Ethiopians celebrate the progress made on the Nile dam, in Addis Ababa, Ethiopia, Sunday Aug. 2, 2020. Ethiopians in the…
مواطنون أثيوبيون يحتفلون بتقدم العمل بسد النهضة

ما تزال الخلافات تضرب المفاوضات الثلاثية بين السودان ومصر وأثيوبيا التي بدأت منذ عام2011 بشأن بناء سد النهضة، وكان آخرها الأسبوع الماضي عندما طلبت مصر والسودان تعليق المفاوضات لإجراء مشاورات داخلية حول الطرح الأثيوبي الأخير والذي رأت فيه الدولتان نكوصا عما تم الاتفاق عليه في السابق.

تقوم أثيوبيا ببناء السد الذي تبلغ تكلفته حوالي 5 مليارات دولار على النيل الأزرق، على بعد 20 كلم من الحدود السودانية وتبلغ سعته التخزينية 74 مليار متر مكعب، ومن المتوقع أن يولد طاقة كهربائية تصل إلى 6000 ميغاواط. وتخشى مصر أن يخفض السد حصتها البالغة 55.5 مليار متر مكعب من مياه النيل، كما يحذر السودان من المخاطر البيئية ومن مخاوف متعلقة بإمكانية انهيار السد.

بعد شروع أثيوبيا في البناء، واستمرار مطالبة مصر والسودان بضرورة مخاطبة تلك المخاوف، اقترحت لجنة مشتركة من الخبراء في الدول الثلاث في 22 سبتمبر 2014 إجراء دراستين إضافيتين حول مشروع السد، الأولى عن تأثير السد على حصة المياه في السودان ومصر والثانية لفحص السد والآثار البيئية والاقتصادية والاجتماعية على السودان ومصر.

منذ أن بدأت أثيوبيا في تشييد السد في عام 2011 ظلت تنتهج سياسة تقوم على عدم إيقاف عمليات البناء مع الاستمرار في المفاوضات حتى يصبح قيام السد أمرا واقعا

في مارس 2015 وقعت الدول الثلاث إعلان مبادئ بشأن مشروع السد، حيث أعطى الإعلان موافقة ضمنية من قبل السودان ومصر على بناء السد، لكنه دعا إلى إجراء دراسات فنية تهدف إلى حماية حصص المياه في الدول المشاطئة الثلاث.

منذ أن بدأت أثيوبيا في تشييد السد في عام 2011 ظلت تنتهج سياسة تقوم على عدم إيقاف عمليات البناء مع الاستمرار في المفاوضات حتى يصبح قيام السد أمرا واقعا وهو الأمر الذي حققت فيه نجاحا كبيرا بينما انشغلت مصر بتحولاتها السياسية الداخلية التي جعلتها تلاحق الموقف الأثيوبي دون أن تتمكن من تغييره، في الوقت الذي تراوح فيه موقف السودان بين التأييد الضمني والمعلن لقيام السد قبل أن يتحول لإبداء موقف مختلف بعد أن تبدت مخاطر وآثار جدية قد تترتب عليه جراء تشييد السد.

شكل إعلان المبادئ معلما بارزا في مسيرة التفاوض بين الدول الثلاث، ذلك لأنه أقر مبدأ التعاون والعمل الجماعي حتى يحقق الجميع أهدافهم دون الإضرار ببعضهم البعض، وكان حجر الزاوية في الإعلان هو الالتزام بعدم اتخاذ قرارات أو خطوات منفردة في موضوع ملء وتشغيل الخزان فضلا عن تسوية النزاعات المحتملة عبر الحوار والتوافق.

في هذا الإطار نصت المادة الخامسة من إعلان المبادئ على مبدأ التعاون في الملء الأول وإدارة السد وأن "تستخدم الدول الثلاث المخرجات النهائية للدراسات المشتركة الموصي بها في تقرير لجنة الخبراء الدولية والمتفق عليها من جانب اللجنة الثلاثية للخبراء، بغرض الاتفاق على الخطوط الإرشادية وقواعد الملء الأول لسد النهضة والتي ستشمل كافة السيناريوهات المختلفة، بالتوازي مع عملية بناء السد، وكذلك الاتفاق على الخطوط الإرشادية وقواعد التشغيل السنوي لسد النهضة، والتي يجوز لمالك السد ضبطها من وقت لآخر".

على الرغم من وضوح إعلان المبادئ في هذا الإطار وإقراره بضرورة الاتفاق بين الأطراف الثلاثة على قواعد الملء والتشغيل إلا أن الجانب الأثيوبي تقدم بمقترح مفاجئ خلال التفاوض الأسبوع الماضي يطالب باقتصار المفاوضات على مسألة الملء فقط وترك نقاط التشغيل طويل الأمد إلى اتفاقية أخرى تتناول تقسيم حصص مياه النيل.

نتيجة للموقف الأثيوبي تقدم السودان ومصر بطلب للوساطة الأفريقية لتعليق المفاوضات لإجراء مشاورات داخلية معللين موقفهم بأن المقترح الأثيوبي الأخير اشتمل على خطوط إرشادية وقواعد ملء سد النهضة لا تتضمن أي قواعد للتشغيل ولا أي عناصر تعكس الإلزامية القانونية للاتفاق فضلا عن عدم وجود آلية قانونية لفض النزاعات في مخالفة لإعلان المبادئ وللاتفاق الذي تم بين الأطراف الثلاثة خلال قمة هيئة مكتب الاتحاد الأفريقي التي انعقدت في 21 يونيو الماضي.

تراوح فيه موقف السودان بين التأييد الضمني والمعلن لقيام السد قبل أن يتحول لإبداء موقف مختلف بعد أن تبدت مخاطر وآثار جدية قد تترتب عليه جراء تشييد السد

إن طلب أثيوبيا اقتصار المفاوضات على مسألة الملء فقط وترك نقاط التشغيل طويل الأمد إلى اتفاقية أخرى تتناول تقسيم حصص مياه النيل الأزرق لا يمثل نكوصا عن الاتفاقيات السابقة فحسب بل يعطي انطباعا بأن أديس أبابا تعمل على إطالة المفاوضات لأطول مدى حتى تشرع عمليا في ملء وتشغيل السد، ذلك لأنه يصعب عمليا التوصل لاتفاق على تقسيم حصص مياه النيل قريبا وربما تستغرق الخطوة سنوات طويلة.

هذا الأمر دفع وزير الري السوداني لإصدار بيان أوضح فيه بجلاء أن مخاطر السد الأثيوبي على بلده وشعبه جدية بما في ذلك المخاطر البيئية والاجتماعية بالنسبة إلى الملايين من السكان المقيمين على ضفاف النيل الأزرق، وأكد أن "السودان لن يقبل برهن حياة 20 مليون من مواطنيه يعيشون على ضفاف النيل الأزرق بالتوصل لمعاهدة بشأن مياه النيل الأزرق".

لا شك أن مياه النيل الأزرق تمثل موردا حيويا لا يمكن للدول الثلاث التخلي عنه بل يجب عليها التعاون من أجل الاستفادة منه ومنع وقوع أضرار على أي منها حسبما جاء في إعلان المبادئ، وأن محاولة فرض المواقف الأحادية وسياسة الأمر الواقع لن تكون نتيجتها الأخيرة سوى الدخول في نزاعات ممتدة تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في الإقليم وهو الأمر الذي لن تجني منه شعوب الدول الثلاث سوى الدمار وتبديد الموارد.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.