Demonstrators sit in front of riot police during a protest in Beirut, Lebanon August 11, 2020. REUTERS/Goran Tomasevic
واقع لبنان، وما يحدث في لبنان (قبل الانفجار الكبير وبعده)، هو صورة مكثفة ومحدّدة، وناطقة بأعلى صوت، لما يحدث في أجزاءٍ مكلومة من العالم/ الجسد العربي

قد يبدو عنوان هذا المقال محبطا لكثيرين، وخاصة أولئك المعنيين بالإصلاح الواقعي: المباشر واليومي. العنوان محبط من حيث كونه ـ كما يبدو لأول وهلة ـ يبحث في أمر تَرَفِيّ، محبط من حيث كونه ـ كما يبدو ـ مهموما بمشاكل الأبراج العاجية التي هي ـ في هذا التصوّر "الواقعي" ـ محض مشاكل وَهْميّة، أو حالمة، تشتغل عليها وبها قِلّةٌ مرفّهةٌ تعيش خارج شروط الواقع.

لسان حال المحبطين هنا يقول: كيف نبحث عن الإصلاح في عالم عَقلي، هلامي، غير مرئي، في عالَم نظري؛ بينما نتجاهل الإصلاح المُستحَق المرتبط بواقع حي: بواقع الناس الأليم، واقع الناس في العالم العربي، أو في الشرق الأوسط على سبيل التخصيص والتعميم في آن؟!

منطق هؤلاء يقول بكل وضوح: كيف نبحث عن "إصلاح العقل العربي"، أو ما يمكن أن نطلق عليه "نظام الوعي العربي"؛ بينما المفترض ـ من وحي الواقع المشاهد، ومن إلزامات شروط الممارسة "العملية" ـ أن نبحث عن "إصلاح الواقع العربي"؟ لماذا نهرب من معاينة المُشاهَد المحسوس الذي يسد الأفق على أبصارنا كوارثَ طاحنة، ورزايا لازمة، وفوضى عارمة، وتقلّبات هوجاء على إيقاع النزوات العارضة، ونعمد إلى معاينة عالم مثالي/ غير واقعي (نظام العقل)، يحتاج الاشتغال عليه لمقاربات علمية/ ثقافية نوعيّة قد لا تتوفر لكثيرين ـ إنتاجا واستهلاكا ـ، كما يحتاج لنفس طويل/ جُهْد طويل، وأيضا، لصبر/ انتظار طويل؟

عندما بدأت انتفاضات "الربيع العربي" أواخر عام 2010 وبدايات عام 2011 كانت أصوات الأغلبية الساحقة من المفكرين والمثقفين العرب متفائلة جدا بما يحدث لـ"الوعي العربي"؛ على اعتبار أن الشعارات المعلنة للحراك الربيعي تُعبّر عن حقيقة الوعي الكامن، وعلى اعتبار أنها شعارات تتمحور حول مبادئ مركزية لإنسان العصر الحديث: الحرية والديمقراطية وسيادة القانون...إلخ مبادئ/ شعارات الحراك الجماهيري آنذاك. وقد بلغ التفاؤل بكثير من هؤلاء المثقفين درجة الاندهاش؛ فخرجوا معلنين أن الشعوب/ الجماهير (وبين المصطلحين فرق!) سبقتهم وَعْيا، وتجاوزت أحلامهم واقعا، وأن شباب اليوم بات يصنع واقعه بما يتجاوز تنظيرات رواد التنوير العربي...إلخ الكلام الجميل.

الوعي الذي يشتغل بواسطته الواقع الاجتماعي والسياسي العربي وعي موروث عن أسلافنا منذ القرون الأولى

لم أكن على الضد من جملة المبادئ/ الشعارات المعلنة لذلك الحراك الجماهيري، بل على العكس، كانت ـ من حيث المبدأ ـ قطعيات تنويرية حداثية، هي معقد الآمال. ولكنني ـ في الوقت نفسه ـ كنت على الضد من التفاؤل بمآلات ذلك الحراك (الذي وصفته في مقالات كثيرة بـ"انتفاضات غضب"؛ رافضا إطلاق صفة "الثورة" عليه). كنت أعلم أن المبادئ المعلنة تستحق أغلى التضحيات، ولكني كنت أرى "فوضى العقل" هي التي تحكم الحراك حقيقة، وأن الجماهير لا تعرف ـ حقيقة ـ ماذا تريد.

كنت ـ من خلال معاينتي الواقعية المباشرة للواقع المصري ـ أرى أن المبادئ والشعارات في وادٍ حالِم، بينما الهموم والدوافع الحقيقية في وادٍ آخر. كنت أرى الحرية والديمقراطية يُشَاد بها كمبادئ/ كشعارات معلنة في الفضاء العام، بينما كل تفاصيل السلوك العيني المباشر (بما فيه السلوك القولي)، وهي التفاصيل الكاشفة عن "نظام الوعي"، تقف على الضد تماما من مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

طبعا، لا أقصد أن الجميع، وعلى وجه الإجمال، كانوا كذلك، ولكن الأغلبية الساحقة التي يعكس سلوكها الجمعي "نظام الوعي" كانت كذلك. وهذا ما أثبتته الأحداث، ليس في منتهاها، وإنما حتى في البدايات الأولى. وأكبر دليل على ذلك أن التيارات الأصولية المتطرفة التي تَكْفر بالحرية وبالديمقراطية وبحقوق الإنسان، بل وتكفّر ـ صراحة أو ضمنا ـ المؤمنين بها، بل وتعدّها "مبادئ جاهلية"، هي ذاتها التيارات التي حصلت على نصيب الأسد من أصوات "الشعب الثائر" لأجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان!

لم يكن في الأمر خُدعة ولا تلبيس. لم يخدع الإسلاميون (من سلفيين وإخوان) جماهيرَ الشعب المصري. كانت قناعاتهم التاريخية ذات المنحى العقائدي معلنة، بل ويجري التأكيد عليها باستمرار. السلفيون كانوا أكثر صراحة، محاضراتهم وكتبهم كانت تنص على أن الديمقراطية كفر أكبر، وأن "قتل المرتد" واجب، وأن مكان المرأة البيت، ولا يحق لها الانتخاب ولا الترشّح للمناصب العامة...إلخ المقولات المضادة تماما لمبادئ/ شعارات الحراك الربيعي الديمقراطي؛ كما كان يقال. ومع كل هذا الوضوح، حصل السلفيون وحدهم في الانتخابات البرلمانية على 25 في المئة الأصوات، بينما لم تحصل كل الأحزاب المدنية/ الليبرالية مجتمعة على مثل هذا (بينما كان نصيب الإخوان وحدهم 50 في المئة، وبالتالي يصبح 75 في المئة يؤيدون تيارات عقائدية تؤمن إيمانا جازما بكل ما يضاد شعارات الحراك الربيعي).

حتى تلك النسبة الباقية: 25 في المئة أي النسبة التي لم تكن سلفية ولا إخوانية، فقد كانت ـ في أغلبيتها الساحقة ـ مضادة عمليا لشعارات الحراك الربيعي، من حيث هي ذات علائق مصلحية متنوعة بالنظام السابق الذي يُفترض ـ أن الحراك الربيعي قام لتغييره، ولإحلال نظام مضاد (نظام حرياتي، ديمقراطي، حقوقي) محله، بالكامل؛ من ألف الرئيس والوزير إلى ياء الغفير والأجير.

آنذاك اتهمني كثيرون بالتشاؤم؛ ولم أكن متشائما؛ بقدر ما كنت واقعيا بأقصى درجات الواقعية (وأقصاها أن ترى الواقع من خلال التصورات الذهنية التي تحرّك هذا الواقع). كنت آنذاك، ومن خلال مقاربتي للمشهد عن قرب، ألح على سؤال مبدئ واحد، وهو: هل يمكن "إصلاح الواقع العربي" دون "إصلاح العقل العربي" الذي أنتج هذا الواقع؟ هل يمكن تغيير المؤسسات وأنظمتها التشغيلية دون تغيير نظام العقل الذي يفترض فيه الإشراف على بناء هذه المؤسسات واجتراح أنظمتها والقيام على تشغيلها في سياق تفاعل اجتماعي متناغم ـ ولو في الحد الأدنى ـ مع هذا الاشتغال المؤسساتي؟

كان هذا قبل عشر سنوات. واليوم لم يتغير واقع الحال، ولا واقع الوعي. ما يجري في العراق ولبنان وسوريا وليبيا...إلخ ليس إلا "نظام الوعي العربي" مكشوفا/ مُعْلِنا عن نفسه. في الشرق الأوسط/ العالم العربي ليس ثمة جديد. ليس غريبا ما حدث ويحدث؛ رغم كارثيته، رغم آلامه القاسية، وإنما الغريب ألا يحدث ما حدث؛ فيما لو لم يحدث. واقع لبنان، وما يحدث في لبنان (قبل الانفجار الكبير وبعده)، هو صورة مكثفة ومحدّدة، وناطقة بأعلى صوت، لما يحدث في أجزاءٍ مكلومة من العالم/ الجسد العربي، ولما يمكن أن يحدث في الأجزاء الأخرى، وأحيانا لما يحدث على نحو صامت.

عندما حلّل المفكر العربي الكبير/ محمد عابد الجابري "العقل السياسي العربي" ورأى أنه عقل يتمحور حول ثلاث قيم: "العقيدة"، و"الغنيمة"، و"القبيلة"، لم يكن بعيدا عن الصواب، وإن لم يُحِط بالصواب من أقطاره هنا. ومن قبل، عندما ألح المؤرخ الكبير/ ابن خلدون على "العصبية" ودورها في الحياة السياسية العربية، وتتابع حلقاتها التفاعلية وصولا إلى "عقدة الغلبة" بحيث يريد العربي، كل عربي، أن يكون هو الأول، ولا يسلم بهذا لأحد ولو لأقرب الأقربين؛ إلا بقوة قاهرة/ غالبة، لم يبتعد عن الصواب أيضا، بل كشف عن أحد أهم مكونات "نظام الوعي العربي" الذي لا يزال يشتغل كما كان ـ وبكامل جاهزيته ـ إلى اليوم.

ليست مفارقة أن يكون لبنان، أعرق بلاد العرب في الحضارة، هو الكاشف الأكبر عن طبيعة "نظام العقل العربي"، فالإنسان هو هوية المكان في نهاية المطاف. لو تأملت مأساة الواقع السياسي اللبناني لظهرت لك "العقيدة" و"القبيلة" و"الغنيمة"، و"العصبية الزعامتية" (العصبية التي تتغيا الاستفراد بالزعامة لذات الفرد أو للطائفة أو للتيار أو للحزب، والتي تُنْتج بالضرورة: غياب التشارك/ غياب التسالم عن قناعة)، كأظهر ما تكون.

الإصلاح الحقيقي هو في إصلاح "الماكينة" التي تقذف بملايين المنتجات المعطوبة وفق نظامها المعطوب الذي تبرمجت عليه

قد لا تجد القبيلة في لبنان ظاهرة كما هي بعض الأقطار العربية الأخرى، ولكنها موجودة ـ كبُنْية اجتماعية، وبذات الوظائف ـ على أكمل وجه، وما التأطير الطائفي المنغلق على ذاته إلا قبيلة تنغلق على أنسابها. وكذلك الأمر في بقية القيم المذكورة، وهي ـ من حيث كونها قيم ناظمة ـ تقف ضد كل الحلول، وأكثر من ذلك، هي التي تخلق الأزمات وتؤبدها باستمرار، فلولا "العقائد الراسخة" بأكثر مما يستطيع الواقع احتماله، ولولا "التحزبات القبلية/ الطائفية"، ولولا "الغنائم" المرتبطة بكل هذا، والتي يتعذّر التضحية بها حاضرا ومستقبلا (إذ يطمح كثيرون إلى توريثها)، ولولا "العصبية الزعامتية" الموروثة عن أسلافنا (وقديما قالت العرب في أمثالها السائرة: يا حبّذا الإمارة ولو على الحجارة)... أقول: لولا كل ذلك، أو: لو تراجع كل ذلك إلى حدوده الدنيا/ الحدود المعقولة؛ لرأيت الأزمات المزمنة تتحلل حتى تضمحل أو تكاد، ولرأيت إمكانية حقيقية لاشتغالٍ خلاّق على واقع مَرِنٍ لا ينغرس في عمق التاريخ، ومن ثَمَّ؛ لرأيت الأمل يحدو إرادة الطامحين إلى غد أفضل في هذا البلد العربي أو ذاك.

إن الوعي الذي يشتغل بواسطته الواقع الاجتماعي والسياسي العربي وعي موروث عن أسلافنا منذ القرون الأولى، وهو مترسخ بعمق الامتداد الثقافي: الشفاهي والكتابي. والأفعال الابتدائية، أو التي يُظَن أنها كذلك، والتفاعلات الحيّة، والمسلكيات العملية المباشرة، ليست إلا نتاجَ وعي مُضمرٍ يتكشّف من خلال هذه الممارسات الواقعية. فالإنسان لا يصدر في فعله عن فوضى/ عن فراغ، بل بالضرورة عن تصوّر ما، حتى لو كان عن تصوّر فوضوي، إذ للفوضى ذاتها معقوليتها في النهاية، والتي قد تكون انعكاس ـ بشكل ما ـ لفوضى في نظام الوعي.

لهذا، ما لم نَعْمَد إلى "إصلاح نظام الوعي/ إصلاح العقل العربي"، فسنبقى نُعِيدُ ونُبْدِئ في مُخْرَجات هذا الوعي، سنبقى نحاول إصلاح كل مُنتَج على حِدَة (أو حتى نكتفي بلعن كل منتج)، بينما الإصلاح الحقيقي هو في إصلاح "الماكينة" التي تقذف بملايين المنتجات المعطوبة وفق نظامها المعطوب الذي تبرمجت عليه. والأفراد مهما ظهر أنهم فاعلون مؤثرون هم ـ في التحليل الأعمق ـ من نتاج الوعي الكلي/ العام. وحتى من يحاول الانعتاق منه، وينفرد بفعل خلاّق، سيجد نفسه بالضرورة فاعلا في مجتمع من نتاج الوعي الذي انعتق ـ أو توهم أنه انعتق ـ منه. ما يعني في النهاية أن إصلاح الواقع العربي يبدأ ـ وعلى نحو حاسم ـ بإصلاح العقل العربي.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.