Russian President Vladimir Putin attends a meeting via video conference at the Novo-Ogaryovo residence outside Moscow, Russia,…
ردة فعل المجتمعات العلمية العالمية على إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التوصل إلى لقاح مضاد لفيروس كورونا مبررة

لا يختلف اثنان أن العلم لا يُوّرث ولا تصنعه قوّة السلطة ولا يخضع لشروط سياسية أكانت لدولة فقيرة أو عظمى. فالبحوث العلمية وخصوصا الطبية، وبسبب علاقتها بسلامة الإنسان، لا يمكن إخضاعها لسياسة التفوق الدولي، فعدم الشفافية العلمية وخصوصا الصحية يتحمل كلفتها أبناء البلد الذي تحاول فيه السلطة استخدام العلوم وخصوصا الطبية في مشروع نفوذها، وهذا ما يحدث الآن في روسيا ـ بوتين دون الأخذ بعين الاعتبار التكلفة المؤلمة التي سيتحملها الشعب الروسي جرّاء مغامرته.

ردة فعل المجتمعات العلمية العالمية على إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التوصل إلى لقاح مضاد لفيروس كورونا مبررة، فالحذر الطبي مشروع وذلك تخوفا من مضاعفات جانبية قد تصيب من سيستخدم هذا اللقاح قبل استكمال كافة التجارب التي تدرس أضراره الجانبية وتأثيره على صحة الإنسان العامة، فبالنسبة لمراكز البحث الطبي، لم يخضع اللقاح الروسي لرقابة كافية خلال مرحلة التجارب السريرية وهذا ما يجعله غير آمن طبيا.

من جهته، أكد مدير معهد سلامة اللقاحات في جامعة جونز هوبكنز الأميركية، دانييل سالمون أن اللقاح الروسي المضاد لفيروس كورونا الجديد، المسبب لجائحة كورونا "مخيفٌ فعلا"، ووصفه بـ"الخطير"، وأضاف أن روسيا أقدمت على خطوة بالغة الخطورة حينما أعلنت جاهزية اللقاح، لأنها تجاهلت المراحل الثلاث المطلوبة خلال التجارب السريرية.

في أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي أدى تبني الدكتاتور السوفياتي جوزيف ستالين لمخططات ليسينكو التحديثية في مجال الزراعة إلى كارثة غذائية راح ضحيتها أكثر من 7 ملايين فلاح روسي

الاستهزاء العلمي العالمي من قبل المجتمعات الطبية والصحية العالمية بلقاح سبوتنيك 5 الروسي، كان واسعا، لاعتبارهم أنه علاج يعتمد على الوهم، وذلك عبر إعطاء المريض جرعة ليس لها أي تأثير حتى يتوهم أنه بات مخصصا ضد المرض، وقد اعتبرت صحيفة "نيويورك تايمز"، أن العلماء يُبدون هذه الشكوك لأن الأدوية تختلف عن اللقاحات، لأن العقارات تُمنح لأشخاص مرضى، أما اللقاحات فموجهة لأشخاص أصحاء، ولذلك، فهي تستوجب قدرا عاليا من معايير السلامة.

صفعة التشكيك بما اعتبره بوتين إنجازا علميا روسيا جاءت من الداخل، على يد الطبيب الروسي البارز في مجال الجهاز التنفسي البروفيسور ألكسندر تشوتشالين الذي قدم استقالته من لجنة الأخلاقيات الطبية في وزارة الصحة الروسية بسبب ما وصفه بانتهاك أخلاقيات مهنة الطب، رافضا استعجال الإعلان عن لقاح مضاد لكورونا دون إتمام المراحل التجريبية الثلاث.

وتشير بعض التقارير الطبية أن أطباء روس كبار من أبرزهم مدير مركز أبحاث غوماليا لعلوم الأوبئة والأحياء الدقيقة ألكسندر غينسبرغ وكبير عملاء الفيروسات في الجيش الروسي سيرغي بوريسيفيتش يتحملان مسؤولية الإعلان المستعجل عن اللقاح لأسباب سياسية تخضع لمزاج الرئيس الروسي الباحث عن انتصار علمي عالمي يفرض احترام روسيا في مجالات غير سياسية واستراتيجية.

تاريخيا هذه ليست المرة الأولى التي يفرض فيها الكرملين توجهاته السياسية على الخيارات العلمية، فقد عانت الزراعة في عهد ستالين مأساة نتيجة تبني السلطات السوفيتية للأفكار العلمية في المجال الزراعي وعلم الأحياء، حيث العالم الروسي تروفيم ليسنيكو الذي وعد ستالين بزراعة البرتقال في سيبيريا.

ففي أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي أدى تبني الدكتاتور السوفياتي جوزيف ستالين لمخططات ليسينكو التحديثية في مجال الزراعة إلى كارثة غذائية راح ضحيتها أكثر من 7 ملايين فلاح روسي، بعد فشل مشاريعه الزراعية، إلا أن ستالين لم يتخل عنه وعن أفكاره، وكلفه معالجة ما أصاب القطاع الزراعي من كوارث وفقا لما يراه مناسبا لأفكاره العلمية الجديدة التي تناسب ستالين أيديولوجيا.

مرة جديدة في روسيا تتقاطع فيها أفكار علمية سيئة مع سياسيين طامحين يبحثون عن حلول سريعة وسهلة قد تؤدي إلى كوارث بشرية

في هذا الصدد يقول مؤلف كتاب أشباح الجوع جاسبر بيكر "أن ليسينكو روّج للفكرة الماركسية القائلة بأن البيئة وحدها تشكل النباتات والحيوانات، وأنه يمكنك إعادة تشكيلها بشكل لا نهائي تقريبا من خلال وضعها في الأوضاع الصحيحة وتعريضها للمحفزات المناسبة"، وهذا ما كانت القيادة السوفياتية ترغب في سماعه.

لا يختلف بوتين عن ستالين في طبيعتهما الاستبدادية، الأخير لم يعترض على وفاة ملايين الروس نتيجة لمغامرة علمية مرتبطة بعقيدة الدولة، أما الأول الذي لم يعثر حتى الآن على عقيدة يُعرف فيها دولته، لا يترد بتعرض أو بخداع ملايين البشر بعلاج وهمي فقط من أجل تحقيق أسبقية علمية عالمية يحتاجها لتنتشله أو تنتشل سلطته من حالة الركود العالمي الذي تعانيه.

وعليه، مرة جديدة في روسيا تتقاطع فيها أفكار علمية سيئة مع سياسيين طامحين يبحثون عن حلول سريعة وسهلة قد تؤدي إلى كوارث بشرية.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.