مواطنون أثيوبيون يحتفلون بتقدم العمل بسد النهضة

ما تزال الخلافات تضرب المفاوضات الثلاثية بين السودان ومصر وأثيوبيا التي بدأت منذ عام2011 بشأن بناء سد النهضة، وكان آخرها الأسبوع الماضي عندما طلبت مصر والسودان تعليق المفاوضات لإجراء مشاورات داخلية حول الطرح الأثيوبي الأخير والذي رأت فيه الدولتان نكوصا عما تم الاتفاق عليه في السابق.

تقوم أثيوبيا ببناء السد الذي تبلغ تكلفته حوالي 5 مليارات دولار على النيل الأزرق، على بعد 20 كلم من الحدود السودانية وتبلغ سعته التخزينية 74 مليار متر مكعب، ومن المتوقع أن يولد طاقة كهربائية تصل إلى 6000 ميغاواط. وتخشى مصر أن يخفض السد حصتها البالغة 55.5 مليار متر مكعب من مياه النيل، كما يحذر السودان من المخاطر البيئية ومن مخاوف متعلقة بإمكانية انهيار السد.

بعد شروع أثيوبيا في البناء، واستمرار مطالبة مصر والسودان بضرورة مخاطبة تلك المخاوف، اقترحت لجنة مشتركة من الخبراء في الدول الثلاث في 22 سبتمبر 2014 إجراء دراستين إضافيتين حول مشروع السد، الأولى عن تأثير السد على حصة المياه في السودان ومصر والثانية لفحص السد والآثار البيئية والاقتصادية والاجتماعية على السودان ومصر.

منذ أن بدأت أثيوبيا في تشييد السد في عام 2011 ظلت تنتهج سياسة تقوم على عدم إيقاف عمليات البناء مع الاستمرار في المفاوضات حتى يصبح قيام السد أمرا واقعا

في مارس 2015 وقعت الدول الثلاث إعلان مبادئ بشأن مشروع السد، حيث أعطى الإعلان موافقة ضمنية من قبل السودان ومصر على بناء السد، لكنه دعا إلى إجراء دراسات فنية تهدف إلى حماية حصص المياه في الدول المشاطئة الثلاث.

منذ أن بدأت أثيوبيا في تشييد السد في عام 2011 ظلت تنتهج سياسة تقوم على عدم إيقاف عمليات البناء مع الاستمرار في المفاوضات حتى يصبح قيام السد أمرا واقعا وهو الأمر الذي حققت فيه نجاحا كبيرا بينما انشغلت مصر بتحولاتها السياسية الداخلية التي جعلتها تلاحق الموقف الأثيوبي دون أن تتمكن من تغييره، في الوقت الذي تراوح فيه موقف السودان بين التأييد الضمني والمعلن لقيام السد قبل أن يتحول لإبداء موقف مختلف بعد أن تبدت مخاطر وآثار جدية قد تترتب عليه جراء تشييد السد.

شكل إعلان المبادئ معلما بارزا في مسيرة التفاوض بين الدول الثلاث، ذلك لأنه أقر مبدأ التعاون والعمل الجماعي حتى يحقق الجميع أهدافهم دون الإضرار ببعضهم البعض، وكان حجر الزاوية في الإعلان هو الالتزام بعدم اتخاذ قرارات أو خطوات منفردة في موضوع ملء وتشغيل الخزان فضلا عن تسوية النزاعات المحتملة عبر الحوار والتوافق.

في هذا الإطار نصت المادة الخامسة من إعلان المبادئ على مبدأ التعاون في الملء الأول وإدارة السد وأن "تستخدم الدول الثلاث المخرجات النهائية للدراسات المشتركة الموصي بها في تقرير لجنة الخبراء الدولية والمتفق عليها من جانب اللجنة الثلاثية للخبراء، بغرض الاتفاق على الخطوط الإرشادية وقواعد الملء الأول لسد النهضة والتي ستشمل كافة السيناريوهات المختلفة، بالتوازي مع عملية بناء السد، وكذلك الاتفاق على الخطوط الإرشادية وقواعد التشغيل السنوي لسد النهضة، والتي يجوز لمالك السد ضبطها من وقت لآخر".

على الرغم من وضوح إعلان المبادئ في هذا الإطار وإقراره بضرورة الاتفاق بين الأطراف الثلاثة على قواعد الملء والتشغيل إلا أن الجانب الأثيوبي تقدم بمقترح مفاجئ خلال التفاوض الأسبوع الماضي يطالب باقتصار المفاوضات على مسألة الملء فقط وترك نقاط التشغيل طويل الأمد إلى اتفاقية أخرى تتناول تقسيم حصص مياه النيل.

نتيجة للموقف الأثيوبي تقدم السودان ومصر بطلب للوساطة الأفريقية لتعليق المفاوضات لإجراء مشاورات داخلية معللين موقفهم بأن المقترح الأثيوبي الأخير اشتمل على خطوط إرشادية وقواعد ملء سد النهضة لا تتضمن أي قواعد للتشغيل ولا أي عناصر تعكس الإلزامية القانونية للاتفاق فضلا عن عدم وجود آلية قانونية لفض النزاعات في مخالفة لإعلان المبادئ وللاتفاق الذي تم بين الأطراف الثلاثة خلال قمة هيئة مكتب الاتحاد الأفريقي التي انعقدت في 21 يونيو الماضي.

تراوح فيه موقف السودان بين التأييد الضمني والمعلن لقيام السد قبل أن يتحول لإبداء موقف مختلف بعد أن تبدت مخاطر وآثار جدية قد تترتب عليه جراء تشييد السد

إن طلب أثيوبيا اقتصار المفاوضات على مسألة الملء فقط وترك نقاط التشغيل طويل الأمد إلى اتفاقية أخرى تتناول تقسيم حصص مياه النيل الأزرق لا يمثل نكوصا عن الاتفاقيات السابقة فحسب بل يعطي انطباعا بأن أديس أبابا تعمل على إطالة المفاوضات لأطول مدى حتى تشرع عمليا في ملء وتشغيل السد، ذلك لأنه يصعب عمليا التوصل لاتفاق على تقسيم حصص مياه النيل قريبا وربما تستغرق الخطوة سنوات طويلة.

هذا الأمر دفع وزير الري السوداني لإصدار بيان أوضح فيه بجلاء أن مخاطر السد الأثيوبي على بلده وشعبه جدية بما في ذلك المخاطر البيئية والاجتماعية بالنسبة إلى الملايين من السكان المقيمين على ضفاف النيل الأزرق، وأكد أن "السودان لن يقبل برهن حياة 20 مليون من مواطنيه يعيشون على ضفاف النيل الأزرق بالتوصل لمعاهدة بشأن مياه النيل الأزرق".

لا شك أن مياه النيل الأزرق تمثل موردا حيويا لا يمكن للدول الثلاث التخلي عنه بل يجب عليها التعاون من أجل الاستفادة منه ومنع وقوع أضرار على أي منها حسبما جاء في إعلان المبادئ، وأن محاولة فرض المواقف الأحادية وسياسة الأمر الواقع لن تكون نتيجتها الأخيرة سوى الدخول في نزاعات ممتدة تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في الإقليم وهو الأمر الذي لن تجني منه شعوب الدول الثلاث سوى الدمار وتبديد الموارد.