In this Sept. 30, 2016 photo, teacher Regina Yang leads a bilingual Korean-English language immersion classes at Porter Ranch…
أحد صفوف اللغة الإنكليزية للمهاجرين إلى الولايات المتحدة

التقيت ستان لأول مرة في شتاء 2006 حين ذهبت لتأدية امتحان لتحديد مستوى إلمامي بقواعد اللغة الإنكليزية تمهيدا للانخراط في برنامج محلي لتعليم اللغة للمهاجرين بعد أيام من انتقالي للعيش في مدينة آرلنغتون بولاية فيرجينيا.

بعد انتهائه من تقييم أدائي في الامتحان، أخبرني ستان، واسمه الحقيقي ستانتان وكان يبلغ من العمر حينها ستون عاما تقريبا، بأنني سأكون أحد طلابه كما أعرب عن سعادته لكوني أول طالب من دولة تشاد يلتقيه خلال مسيرته في التدريس التي يفخر بالتقائه خلالها بطلاب ينحدرون من أكثر من 60 دولة.

تعلمت كثيرا من ستان بسبب أسلوبه المتميز في تدريس اللغة الإنكليزية وتقديم الثقافة الأميركية وطريقة تعامله مع الطلاب وتطورت علاقتي به لتتحول إلى صداقة تعرفت فيها عبر السنوات إلى إنسان بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.

خلال العقدين التي عمل فيها مدرسا بعد تقاعده من وظيفته الحكومية كان يوم الإثنين بالنسبة له أجمل أيام الأسبوع وكان التدريس والالتقاء بالطلاب مصدر سعادة كبيرة بالنسبة له. كما حرص ستان في نهاية كل فصل دراسي على دعوة جميع طلابه إلى منزله لتناول الطعام والتعارف والرقص على أنغام الموسيقى.

ستان رجل خفيف الظل لا يتوقف عن تكرار المواقف الطريفة التي مر بها خلال حياته

من أجمل ذكريات ستان، الذي احتفل بعيد ميلاده الثالث والسبعين في شهر يونيو الماضي، خلال مسيرته في التدريس التقرير الذي أعدته صحيفة "واشنطن بوست" مع الطالب فرانسيس أيوب وأفراد عائلته الذين قدموا إلى الولايات المتحدة كلاجئين من السودان لتعريف القراء على عائلة مهاجرة تحتفل بعيد الشكر لأول مرة.

يردد ستان باستمرار قصة حضور معدة التقرير إلى فصله ويتذكر أدق تفاصيل ذلك اللقاء وينسب دائما الفضل لفرانسيس في الظهور الوحيد لاسمه على صحيفة "واشنطن بوست" كما لا يزال يحتفظ بنسخة ورقية للتقرير يحرص على تقديمها للضيوف أثناء سرده لقصة فرانسيس وأسرته.

أحرص على الاتصال بستان من حين لآخر لتفقد أحواله واسترجاع العديد من الذكريات معه وهو أمر يجعله يشعر بالسعادة على الرغم مما يلقاه من صعوبة في التذكر في بعض الأحيان بسبب تقدمه في العمر.

أما أجمل ذكرياتي مع ستان فهي فترة تطوعي لمساعدته في التدريس حيث كان يبدي افتخاره بي أمام الطلاب ويخبرهم بأنني كنت على نفس المقاعد التي يجلسون عليها قبل بضعة أشهر. استفدت كثيرا من تلك التجربة التي حرصت فيها على تشجيع الطلاب على المثابرة وبذل الجهد لتحقيق أحلامهم فقد كان غالبيتهم يسعون إلى تطوير واقعهم المعيشي إلا أن حاجز اللغة كان العائق الأساسي أمامهم لتحقيق طموحاتهم.

ستان رجل خفيف الظل لا يتوقف عن تكرار المواقف الطريفة التي مر بها خلال حياته. إحدى تلك المواقف الطريفة التي مر بها قصة شابين خليجيين كانا يدرسان اللغة الإنكليزية على يديه في أحد المعاهد الشهيرة في منطقة واشنطن الكبرى. كان الطالبان يأتيان متأخرين إلى الفصل في كل صباح وكان عندما يلفت انتباههما إلى ذلك يردان بأنهما يغادران منزلهما كل صباح في الوقت المناسب فيما كان هو يرد عليهما بأن العبرة ليست المغادرة في الوقت المناسب إنما في الحضور في قبل بداية الحصة.

تعلمت كثيرا من ستان بسبب أسلوبه المتميز في تدريس اللغة الإنكليزية وتقديم الثقافة الأميركية وطريقة تعامله مع الطلاب

خلال مشوار صداقتي مع ستان لم أره غاضبا سوى في مناسبتين فقط. أولاهما عندما تم حدث خلاف بينه وبين مدير جديد تم تعيينه لإدارة برنامج تعليم اللغة الإنكليزية وحاول بسبب ذلك الخلاف التخلص من ستان وإنهاء مسيرته التعليمية. أخبرني ستان في تلك الأيام أنه أصبح يرى كوابيس في منامه بسبب ذلك الخلاف والأجواء المشحونة التي نتجت عنه.

أما المناسبة الثانية فكانت حين تم إجباره على تقديم شهادته أمام المحكمة في قضية حضانة طفلة كانت تربطه علاقة صداقة مع أبويها. لم يكن ستان يرغب في أن يكون جزءا في نزاع بين شخصين يكن لكليهما كل الحب والاحترام وعندما أجبره أحد الزوجين على ذلك تألم كثيرا واشتد عليه المرض.

في آخر اتصال لي بستان تأسفت له على نسياني لتاريخ ميلاده الذي كنت أظن بأنه في شهر يوليو لكنه أخبرني بأنه يشترك مع الرئيس دونالد ترامب في تاريخ الميلاد وهو يوم الرابع عشر من يونيو وأن ترامب يكبره بعام واحد فقط. قلت له، لو كنت مكانك لاخترت تاريخ ميلاد مختلف عن ترامب فأجابني بقوله: ولم لا يغير ترامب تاريخ ميلاده؟

هذا هو صديقي الودود ستان الذي أكن له كل الحب والاحترام وأشكر الظروف التي جمعتني به وأتمنى دوام الصحة والعافية مع كلبه مايلو الذي وصفه في آخر اتصال لي معه قبل أيام بأنه حب حياته.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.