A woman stands near broken glass following Tuesday's blast in Beirut's port area, in Beirut, Lebanon August 7, 2020. REUTERS…
سيدة تعمل على إزالة الركام بعد تفجير بيروت، تقف بالقرب من بقايا الزجاج المتكسر

لصوت تهشم الزجاج، رنين خاص، حادّ، ومختلف.

أعاد انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس الجاري، بمشاهد لا متناهية للنوافذ المتفجّرة، والواجهات المحطمة، وكنس أطنان من الشظايا المترامية في كل جهات الفضاء البيروتي العام، أعاد فتح ملفات ذاكرتنا الزجاجية، ورواسبها الجارحة المتراكمة، في الأرشيف السمعي والنفسي الجمعي، لبعض شعوب دول الشرق الأوسط، السوري واللبناني بشكل خاص.

أكثر من نصف قرن ونحن نحاول أن نتقي القتل القادم من النوافذ الزجاجية.

نوافذ، نحرص باستمرار على تنظيف بلورها وتلميعه من آثار أنفاسنا، وبخار طبخنا، وهباب آلياتنا، وما تتركه تقلبات المناخ من خطوط طينية لأشكال مبهمة وبدائية، ترسمها أمطار عاصفة كل حين، أو تلطخها بالأحمر أحيانا، ريح خماسينية زائرة، مثقلة بذرات رمل الصحراء وسخونتها.

نوافذ، نحرص على تزيين كعبها ببعض أصص الزرع المنزلي، لتنام وتصحو آمنة ومتاخمة لأمها الطبيعة، وتتغذى بيسر من مصدر الضوء والحرارة، دون أن نسهو عن تجليلها بأجمل ستائر المخمل والدانتيلا، لتستر خصوصياتنا، وتقينا عيون الفضوليين والأشرار في الخارج.

أكثر من نصف قرن ونحن نحاول أن نتقي القتل القادم من النوافذ الزجاجية

كل هذا الدلال والاهتمام والرعاية لهذه الألواح البلورية الرقيقة الشفيفة التي تزين أماكننا، لم تقنا في هذه البلاد، المخاطر المستمرة لاحتماليات قتلنا أو جرحنا بسببها، وكأنها تستوطن عند حواف جدراننا، مثل قنابل موقوتة، لا نعرف متى تحركها "ساعة الغفلة"، وتغرز شظاياها في أجسادنا.

أواخر الستينيات، مع اندلاع حرب 1967، اضطر أهالينا إلى طلي النوافذ الزجاجية باللون النيلي، وهو طلاء فرض رسميا على جميع نوافذ الأبنية السورية كي لا يتسرب منها ضوء خلال الغارات الجوية الإسرائيلية، وأبعدت الأسرّة ومقاعد الجلوس عن محيط النوافذ، التي تحطمت مرات عدة، وأصيب بشظاياها كثر، وفي كل مرة كان يعاد تركيبها، وكانت تطلى من جديد، بحيث يمكن تسميتها بالمرحلة النيلية التي استمرت لسنوات مع حرب الاستنزاف.

في حرب 1973، ومع تجدد الغارات الجوية فوق دمشق، أعادت بعض المنشآت والمؤسسات الرسمية تجديد الطلاء النيلي، فيما اتجه عموم المدنيين إلى إلصاق الشرائط اللاصقة بشكل متصالب فوق ألواح البلور مضاف إليه شكل X ، بحيث يمكن لهذه الخريطة من الشرائط اللاصقة، أن تحمي نسبيا من التشظي العنيف، وتخفف من تطاير شفرات القزاز الحادة.

رغم ذلك، تحطم زجاج كثير في هذه المرحلة التي يمكن تسميتها بالمرحلة اللاصقة، والتي طالت واستمرت تهديداتها بأشكال مختلفة مع مستجدات سياسية وحربية، فتحطم حلم لبنان مع اندلاع الحرب الأهلية 1975، وكان دمارا شاملا لبنية دولة كاملة، أصابت آثار تشظيه أرواح كل جيرانه ومحبيه، ومن بقي متماسكا نسبيا، أكمل الاجتياح الإسرائيلي لبيروت، على الشعرة الواهية التي كان يستند إليها.

ثمن كل لوح زجاجي، كان وما يزال، يطعم أسرة لأشهر، وعليه، استبدل العديد من المتضررين آنذاك زجاج نوافذهم بأطباق النايلون الشفاف، التي كان تثبت بمسامير رقيقة عرفت باسم "بينيس". نايلون، يقي وهميا من بعض البرد والهواء، وينضم تحت اسم المرحلة البلاستيكية إلى شقيقاته اللاصقة والنيلية، مع استمرار تهشم الزجاج إثر كل اختراق إسرائيلي لجدار الصوت، وبدء سلسلة التفجيرات الإرهابية لجماعة الإخوان المسلمين في المدن السورية، ونشوء منظمات إرهابية جديدة على الساحتين السورية واللبنانية.

ثمن كل لوح زجاجي، كان وما يزال، يطعم أسرة لأشهر، وعليه، استبدل العديد من المتضررين آنذاك زجاج نوافذهم بأطباق النايلون الشفاف

حملت سنوات التسعينيات بعض الهدوء النسبي في العاصمتين، وخيل للأهالي أن بعض الأمان قد تحقق، فسارعوا وتخلوا عن النوافذ الخشبية وأباجوراتها الحنونة، بأخرى واسعة من الزجاج المثبت بأطر الألمنيوم ذات السكك الجرارة سهلة التحكم، وتماشوا كشعوب حيّة مع فلسفة العصر الهندسية والمعمارية الحديثة، التي كرست عالميا أهمية توفير الطاقة والضوء عبر الزجاج، إضافة إلى ما تمنحه هذه النوافذ المتسعة من إحساس بالانفتاح واتساع المدى.

وفيما عقدت آمال الاستقرار على الألفية الجديدة، سرعان ما بدا أنها أكثر ثقلا وضراوة، ونسفت منذ مطلع سنواتها الأولى وحتى اليوم، ذاك الأمان المؤقت الواهي، فلم تسلم بيروت من الاغتيالات والتفجيرات الإرهابية كل حين، ولا من اختراق جدار الصوت، ولا من الحروب السريعة الخارجية أو الداخلية، شأنها شأن معظم المدن السورية، التي أعاد سكانها، منذ سنوات عشر، أطباق النايلون، أو الشرائط اللاصقة لزجاج نوافذهم، التي تحطمت مع هياكل بيوتهم فوق رؤوسهم، إما بسبب تبادل القصف، أو التفجيرات الإرهابية، أو استمرار الغارات الجوية، وكأنه قدر لهذه البلاد أن لا تهنئ بلوح بلوري لبضع الوقت، وأن تحصد الخراب، كلما جربت حصاد الضوء.

نحن القزازون الأوائل، لم يشفع لنا اكتشافنا للزجاج على سواحلنا المتوسطية وتصنيعه كإنجاز تاريخي للبشرية، وسنظل مهددين، نبتكر حيلا جديدة تواجه ابتكارات قتلنا، في الشارع، وعبر النوافذ أو الأبواب، مع استمرار عدم الثقة، وغياب الأمان والاستقرار، والسلام.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.