التقيت ستان لأول مرة في شتاء 2006 حين ذهبت لتأدية امتحان لتحديد مستوى إلمامي بقواعد اللغة الإنكليزية تمهيدا للانخراط في برنامج محلي لتعليم اللغة للمهاجرين بعد أيام من انتقالي للعيش في مدينة آرلنغتون بولاية فيرجينيا.
بعد انتهائه من تقييم أدائي في الامتحان، أخبرني ستان، واسمه الحقيقي ستانتان وكان يبلغ من العمر حينها ستون عاما تقريبا، بأنني سأكون أحد طلابه كما أعرب عن سعادته لكوني أول طالب من دولة تشاد يلتقيه خلال مسيرته في التدريس التي يفخر بالتقائه خلالها بطلاب ينحدرون من أكثر من 60 دولة.
تعلمت كثيرا من ستان بسبب أسلوبه المتميز في تدريس اللغة الإنكليزية وتقديم الثقافة الأميركية وطريقة تعامله مع الطلاب وتطورت علاقتي به لتتحول إلى صداقة تعرفت فيها عبر السنوات إلى إنسان بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.
خلال العقدين التي عمل فيها مدرسا بعد تقاعده من وظيفته الحكومية كان يوم الإثنين بالنسبة له أجمل أيام الأسبوع وكان التدريس والالتقاء بالطلاب مصدر سعادة كبيرة بالنسبة له. كما حرص ستان في نهاية كل فصل دراسي على دعوة جميع طلابه إلى منزله لتناول الطعام والتعارف والرقص على أنغام الموسيقى.
ستان رجل خفيف الظل لا يتوقف عن تكرار المواقف الطريفة التي مر بها خلال حياته
من أجمل ذكريات ستان، الذي احتفل بعيد ميلاده الثالث والسبعين في شهر يونيو الماضي، خلال مسيرته في التدريس التقرير الذي أعدته صحيفة "واشنطن بوست" مع الطالب فرانسيس أيوب وأفراد عائلته الذين قدموا إلى الولايات المتحدة كلاجئين من السودان لتعريف القراء على عائلة مهاجرة تحتفل بعيد الشكر لأول مرة.
يردد ستان باستمرار قصة حضور معدة التقرير إلى فصله ويتذكر أدق تفاصيل ذلك اللقاء وينسب دائما الفضل لفرانسيس في الظهور الوحيد لاسمه على صحيفة "واشنطن بوست" كما لا يزال يحتفظ بنسخة ورقية للتقرير يحرص على تقديمها للضيوف أثناء سرده لقصة فرانسيس وأسرته.
أحرص على الاتصال بستان من حين لآخر لتفقد أحواله واسترجاع العديد من الذكريات معه وهو أمر يجعله يشعر بالسعادة على الرغم مما يلقاه من صعوبة في التذكر في بعض الأحيان بسبب تقدمه في العمر.
أما أجمل ذكرياتي مع ستان فهي فترة تطوعي لمساعدته في التدريس حيث كان يبدي افتخاره بي أمام الطلاب ويخبرهم بأنني كنت على نفس المقاعد التي يجلسون عليها قبل بضعة أشهر. استفدت كثيرا من تلك التجربة التي حرصت فيها على تشجيع الطلاب على المثابرة وبذل الجهد لتحقيق أحلامهم فقد كان غالبيتهم يسعون إلى تطوير واقعهم المعيشي إلا أن حاجز اللغة كان العائق الأساسي أمامهم لتحقيق طموحاتهم.
ستان رجل خفيف الظل لا يتوقف عن تكرار المواقف الطريفة التي مر بها خلال حياته. إحدى تلك المواقف الطريفة التي مر بها قصة شابين خليجيين كانا يدرسان اللغة الإنكليزية على يديه في أحد المعاهد الشهيرة في منطقة واشنطن الكبرى. كان الطالبان يأتيان متأخرين إلى الفصل في كل صباح وكان عندما يلفت انتباههما إلى ذلك يردان بأنهما يغادران منزلهما كل صباح في الوقت المناسب فيما كان هو يرد عليهما بأن العبرة ليست المغادرة في الوقت المناسب إنما في الحضور في قبل بداية الحصة.
تعلمت كثيرا من ستان بسبب أسلوبه المتميز في تدريس اللغة الإنكليزية وتقديم الثقافة الأميركية وطريقة تعامله مع الطلاب
خلال مشوار صداقتي مع ستان لم أره غاضبا سوى في مناسبتين فقط. أولاهما عندما تم حدث خلاف بينه وبين مدير جديد تم تعيينه لإدارة برنامج تعليم اللغة الإنكليزية وحاول بسبب ذلك الخلاف التخلص من ستان وإنهاء مسيرته التعليمية. أخبرني ستان في تلك الأيام أنه أصبح يرى كوابيس في منامه بسبب ذلك الخلاف والأجواء المشحونة التي نتجت عنه.
أما المناسبة الثانية فكانت حين تم إجباره على تقديم شهادته أمام المحكمة في قضية حضانة طفلة كانت تربطه علاقة صداقة مع أبويها. لم يكن ستان يرغب في أن يكون جزءا في نزاع بين شخصين يكن لكليهما كل الحب والاحترام وعندما أجبره أحد الزوجين على ذلك تألم كثيرا واشتد عليه المرض.
في آخر اتصال لي بستان تأسفت له على نسياني لتاريخ ميلاده الذي كنت أظن بأنه في شهر يوليو لكنه أخبرني بأنه يشترك مع الرئيس دونالد ترامب في تاريخ الميلاد وهو يوم الرابع عشر من يونيو وأن ترامب يكبره بعام واحد فقط. قلت له، لو كنت مكانك لاخترت تاريخ ميلاد مختلف عن ترامب فأجابني بقوله: ولم لا يغير ترامب تاريخ ميلاده؟
هذا هو صديقي الودود ستان الذي أكن له كل الحب والاحترام وأشكر الظروف التي جمعتني به وأتمنى دوام الصحة والعافية مع كلبه مايلو الذي وصفه في آخر اتصال لي معه قبل أيام بأنه حب حياته.

