لصوت تهشم الزجاج، رنين خاص، حادّ، ومختلف.
أعاد انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس الجاري، بمشاهد لا متناهية للنوافذ المتفجّرة، والواجهات المحطمة، وكنس أطنان من الشظايا المترامية في كل جهات الفضاء البيروتي العام، أعاد فتح ملفات ذاكرتنا الزجاجية، ورواسبها الجارحة المتراكمة، في الأرشيف السمعي والنفسي الجمعي، لبعض شعوب دول الشرق الأوسط، السوري واللبناني بشكل خاص.
أكثر من نصف قرن ونحن نحاول أن نتقي القتل القادم من النوافذ الزجاجية.
نوافذ، نحرص باستمرار على تنظيف بلورها وتلميعه من آثار أنفاسنا، وبخار طبخنا، وهباب آلياتنا، وما تتركه تقلبات المناخ من خطوط طينية لأشكال مبهمة وبدائية، ترسمها أمطار عاصفة كل حين، أو تلطخها بالأحمر أحيانا، ريح خماسينية زائرة، مثقلة بذرات رمل الصحراء وسخونتها.
نوافذ، نحرص على تزيين كعبها ببعض أصص الزرع المنزلي، لتنام وتصحو آمنة ومتاخمة لأمها الطبيعة، وتتغذى بيسر من مصدر الضوء والحرارة، دون أن نسهو عن تجليلها بأجمل ستائر المخمل والدانتيلا، لتستر خصوصياتنا، وتقينا عيون الفضوليين والأشرار في الخارج.
أكثر من نصف قرن ونحن نحاول أن نتقي القتل القادم من النوافذ الزجاجية
كل هذا الدلال والاهتمام والرعاية لهذه الألواح البلورية الرقيقة الشفيفة التي تزين أماكننا، لم تقنا في هذه البلاد، المخاطر المستمرة لاحتماليات قتلنا أو جرحنا بسببها، وكأنها تستوطن عند حواف جدراننا، مثل قنابل موقوتة، لا نعرف متى تحركها "ساعة الغفلة"، وتغرز شظاياها في أجسادنا.
أواخر الستينيات، مع اندلاع حرب 1967، اضطر أهالينا إلى طلي النوافذ الزجاجية باللون النيلي، وهو طلاء فرض رسميا على جميع نوافذ الأبنية السورية كي لا يتسرب منها ضوء خلال الغارات الجوية الإسرائيلية، وأبعدت الأسرّة ومقاعد الجلوس عن محيط النوافذ، التي تحطمت مرات عدة، وأصيب بشظاياها كثر، وفي كل مرة كان يعاد تركيبها، وكانت تطلى من جديد، بحيث يمكن تسميتها بالمرحلة النيلية التي استمرت لسنوات مع حرب الاستنزاف.
في حرب 1973، ومع تجدد الغارات الجوية فوق دمشق، أعادت بعض المنشآت والمؤسسات الرسمية تجديد الطلاء النيلي، فيما اتجه عموم المدنيين إلى إلصاق الشرائط اللاصقة بشكل متصالب فوق ألواح البلور مضاف إليه شكل X ، بحيث يمكن لهذه الخريطة من الشرائط اللاصقة، أن تحمي نسبيا من التشظي العنيف، وتخفف من تطاير شفرات القزاز الحادة.
رغم ذلك، تحطم زجاج كثير في هذه المرحلة التي يمكن تسميتها بالمرحلة اللاصقة، والتي طالت واستمرت تهديداتها بأشكال مختلفة مع مستجدات سياسية وحربية، فتحطم حلم لبنان مع اندلاع الحرب الأهلية 1975، وكان دمارا شاملا لبنية دولة كاملة، أصابت آثار تشظيه أرواح كل جيرانه ومحبيه، ومن بقي متماسكا نسبيا، أكمل الاجتياح الإسرائيلي لبيروت، على الشعرة الواهية التي كان يستند إليها.
ثمن كل لوح زجاجي، كان وما يزال، يطعم أسرة لأشهر، وعليه، استبدل العديد من المتضررين آنذاك زجاج نوافذهم بأطباق النايلون الشفاف، التي كان تثبت بمسامير رقيقة عرفت باسم "بينيس". نايلون، يقي وهميا من بعض البرد والهواء، وينضم تحت اسم المرحلة البلاستيكية إلى شقيقاته اللاصقة والنيلية، مع استمرار تهشم الزجاج إثر كل اختراق إسرائيلي لجدار الصوت، وبدء سلسلة التفجيرات الإرهابية لجماعة الإخوان المسلمين في المدن السورية، ونشوء منظمات إرهابية جديدة على الساحتين السورية واللبنانية.
ثمن كل لوح زجاجي، كان وما يزال، يطعم أسرة لأشهر، وعليه، استبدل العديد من المتضررين آنذاك زجاج نوافذهم بأطباق النايلون الشفاف
حملت سنوات التسعينيات بعض الهدوء النسبي في العاصمتين، وخيل للأهالي أن بعض الأمان قد تحقق، فسارعوا وتخلوا عن النوافذ الخشبية وأباجوراتها الحنونة، بأخرى واسعة من الزجاج المثبت بأطر الألمنيوم ذات السكك الجرارة سهلة التحكم، وتماشوا كشعوب حيّة مع فلسفة العصر الهندسية والمعمارية الحديثة، التي كرست عالميا أهمية توفير الطاقة والضوء عبر الزجاج، إضافة إلى ما تمنحه هذه النوافذ المتسعة من إحساس بالانفتاح واتساع المدى.
وفيما عقدت آمال الاستقرار على الألفية الجديدة، سرعان ما بدا أنها أكثر ثقلا وضراوة، ونسفت منذ مطلع سنواتها الأولى وحتى اليوم، ذاك الأمان المؤقت الواهي، فلم تسلم بيروت من الاغتيالات والتفجيرات الإرهابية كل حين، ولا من اختراق جدار الصوت، ولا من الحروب السريعة الخارجية أو الداخلية، شأنها شأن معظم المدن السورية، التي أعاد سكانها، منذ سنوات عشر، أطباق النايلون، أو الشرائط اللاصقة لزجاج نوافذهم، التي تحطمت مع هياكل بيوتهم فوق رؤوسهم، إما بسبب تبادل القصف، أو التفجيرات الإرهابية، أو استمرار الغارات الجوية، وكأنه قدر لهذه البلاد أن لا تهنئ بلوح بلوري لبضع الوقت، وأن تحصد الخراب، كلما جربت حصاد الضوء.
نحن القزازون الأوائل، لم يشفع لنا اكتشافنا للزجاج على سواحلنا المتوسطية وتصنيعه كإنجاز تاريخي للبشرية، وسنظل مهددين، نبتكر حيلا جديدة تواجه ابتكارات قتلنا، في الشارع، وعبر النوافذ أو الأبواب، مع استمرار عدم الثقة، وغياب الأمان والاستقرار، والسلام.

