In this March 31, 2019 photo, a woman poses for a portrait at Al-Hol camp, which holds families of Islamic State members, near…
سيدة في مخيم الهول في سوريا الذي يضم عائلات مقاتلي تنظيم "داعش"

استطاع المتطرفون في الجماعات الإسلامية والسلفية وغيرها ممن يطلق عليهم جماعات الإسلام السياسي خداع ملايين من البشر عبر العقود الماضية بعرض مفاهيم دينية بطريقة معينة تضمن خلق واستمرار التطرف الديني في عقول الكثيرين.

ومن خبرة شخصية تجمعت عبر عشرات السنين ومن واقع تجربة عملية من خلال انضمامي للجماعات الإسلامية المتطرفة لمدة عامين (1979 ـ 1980) أثناء دراستي في كلية الطب جامعة القاهرة يمكن تحليل ما فعله هؤلاء لتشويه المفهوم الديني البسيط والجميل عند الناس وكان "الدين المعاملة" واستبداله بمفاهيم متطرفة وعنيفة للغاية.

وأحلل هنا بضعا من الأساليب التي استخدمها المتطرفون ولا يزالون يستخدمونها لتحقيق أهدافهم بالسيطرة على الشعوب بواسطة فكرهم الديني المنحرف.

أولا: إهمال أدوات التعريف في القرآن

من الصعب الذي يقارب المستحيل أن أنسى كيف كان يعمم المتطرفون كل آيات القتال ـ بالرغم من تخصيص القرآن لها ـ لدفع أتباعهم للعنف باسم الدين.

فهم (أي المتطرفون) وكتب تراثهم على سبيل المثال أغفلوا أدوات التعريف في القرآن مثل "ال" في بداية الكلمة و "هم" في آخرها فعمموا آيات القتال بدلا من تخصيصها فقط في مواجهة الذين بدأوا العدوان على المسلمين الأوائل.

والتخصيص في القتال تجلى على سبيل المثال في الآية التالية "فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ" (التوبة آية 5).

فشتان بين معنى كلمة "المشركين" وبين معنى "من أشرك" فالأولى تعمم المعنى والثانية تخصصه في الزمان والمكان لفئة بعينها تكلم عنها القرآن في قوله تعال "أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ" (سورة الحج 39 ـ 40).

وهناك فارق كبير بين معنى " وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ" (الأنفال 39) والذي جاء في القرآن وبين معنى "قاتلوا غير المسلمين" فالأولى ـ وهي التي جاءت في القرآن ـ تتكلم عن مجموعة بعينها خصصتهم باستخدام أداة التخصيص "هم" والثانية ـ والتي ضربت بها المثل للتوضيح ـ تعمم المعنى على جميع غير المسلمين.

ثانيا: استقطاع جزء من الآيات لإظهار مفهوم بعينه

الأمر الآخر هنا كان إظهار جزء من آية من آيات القرآن للحث على العنف وتعمد إغفال باقي الآية. فعلى سبيل المثال لم أزل أتذكر كيف كانت الجماعات الإسلامية تنشر معنى "وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً" حتى يحفزوننا على قتال ومحاربة غير المسلمين بصورة عامة دون أن يذكروا لنا باقي الآية ألا وهو "كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً".

والفارق في المعنى كبير لأن الآية لا تدعوا لقتال غير المسلمين كما علمونا فهي كانت تتكلم عمن بدأوا بالقتال والعدوان كما جاء في الآية الكريمة" وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا" (سورة البقرة 190).

ثالثا: طمس آيات السلام في الخطاب الديني

كان من أبشع جرائم الجماعات المتطرفة هو إغفالهم وطمسهم للعديد من الآيات القرآنية الرائعة الواضحة الداعية للسلام والرحمة. ومن هذه الآيات ما يلي:

"ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ" (سورة المؤمنون 95) والآية تعني أن يرد الإنسان على الإساءة بالإحسان!

والآية الكريمة "ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا (أي القدرة على الرد على الإساءة بالإحسان) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ" (سورة فصلت 34). والآية " وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" (البقرة 190).

رابعا: الناسخ والمنسوخ

كانت أكبر كارثة رأيتها في الجماعات الإسلامية هي إلغاء العمل بآيات القرآن التي تدعو إلى السلام بحجة أنها منسوخة بآيات القتال وكأنهم نسوا قول الله تعالى "ما يبدل القول لدي"!. وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن الآية التالية لا قيمة لها عندهم لأنها في نظرهم وكما أشاعوا في المجتمع تم إلغاؤها ونسخها بآيات القتال! "لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" (سورة الممتحنة 9).

خامسا: تقديس كتب التراث وإعطائها منزلة أعلى من القرآن

قد لا يخفى على كثيرين أن القرآن كان واضحا في مبدأ عدم الإكراه على الدين "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ" (البقرة 256) وعلى حق أي إنسان أن يؤمن أو أن يكفر "فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ" (الكهف 29).

ولكن قيادات الجماعات الإسلامية لم تكن تتوانى عن التقليل من شأن القرآن في هذا الأمر الهام واستبداله بمفهوم قتل المرتد وقتل تارك الصلاة وضرب النساء لإجبارهن على ارتداء الحجاب وعقوبة المفطرين في رمضان تعزيرا لهم.

ولا أقول لهؤلاء الذين استبدلوا "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" بالهمجية والوحشية المذكورة أعلاه إلا قول الله تعال "أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ" وهم ـ أي المتطرفون ـ حقا وصدقا قد أحلوا أقوامهم دار البوار.

وما سبق يمثل فقط مجموعة من الوسائل التي استخدمها دعاة العنف والكراهية والتطرف في العقود الماضية ليسفكوا دماء الكثير من البشر وليضللوا الكثير ممن اتبعوهم عن معاني السلام والخير والإنسانية التي أمرنا الله بها. ولقد وصف القرآن لحظة لقاء المضللين بمن اتبعوهم يوم الدين فقال "إذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ" (سورة البقرة 166 ـ 167).

وللحديث بقية!

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.