعد أن أصاب ما أصاب، خلف من دون شك ضعفا في قدرة الحزب على الترهيب. لكن السؤال يبقى عما إذا كان لدى "حزب الله" حاسة استشرافية تمكنه من التقاط الحقيقة، ومن التعامل مع انكشافه بواقعية. التجارب مع الحزب على هذا الصعيد ليست مشجعة، وهو سبق أن التف على هزائم وكوارث عبر انتصارات وهمية ساعده على تكريسها وضع عام لم يكن يحتمل انقضاض الحزب على الدولة وعلى الشارع.

الدولة اليوم هي للحزب، والشارع مفرغ من سكانه، والانفجار أتى على أي عنفٍ أصغر منه، والعالم متحفز ويراقب، وحلفاء الحزب في حالة يُرثى لها. يبقى أنه علينا أن نراقب مدى تجاوبه مع مطلب حكومة حيادية لا تتمثل فيها أطراف السلطة كلها، وأن تعطى صلاحيات تمكنها من التعامل مع الكارثة الكبرى ومع شقيقات الكارثة، أي الانهيار المالي والعقوبات.

قد يقول قائل إن قبول الحزب بهذه الحكومة سيكون بداية الطريق إلى نهايته، وهذا ينطوي على مبالغة، على رغم أنها ستؤدي إلى الحد من نفوذه، وإعادته شريكا بحجمه المذهبي في السلطة. وفي النتيجة لا يمكن أن يقوم لبنان في ظل نفوذ مطلق للحزب. الانفجار هو تتويج لهذه المعادلة. فالثمن الذي دفعه الحزب لحلفائه لكي يمد نفوذه، هو تماما هذا الانفجار.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.