(COMBO) This combination of pictures created on August 13, 2020, showsa file photo taken on May 28, 2017 of Israeli Prime…
صورة مركبة تجمع بن زايد وتنانياهو

لم يأخذ كثيرون في المنطقة على محمل الجد، "معادلة وقف الضم مقابل التطبيع"، التي أشهرتها أبوظبي في معرض تبريرها للاتفاق الثلاثي الذي حمل اسم "اتفاق أبراهام"، والذي اتفقت بموجبه مع إسرائيل، وبرعاية الإدارة الأميركية، على "تطبيع كامل" للعلاقات بين الدولتين: العبرية والخليجية... 

فمن جهة أولى، لم تُبِد الإمارات منذ سنوات طوال، اهتماما ملحوظا للانخراط في المسألة الفلسطينية وملفات الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وهي من جهة ثانية، تحتفظ بعلاقات مشوبة بالفتور مع السلطة الفلسطينية وبالعداء مع حركة حماس، مما يفقدها الأهلية للقيام بدور الوسيط بين طرفي الصراع، ولأن البيان الثلاثي من جهة ثالثة، لم يقل "وقف" الضم، بل "تعليقه"، فما ورد تلميحا ومختصرا في البيان الثلاثي، جاء تفصيلا في تصريحات بنيامين نتانياهو بعد صدور البيان، وقبل أن يجف حبره: لا تراجع عن وعوده بسط السيادة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من الضفة الغربية، ليتبعه السفير الأميركي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان موضحا: تعليق الضم "مؤقت".

إذا، ما الذي يدفع أبو ظبي لاتخاذ قرار بـ"التطبيع الكامل" للعلاقة مع إسرائيل، وما هي الأسباب والمصالح الحقيقية التي تتوخى الإمارة الخليجية تحقيقها، من وراء "مجازفة" كهذه، أثارت وستثير غضب واستياء قطاعات واسعة من الرأي العام العربي، بمن فيه الإماراتي والخليجي؟ ولماذا تجازف الإمارات بالخروج على "مبادرة السلام العربية"، والتي قامت على "معادلة التطبيع الكامل مقابل الانسحاب الشامل" من الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة عام 1967؟

الأطراف الثلاثة ترى في إيران و"هلالها"، تهديدا مزعزعا للاستقرار الإقليمي، وهي تبدو منزعجة بدرجات متفاوتة من صعود الدور التركي في الإقليم

الحقيقة أن "الاختراق الكبير" على حد وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب للبيان الثلاثي، لم يأت من فراغ، ولا هو خطوة "منبتّة" عن سياق كامل لتطور العلاقات الإماراتية الخليجية، وتحديدا خلال السنوات العشر الفائتة، فالدولتان دشنتا علاقات وثيقة، تحت الطاولة وأحيانا من فوقها، تبادلتا الوفود الاقتصادية والتجارية على المستوى الوزاري، وتعاونتا في ملفات أمنية وسياسية، وطيران الاتحاد الإماراتي، نفذ رحلتين مباشرة بين مطاري أبوظبي وبن غوريون... 

والأهم من هذا وذاك، أن ولي عهد الإمارات كان من بين قلائل من قادة المنطقة، الذين واكبوا ودعموا جهود مستشار الرئيس الأميركي وصهره، جارد كوشنير، في مختلف مراحل إعداد "صفقة القرن" حتى الكشف عنها، والسفير الإماراتي ذائع الصيت في واشنطن، يوسف العتيبة، كان من بين ثلاثة سفراء عرب فقط، شاركوا في مراسم إعلان خطة ترامب "السلام من أجل الازدهار"... 

ومع كل خطوة كانت تخطوها الإمارات صوب إسرائيل، كان البحث عن "غطاء فلسطيني" يحضر من بوابة "المبررات" و"سدّ الذرائع"، من تقديم المساعدات الإنسانية للفلسطينيين لمواجهة كورونا "رغم أنوفهم" ومن مطار بن غوريون، وحتى حكاية "وقف الضم مقابل التطبيع" التي لم تقنع أحدا.

من المقال إلى البيان

لافت للانتباه، كيف جاء "بيان أبراهام الثلاثي" مؤكدا على ما ورد في مقال نادر حمل توقيع السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة وجاء بعنوان "إما الضم أو التطبيع"، ونشرته له صحيفة يديعوت أحرونوت، يومها سرد السفير الإماراتي لسلسلة من المبادرات التي تقدمت بها دولته صوب إسرائيل، وعرض لمجموعة من الحوافز والفرص لتطوير العلاقات الثنائية بين البلدين... أما المبادرات فمنها إدراج "حماس" و"حزب الله" على اللائحة السوداء للمنظمات الإرهابية، ودعوة إسرائيل للمشاركة في معرض "أكسبو" المقام في الإمارات... وأما الحوافز فتتعلق بما يمكن للمستقبل أن يحمله من فرص وإمكانات للتعاون الثنائي، لعل أهمها حث العرب على "التفكير الإيجابي" بإسرائيل وتغيير النظر إليها من "عدو" إلى "فرصة"، وتحويل الإمارات إلى "بوابة" لعبور إسرائيل إلى العالم العربي.

مقال العتيبة، تخطى "التطبيع" في نظرته إلى مستقبل العلاقات الإسرائيلية ـ الإماراتية، إلى "التحالف الاستراتيجي" القائم على وجود "عدو/تهديد مشترك"، بين دولتين تحظيان بأكبر اقتصاديات في المنطقة، وتمتلكان أقوى جيشين، وترتبطان بأوثق العلاقات الاستراتيجية مع واشنطن... لقد عرض العتيبة في مقالته تلك، عناصر وأركان هذا التحالف، قبل أن يعود ويقول في أعقاب إبرام الاتفاق الثلاثي بأن أطراف هذا الاتفاق، سيكون بمقدورها بعد الآن، رسم "أجندة استراتيجية للشرق الأوسط".

ولي عهد الإمارات كان من بين قلائل من قادة المنطقة، الذين واكبوا ودعموا جهود مستشار الرئيس الأميركي كوشنير، في مختلف مراحل إعداد "صفقة القرن" حتى الكشف عنها

من الواضح لجمهور واسع من المراقبين والمحللين، أن الدولة الخليجية الصغيرة بحسابات الجيوبوليتكس والديموغرافيا، والمتطلعة للنهوض بأدوار إقليمية تتخطى حدودها، وتليق بلقبها الجديد "أسبارطة القرن 21"، لم تعد تجد في جثة جامعة الدول العربية الهامدة، ولا في منظومة دول مجلس التعاون الخليجي المُفككة، غطاء وعباءة، قادرتين على احتواء دورها الممتد من اليمن إلى سوريا، ومن القرن الأفريقي إلى دول الساحل والصحراء وشمالي أفريقيا، وأنها في سعيها للحفاظ على هذا الدور ـ وربما توسيعه ـ تبدو بأمس الحاجة لـ"شبكة أمان" إقليمية ودولية، ولحلفاء كبار، قادرين على مساعدتها في تحقيق مراميها، ولعلها وجدت في إسرائيل، ومن خلفها الولايات المتحدة، ما يمكن أن يوفر لها "رافعة" لدورها الإقليمي المثير للجدل، و"شبكة" تحميها من سيناريو "السقوط الحر"، في حال جاءت حسابات البيدر مخالفة لحسابات الحقل.

في هذا السياق يمكن فهم "عرض التحالف الاستراتيجي" المتضمن في مقالة العتيبة المذكورة، وفيه وحده، يمكن إدراك معنى "الأجندة الاستراتيجية للشرق الأوسط" التي تحدث عنها السفير، فالأطراف الثلاثة ترى في إيران و"هلالها"، تهديدا مزعزعا للاستقرار الإقليمي، وهي تبدو منزعجة بدرجات متفاوتة من صعود الدور التركي في الإقليم، لا سيما مع تزايد دعم أنقرة لحركات الإسلام السياسي المسلحة في عدد من دوله، وتمدد نفوذها الإقليمي من شرق المتوسط إلى بحر إيجة وشمال أفريقيا مرورا بالقرن الأفريقي والخليج العربي، وليس انتهاء بشمالي سوريا والعراق.

وعلى الرغم من أن البيان الثلاثي لم يُصرح بقائمة "الأعداء والمهددات" المشتركة التي تواجه أطرافه، إلا أن القارئ الحصيف، لا يفوته إدراك "أن هلال إيران الشيعي" و"قوس تركيا العثماني" الذي يكاد يصبح دائرة مكتملة، يتصدران هذه القائمة، وأن مواجهة هذه الأطراف، هو المحفّز الأكبر لعملية التطبيع بين إسرائيل والإمارات، وصولا إلى صياغة "الحلف الاستراتيجي" المنتظر.

لكن التدقيق في مواقف ومصالح الأطراف الثلاثة، حيال كل من معسكري تركيا وحلفائها وإيران وحلفائها، لا بد يكتشف أن ثمة تفاوتا في النظر إلى هذه التهديدات... النفوذ التركي المتزايد في الإقليم، يثير انزعاج الولايات المتحدة وإسرائيل، بيد أن مواجهته، تتصدر قائمة أولويات الإمارات، لا سيما بعد التهديدات الأخيرة التي أطلقتها تركيا بمحاسبة الإمارات على أدوارها في ليبيا واليمن... وفي حين تحتفظ الإمارات بما هو أكبر وأقوى من "شعرة معاوية" مع إيران والنظام السوري، تنظر الولايات المتحدة، وبالأخص إسرائيل، إلى التهديد الإيراني بوصفه التهديد الأخطر والأكبر لمصالحهما في الإقليم برمته، وهو يرقى إلى مستوى التهديد "الوجودي" بالنسبة لإسرائيل وفقا لتوصيف المستوى الأمني فيها.

وثمة مفارقة في السياسة الخارجية الإماراتية، أعيت المراقبين وأثارت الانقسام فيما بينهم، وهم يسعون في تفكيك "طلاسمها"، إذ كيف يمكن لأبوظبي أن تشرع في تطوير وتنشيط علاقاتها مع كل من طهران ودمشق، في الوقت الذي كانت تذهب فيه بعلاقتها مع إسرائيل إلى ضفاف "التحالف الاستراتيجي"؟

مقال العتيبة، تخطى "التطبيع" في نظرته إلى مستقبل العلاقات الإسرائيلية ـ الإماراتية، إلى "التحالف الاستراتيجي" القائم على وجود "عدو/تهديد مشترك"

فريق من هؤلاء عزا الأمر إلى "دهاء" في السياسة الإماراتية، أمكن لأبوظبي بنتيجته أن تحيّد نفسها عن صواريخ "الحوثي" وطائراته المسيّرة التي ضربت في العمق السعودي، فريق آخر قال، إن الإمارات بانفتاحها على أطراف "محور المقاومة والممانعة" كانت تضمر تحييده، واحتواء ردة فعله مسبقا، حين تقدم على نسج خيوط تحالفها مع إسرائيل ..

فريق ثالث، رأى أن الإمارات استشرفت وجهة السياسة الأميركية واتجاهها حيال طهران بعد انتخابات نوفمبر الرئاسية المقبلة: بايدن سيعود للاتفاق النووي وينتهج مقاربة مختلفة إن تمكن من الفوز، وترامب تعهد بإبرام اتفاق معها في غضون ثلاثين يوما حال إعادة انتخابه، فيما رائحة "صفقة إقليمية" كبرى تعبق في أجواء المنطقة، ويتكاثر الحديث بشأنها على وقع الانفجار الكارثي الذي ألمّ ببيروت، مرفأ ومدينة... أما البعض الرابع، فما زال يحيك روايته المستجدة: تركيا وليست طهران، هو العدو الأول للإمارات، كانت كذلك من قبل، وستظل كذلك من بعد.

دلالة التوقيت

في دلالة توقيت الخطوة ثلاثية الأطراف، يبدو أن كل من ترامب ونتانياهو كانا يستعجلانها، لأسباب تتعلق بحملة ترامب الانتخابية المتعثرة من جهة، وتآكل شعبية نتنياهو لدى الرأي العام الإسرائيلي على خلفية الفشل في إدارة "الجائحة" والمسار القضائي الذي يتهدد مستقبله الشخصي والسياسي من جهة ثانية... 

أما بالنسبة للإمارات، فلم يكن لديها ما يمنع من تلبية حاجة الشريكين الآخرين لاستعجال الخطوة والكشف عنها، وربما الذهاب أبعد من ذلك، إلى حفل توقيع يذكر باحتفال حديقة البيت الأبيض زمن أوسلو، وحفل وادي عربة زمن توقيع المعاهدة الأردنية ـ الإسرائيلية.

وليس بخاف على أحد، أن الرئيس دونالد ترامب، هو المرشح المفضل للإمارات ودول خليجية وعربية أخرى في الانتخابات القادمة، وإذا كانت خطوة من هذا النوع، تساعده على تعزيز فرصه وتعظيمها، فلا بأس من استعجالها، وتوقيتها عشية الانتخابات لتظل "طازجة" في ذاكرة الناخب الأميركي... أما في حال فوز بايدن ـ هاريس في انتخابات نوفمبر، فإن ولي عهد الإمارات سيكون قد قدم "نفسه" للإدارة الديمقراطية الجديدة، بوصفه "بطل سلام" مع إسرائيل، وليس كرجل مغامرات عابرة للحدود، أو كدكتاتور ينتهك حقوق الإنسان، وهي "لعبة" لطالما لجأ إليها قادة عرب ديكتاتوريون وقمعيون في السنوات والعقود الأخيرة... وفي كلتا الحالتين، ستخرج الإمارات رابحة.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.