Soldiers from 1st Brigade Combat Team, 10th Mountain Division play the role of the Afghan National Army as part of the 1st…
مناورة مشتركة بين الجيشين الأميركي والأفغاني

في الجغرافيا، تفصل ثلاثة آلاف كيلومتر بين اليمن وأفغانستان، لكن في التاريخ والتركيبة الاجتماعية والثقافية والنفسية هناك الكثير من القواسم المشتركة بين البلدين حتى أنهما يبدوان كتوأمين فرّقت بينهما ظروف الحياة. يشترك البلدان في التضاريس الجبلية وفي بنية المجتمع القبلية التي ترفض بعناد التحوّل إلى مجتمع مديني حديث، ولكن أهم ما يجمعهما أنهما قد اعتبرا عبر التاريخ مقبرة للغزاة، مهما كان هذا الغازي قويا ومهما كان حجم تفوقه العسكري والتكنولوجي كبيرا، بل حتى لو كان وجوده ينعكس بحياة أفضل على شعبي البلدين.

ففي العام 25 قبل الميلاد، عندما كانت روما في قمة عظمتها أبيد جيش روماني كامل مؤلف من 10 آلاف مقاتل على أسوار مأرب. وعندما أرسل العثمانيون ثمانين ألف جندي لليمن تمكنوا في البداية من السيطرة على بعض المناطق ولكن سرعان استنزفوا حتى لم يبق من هذا الجيش سوى سبعة آلاف جندي فقط. واكتفت بريطانيا باحتلال بعض المناطق الساحلية ودفع رواتب منتظمة لبعض شيوخ القبائل حتى تأمن جانبهم. وكانت التجربة المصرية الفاشلة في ستينيات القرن الماضي آخر محاولة خارجية للتدخل عسكريا في اليمن.

وفي أفغانستان لم يتمكن الإسكندر الكبير، أحد أشهر القادة العسكريين في التاريخ، من إخضاع أفغانستان رغم محاولاته التقرب من القبائل وإقامة تحالفات معها. وحتى المغول وشراستهم المعروفة في الحروب لم يستطيعوا السيطرة على البلد لفترة طويلة لأن ثورات الأفغان المتواصلة ضدهم أنهكتهم. أما البريطانيون فقد تكبّدوا هزيمتين كبيرتين على يد القبائل الأفغانية في القرن التاسع عشر عندما كانت بريطانيا في أوج قوتها العسكرية، ولم ينته الغزو السوفييتي لأفغانستان عام 1979 إلى هزيمة عسكرية للروس فقط بل كان أحد أسباب انهيار الاتحاد السوفياتي نفسه.

في اليمن ما كان التدخل السعودي الإماراتي عام 2015 ليحدث لولا استيلاء الحوثيين الموالين لإيران على السلطة

صحيح أنه بإمكان شعبي البلدين اعتبار هذا التاريخ مصدرا للفخر، ولكن في المقابل كان للحياة خارج العصر وفي عزلة عن العالم الخارجي آثارها السلبية أيضا. يشترك البلدان بواقع هيمنة رجال الدين وانتشار شكل متشدد من التديّن وعدم قبول الآخر مما جعل النسبة الأكبر من السكان من السكان من أتباع دين واحد هو الإسلام بعكس الدول العصرية التي يتكوّن مواطنوها من أعراق وطوائف متعددة، بل أن التعصب في هذين البلدين دفع الأقليات المذهبية ضمن الدين الإسلامي نفسه إلى التجمّع في مناطق حصينة لحماية حياتهم ومعتقداتهم. كذلك انعكست عزلتهما عن العالم على الوضع المعيشي وجعلتهما من أفقر دول العالم حيث تعيش نسبة كبيرة من السكان تحت خط الفقر في اقتصاد ضعيف يعتمد على المساعدات الخارجية وتحويلات المغتربين.

كذلك، كان لكل بلد قصة خاصة مع المخدرات. أفغانستان تعتبر أهم مصدر عالمي لزراعة نبتة الخشخاش التي تشكّل نصف الإنتاج الزراعي لهذا البلد، ومنها يتم استخلاص الأفيون ثم تحويله إلى هيرويين ونقله عبر التهريب لبقية العالم، ونتج عن ذلك وجود الملايين من مدمني المخدرات في أفغانستان. وتنتشر في اليمن زراعة القات، الممنوع في كافة دول العالم ما عدا اليمن، والذي صنفته منظمة الصحة العالمية عام 1973 ضمن قائمة المواد المخدرة، وهو نبات تتطلّب زراعته الكثير من المياه مما جعله يستهلك 40 في المئة من مياه الري وما نتج عن ذلك من استنزاف لمخزون المياه الجوفية وانخفاض في إنتاج المحاصيل الغذائية، كما أضعف من حيوية وإنتاجية الشباب اليمني الذين يقضون قسما كبيرا من يومهم مسترخين في دواوين تخزين القات.

ولكن خلال القرن الحالي وقعت أحداث استثنائية دفعت إلى تجاهل دروس الماضي والتدخل في هذين البلدين، ففي الولايات المتحدة حدثت هجمات 11 سبتمبر 2001 والتي أدّت إلى سقوط ثلاثة آلاف ضحية في أكبر عملية إرهابية في التاريخ وفي أسوأ هجوم تتعرض له الأراضي الأميركية، وكانت قيادة التنظيم الذي خطط وموّل هذه الهجمات موجودة في أفغانستان تحت حماية حركة طالبان، ولذلك حظي التدخل العسكري الأميركي في أفغانستان في بداياته بدعم شعبي ومشاركة دولية، وتم خلال أسابيع إجبار حركة طالبان على الخروج من العاصمة كابول والمدن الرئيسية ولكن كما كان يحدث دوما في التاريخ لم تنجح القوة العسكرية في القضاء على الحركة والقبائل الموالية لها.

وعند وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسلطة حاول توجيه رسالة عسكرية قوية لحركة طالبان فأمر بإلقاء أم القنابل وهي أكبر قنبلة غير نووية على شبكة كهوف في جبال أفغانستان، لكن ذلك لم يترك أي أثر عسكري أو نفسي على حركة طالبان، مما عزز القناعة بصعوبة تحقيق نصر عسكري وضرورة الانسحاب من أفغانستان، وكل ما يتم بحثه اليوم هو شكل السيناريو الأنسب لتحقيق ذلك، رغم تخوّف بعض القادة السياسيين والعسكريين من سيطرة حركة طالبان على جزء كبير من أراضي أفغانستان بعد الانسحاب الأميركي.

لكن يبدو أن هذا الموضوع لم يعد مهما بالنسبة للولايات المتحدة التي ستكتفي بعد الانسحاب بالاعتماد على استخباراتها وقواتها الجوية في توجيه ضربات حين اللزوم لبقايا تنظيمي "داعش" و"القاعدة" أو أي تنظيم يهدد بشن عمليات ضد مصالح الولايات المتحدة، بينما ستدفع الدول المحيطة بأفغانستان وهي روسيا وإيران وباكستان ثمن سيطرة حركة طالبان على أفغانستان وما سيترتّب عليه من نشر التطرف وتجارة المخدرات، وسيظهر للعلن تضارب المصالح بين هذه الدول بعد أن كانت متّحدة في مواجهة الوجود العسكري الأميركي.

وفي اليمن ما كان التدخل السعودي الإماراتي عام 2015 ليحدث لولا استيلاء الحوثيين الموالين لإيران على السلطة، والذي سبقه تحكّم ميليشيات تابعة لإيران بالعراق وسوريا ولبنان مما جعل الجزيرة العربية محاصرة من إيران من الشمال والجنوب. وما شجّع دول الخليج على هذا التدخل العسكري توقّعها بأن قبائل يمنية كبيرة ستقف إلى جانبها، ولكن تبيّن اليوم بعد أكثر من خمس سنوات أن الأمور تسير كما كان يحدث دائما في تاريخ اليمن.

يبدو من الأفضل أن يقتصر الوجود العسكري السعودي الإماراتي على عدن والمحافظات التي كانت تشكل دولة الجنوب العربي، لأن الشعب في هذه المناطق يطمح لنيل استقلاله والتحرر من احتلال قبائل الشمال

فقد نجح الحوثيون في تحريض نسبة كبيرة من اليمنيين ضد السعودية باعتبارها طرفا خارجيا من ناحية، ولوجود ماضي طويل من الصراع القبلي بين البلدين من ناحية أخرى، كما زادت خلال الفترة الأخيرة الضغوط الدولية على دول الخليج للانسحاب من اليمن، والتي ترافقت مع فترة حرجة تمر بها تلك الدول على أكثر من صعيد منها الآثار الاقتصادية لجائحة كورونا وهبوط أسعار النفط، بما يجعل البحث عن طريقة للخروج من اليمن أمرا متوقّعا.

وضمن هذه المعطيات يبدو من الأفضل أن يقتصر الوجود العسكري السعودي الإماراتي على عدن والمحافظات التي كانت تشكل دولة الجنوب العربي، لأن الشعب في هذه المناطق يطمح لنيل استقلاله والتحرر من قبائل الشمال، وسيعتبر الوجود العسكري الخليجي ضمانة لتحقيق ذلك، مع ضرورة مراعاة إعادة ترسيم الحدود بين البلدين اعتمادا على الرغبة الحرة لسكان المناطق الحدودية بحيث يختار كل إقليم أو منطقة الدولة التي يريد الانضمام إليها، ودعم الدولة الجديدة عسكريا وسياسيا واقتصاديا وحتى من الممكن ضمها إلى مجلس التعاون الخليجي. وفي حال قيام الحوثيين بأي استفزازات تجاه الدولة الجديدة أو الأراضي السعودية فيمكن الرد عليه بالوسائل السياسية والضغوط الاقتصادية، وهذا أمر غير صعب لأن تحويلات العمالة اليمنية في دول الخليج تشكل جزءا أساسيا من الناتج الإجمالي لليمن.

أي أن الأشهر المقبلة ستشهد إسدال الستار على أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة في تاريخها وهي الحرب الأفغانية، ومن المأمول أن ترافقها ترتيبات مماثلة لإنهاء التدخّل العسكري الخليجي في اليمن "الشمالي"، ولن تكون هذه الخطوات سوى جزء بسيط من كثير من الأحداث والتطورات التي ستشهدها منطقة الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.