Lebanese soldiers stand guard under a bridge leads to the site of last week's explosion that hit the seaport of Beirut, Lebanon…
في الأزمات، كما في الحالة اللبنانية، وربما غيرها أيضا، فإن الجميع يتحدث عن طبقة سياسية فاسدة أو طغمة سياسية فاسدة

الانفجار المأساوي الذي شهدته بيروت أعطى الكثيرين في الداخل والخارج دليلا إضافيا على أن المنطقة العربية كلها، وليس لبنان فحسب، تتجه بصورة أو بأخرى إلى أن تكون دولا فاشلة. ربما توجد استثناءات هنا أو هناك، لكن الصورة العامة تشي بأننا مقبلون على أوقات عصيبة.

الطغمة الفاسدة!

والحقيقة أن مؤشرات الفشل واضحة وبادية قبل ذلك الانفجار وبعده، لكن التسارع في الانهيارات المجتمعية، في أقل من عقد من الزمان، ربما دلل على أمر آخر وهو أننا وصلنا بالفعل إلى حالة من قلة الحيلة والانسداد وانعدام الأفق.

بالطبع ثمة الكثير مما يمكن أن يقال في هذا الموضوع، لكني أركز في هذا المقال على جانب واحد فقط وهو ذلك المتعلق بالمسؤولية الجماعية.

من اللافت أنه في الأزمات، كما في الحالة اللبنانية، وربما غيرها أيضا، فإن الجميع يتحدث عن طبقة سياسية فاسدة أو طغمة سياسية فاسدة. وهذا صحيح ولا جدال فيه، لكن ألا يتساءل هؤلاء مع ذلك من أين أتت هذه الطغمة؟ هل نزلت من الفضاء أم خلقت من العدم؟

الشرط الأول والأساس لأية نهضة مجتمعية لا يتم عبر الحصول على المزيد من القروض والمساعدات المالية من الخارج. هذه المساعدات مهمة لحل المشاكل الملحة، لكن الأساس هو تغيير الثقافة المجتمعية

هذه الطغمة تنتمي إلى نفس الثقافة والقيم السائدة في المجتمع وهي امتداد طبيعي له. وما لم تتغير هذه الثقافة والقيم فالمجتمع سوف يظل ينتج طغما مماثلة باستمرار، رغم تغير الأسماء والكيانات والأشخاص.

لذلك، فإن كان ثمة من هو حريص على تغيير الوضع الراهن حقيقة، فعليه في البداية الاعتراف بأن هناك خلل في الثقافة المجتمعية وخلل في نظرة الأفراد لأنفسهم ولدور الدولة وللملكية الخاصة والعامة وللمسؤولية الفردية ولقيمة العمل ولإدارة الخلافات والاختلافات داخل المجتمع.

مشكلتنا كمواطنين

هذا الأمر ليس خاصا بلبنان فقط، وإنما هو يتجاوزه إلى العديد من دولنا العربية.

علينا الاعتراف بأن لدينا مشكلة كمواطنين وليس فقط كحكومات. علينا أن نعترف بأن قيمنا وأفكارنا وجشعنا وعاداتنا تشجع الاستبداد والفساد وتشجع على التغوّل والتهرب من المسؤولية وعدم المحاسبة والاعتداء على المال العام.

من يعتقد أن الفساد ينشأ بقرار من الحاكم هو مخطئ. الفساد لا يحدث ما لم تكن هناك ثقافة مجتمعية تسهّله وتشجع عليه وتتغاضى عنه. فالمواطن العادي عندما يحصل على منفعة لا يستحقها لا يعتبر ذلك فسادا، وإنما يعتبره شطارة وفهلوة. وعندما يخدع/أو ينصب على الآخرين ويتفوق عليهم بالباطل، فهو يرى في ذلك قدرة فذة من جانبه على استحصال ما ليس له حق فيه.

وما يمارسه الإنسان العادي يمارسه المسؤول في نطاق أكبر وأوسع بحكم سلطته. لكن الأول يعتبره فسادا، بينما يعتبره الثاني مجرد تماشيا مع نفس القيم السائدة في المجتمع.

والحقيقة أن الاثنين يمارسان الفساد نفسه، والمسألة بينهما لا تخرج عن صراع السمك الكبير مع السمك الصغير. فالصراع هو على من يكون في موقع الآخر.

تايلاند نموذجا

وهذا هو أحد الأسباب (وليس كلها) في أن مجتمعاتنا العربية رغم ما تشهده من حين إلى آخر، من تغير في الحكومات وربما الأنظمة السياسية، مع ذلك فإن الوضع العام يسوء ولا يتحسن.

كنا نقول في السابق بأن الاستعمار هو السبب، وقد ذهب الاستعمار. وكنا نقول بأن التدخلات الأجنبية وإسرائيل هما السبب، لكن هذه التدخلات ليست مقتصرة على بلداننا فقط.

لا بد أن نعي بأن الشرط الأول والأساس لأية نهضة مجتمعية لا يتم عبر الحصول على المزيد من القروض والمساعدات المالية من الخارج. هذه المساعدات مهمة لحل المشاكل الملحة، لكن الأساس هو تغيير الثقافة المجتمعية.

المسألة المحزنة باعتقادي هي أن الكثيرين، ممن يتصدون لهذه القضايا، لا يجرؤون على الإشارة إلى الجذر الحقيقي للمشاكل، وإنما يواصلون ممارسة نفس أساليب "الفهلوة"

تايلاند بلد متواضع في إمكانياته ومستوى معيشته، ومع ذلك لا يطلب مساعدات من الخارج، ومن النادر أن تجد هناك أحدا يغشك في شيء أو يأخذ زيادة على حقه. لو أعطيت موظفا في مطعم مبلغا من المال يزيد عن حسابك، فسوف يعيده إليك ويرفض أن يأخذه. في الكثير من دولنا فإن الموظف لا يأخذ فقط ذلك المال، وإنما بمجرد أن يكتشف بأنك لست من أهل البلد، سوف يجعلك تدفع أضعافا على نفس الخدمة أو السلعة. وسوف يعتبر ذلك شطارة وذكاء منه!

انعدام الأمل

ويمكن القول إن عقلية "الشطارة" و"الفهلوة" هذه ليست مقتصرة على الاقتصاد، بل هي تمارس أيضا في السياسة والفن والمعاملات وشتى مجالات الحياة. ورغم أن معظم الناس يشكون منها، لكنهم يمارسونها بطرق مختلفة وفي النطاقات التي هي في متناول أيديهم.

هذه الثقافات والممارسات لا يمكن أن تبني بلدانا أو تقيم اقتصادا حقيقيا. فعاجلا أو آجلا سوف تؤدي إلى انحدار وتدهور هذه البلدان. وهذا ما يحدث اليوم في العديد من الدول العربية التي تتجه نحو الفشل.

والمسألة المحزنة باعتقادي هي أن الكثيرين، ممن يتصدون لهذه القضايا، لا يجرؤون على الإشارة إلى الجذر الحقيقي للمشاكل، وإنما يواصلون ممارسة نفس أساليب "الفهلوة" ودغدغة عواطف الناس عبر التركيز على دوري "الضحية" و"الجلاد"، أو "الطغمة الفاسدة" و"المواطنين المغلوب على أمرهم"، الأمر الذي يجعلني لا أتفاءل بقرب إيجاد حل للأزمات الماثلة. الأرجح أننا سوف نشهد مزيدا من التفسخ والتفكك للكيانات القائمة، وبالطبع سوف يصاحب ذلك المزيد من التدخلات الأجنبية، الإقليمية منها أو الدولية.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.