Demonstrators sit in front of riot police during a protest in Beirut, Lebanon August 11, 2020. REUTERS/Goran Tomasevic
واقع لبنان، وما يحدث في لبنان (قبل الانفجار الكبير وبعده)، هو صورة مكثفة ومحدّدة، وناطقة بأعلى صوت، لما يحدث في أجزاءٍ مكلومة من العالم/ الجسد العربي

قد يبدو عنوان هذا المقال محبطا لكثيرين، وخاصة أولئك المعنيين بالإصلاح الواقعي: المباشر واليومي. العنوان محبط من حيث كونه ـ كما يبدو لأول وهلة ـ يبحث في أمر تَرَفِيّ، محبط من حيث كونه ـ كما يبدو ـ مهموما بمشاكل الأبراج العاجية التي هي ـ في هذا التصوّر "الواقعي" ـ محض مشاكل وَهْميّة، أو حالمة، تشتغل عليها وبها قِلّةٌ مرفّهةٌ تعيش خارج شروط الواقع.

لسان حال المحبطين هنا يقول: كيف نبحث عن الإصلاح في عالم عَقلي، هلامي، غير مرئي، في عالَم نظري؛ بينما نتجاهل الإصلاح المُستحَق المرتبط بواقع حي: بواقع الناس الأليم، واقع الناس في العالم العربي، أو في الشرق الأوسط على سبيل التخصيص والتعميم في آن؟!

منطق هؤلاء يقول بكل وضوح: كيف نبحث عن "إصلاح العقل العربي"، أو ما يمكن أن نطلق عليه "نظام الوعي العربي"؛ بينما المفترض ـ من وحي الواقع المشاهد، ومن إلزامات شروط الممارسة "العملية" ـ أن نبحث عن "إصلاح الواقع العربي"؟ لماذا نهرب من معاينة المُشاهَد المحسوس الذي يسد الأفق على أبصارنا كوارثَ طاحنة، ورزايا لازمة، وفوضى عارمة، وتقلّبات هوجاء على إيقاع النزوات العارضة، ونعمد إلى معاينة عالم مثالي/ غير واقعي (نظام العقل)، يحتاج الاشتغال عليه لمقاربات علمية/ ثقافية نوعيّة قد لا تتوفر لكثيرين ـ إنتاجا واستهلاكا ـ، كما يحتاج لنفس طويل/ جُهْد طويل، وأيضا، لصبر/ انتظار طويل؟

عندما بدأت انتفاضات "الربيع العربي" أواخر عام 2010 وبدايات عام 2011 كانت أصوات الأغلبية الساحقة من المفكرين والمثقفين العرب متفائلة جدا بما يحدث لـ"الوعي العربي"؛ على اعتبار أن الشعارات المعلنة للحراك الربيعي تُعبّر عن حقيقة الوعي الكامن، وعلى اعتبار أنها شعارات تتمحور حول مبادئ مركزية لإنسان العصر الحديث: الحرية والديمقراطية وسيادة القانون...إلخ مبادئ/ شعارات الحراك الجماهيري آنذاك. وقد بلغ التفاؤل بكثير من هؤلاء المثقفين درجة الاندهاش؛ فخرجوا معلنين أن الشعوب/ الجماهير (وبين المصطلحين فرق!) سبقتهم وَعْيا، وتجاوزت أحلامهم واقعا، وأن شباب اليوم بات يصنع واقعه بما يتجاوز تنظيرات رواد التنوير العربي...إلخ الكلام الجميل.

الوعي الذي يشتغل بواسطته الواقع الاجتماعي والسياسي العربي وعي موروث عن أسلافنا منذ القرون الأولى

لم أكن على الضد من جملة المبادئ/ الشعارات المعلنة لذلك الحراك الجماهيري، بل على العكس، كانت ـ من حيث المبدأ ـ قطعيات تنويرية حداثية، هي معقد الآمال. ولكنني ـ في الوقت نفسه ـ كنت على الضد من التفاؤل بمآلات ذلك الحراك (الذي وصفته في مقالات كثيرة بـ"انتفاضات غضب"؛ رافضا إطلاق صفة "الثورة" عليه). كنت أعلم أن المبادئ المعلنة تستحق أغلى التضحيات، ولكني كنت أرى "فوضى العقل" هي التي تحكم الحراك حقيقة، وأن الجماهير لا تعرف ـ حقيقة ـ ماذا تريد.

كنت ـ من خلال معاينتي الواقعية المباشرة للواقع المصري ـ أرى أن المبادئ والشعارات في وادٍ حالِم، بينما الهموم والدوافع الحقيقية في وادٍ آخر. كنت أرى الحرية والديمقراطية يُشَاد بها كمبادئ/ كشعارات معلنة في الفضاء العام، بينما كل تفاصيل السلوك العيني المباشر (بما فيه السلوك القولي)، وهي التفاصيل الكاشفة عن "نظام الوعي"، تقف على الضد تماما من مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

طبعا، لا أقصد أن الجميع، وعلى وجه الإجمال، كانوا كذلك، ولكن الأغلبية الساحقة التي يعكس سلوكها الجمعي "نظام الوعي" كانت كذلك. وهذا ما أثبتته الأحداث، ليس في منتهاها، وإنما حتى في البدايات الأولى. وأكبر دليل على ذلك أن التيارات الأصولية المتطرفة التي تَكْفر بالحرية وبالديمقراطية وبحقوق الإنسان، بل وتكفّر ـ صراحة أو ضمنا ـ المؤمنين بها، بل وتعدّها "مبادئ جاهلية"، هي ذاتها التيارات التي حصلت على نصيب الأسد من أصوات "الشعب الثائر" لأجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان!

لم يكن في الأمر خُدعة ولا تلبيس. لم يخدع الإسلاميون (من سلفيين وإخوان) جماهيرَ الشعب المصري. كانت قناعاتهم التاريخية ذات المنحى العقائدي معلنة، بل ويجري التأكيد عليها باستمرار. السلفيون كانوا أكثر صراحة، محاضراتهم وكتبهم كانت تنص على أن الديمقراطية كفر أكبر، وأن "قتل المرتد" واجب، وأن مكان المرأة البيت، ولا يحق لها الانتخاب ولا الترشّح للمناصب العامة...إلخ المقولات المضادة تماما لمبادئ/ شعارات الحراك الربيعي الديمقراطي؛ كما كان يقال. ومع كل هذا الوضوح، حصل السلفيون وحدهم في الانتخابات البرلمانية على 25 في المئة الأصوات، بينما لم تحصل كل الأحزاب المدنية/ الليبرالية مجتمعة على مثل هذا (بينما كان نصيب الإخوان وحدهم 50 في المئة، وبالتالي يصبح 75 في المئة يؤيدون تيارات عقائدية تؤمن إيمانا جازما بكل ما يضاد شعارات الحراك الربيعي).

حتى تلك النسبة الباقية: 25 في المئة أي النسبة التي لم تكن سلفية ولا إخوانية، فقد كانت ـ في أغلبيتها الساحقة ـ مضادة عمليا لشعارات الحراك الربيعي، من حيث هي ذات علائق مصلحية متنوعة بالنظام السابق الذي يُفترض ـ أن الحراك الربيعي قام لتغييره، ولإحلال نظام مضاد (نظام حرياتي، ديمقراطي، حقوقي) محله، بالكامل؛ من ألف الرئيس والوزير إلى ياء الغفير والأجير.

آنذاك اتهمني كثيرون بالتشاؤم؛ ولم أكن متشائما؛ بقدر ما كنت واقعيا بأقصى درجات الواقعية (وأقصاها أن ترى الواقع من خلال التصورات الذهنية التي تحرّك هذا الواقع). كنت آنذاك، ومن خلال مقاربتي للمشهد عن قرب، ألح على سؤال مبدئ واحد، وهو: هل يمكن "إصلاح الواقع العربي" دون "إصلاح العقل العربي" الذي أنتج هذا الواقع؟ هل يمكن تغيير المؤسسات وأنظمتها التشغيلية دون تغيير نظام العقل الذي يفترض فيه الإشراف على بناء هذه المؤسسات واجتراح أنظمتها والقيام على تشغيلها في سياق تفاعل اجتماعي متناغم ـ ولو في الحد الأدنى ـ مع هذا الاشتغال المؤسساتي؟

كان هذا قبل عشر سنوات. واليوم لم يتغير واقع الحال، ولا واقع الوعي. ما يجري في العراق ولبنان وسوريا وليبيا...إلخ ليس إلا "نظام الوعي العربي" مكشوفا/ مُعْلِنا عن نفسه. في الشرق الأوسط/ العالم العربي ليس ثمة جديد. ليس غريبا ما حدث ويحدث؛ رغم كارثيته، رغم آلامه القاسية، وإنما الغريب ألا يحدث ما حدث؛ فيما لو لم يحدث. واقع لبنان، وما يحدث في لبنان (قبل الانفجار الكبير وبعده)، هو صورة مكثفة ومحدّدة، وناطقة بأعلى صوت، لما يحدث في أجزاءٍ مكلومة من العالم/ الجسد العربي، ولما يمكن أن يحدث في الأجزاء الأخرى، وأحيانا لما يحدث على نحو صامت.

عندما حلّل المفكر العربي الكبير/ محمد عابد الجابري "العقل السياسي العربي" ورأى أنه عقل يتمحور حول ثلاث قيم: "العقيدة"، و"الغنيمة"، و"القبيلة"، لم يكن بعيدا عن الصواب، وإن لم يُحِط بالصواب من أقطاره هنا. ومن قبل، عندما ألح المؤرخ الكبير/ ابن خلدون على "العصبية" ودورها في الحياة السياسية العربية، وتتابع حلقاتها التفاعلية وصولا إلى "عقدة الغلبة" بحيث يريد العربي، كل عربي، أن يكون هو الأول، ولا يسلم بهذا لأحد ولو لأقرب الأقربين؛ إلا بقوة قاهرة/ غالبة، لم يبتعد عن الصواب أيضا، بل كشف عن أحد أهم مكونات "نظام الوعي العربي" الذي لا يزال يشتغل كما كان ـ وبكامل جاهزيته ـ إلى اليوم.

ليست مفارقة أن يكون لبنان، أعرق بلاد العرب في الحضارة، هو الكاشف الأكبر عن طبيعة "نظام العقل العربي"، فالإنسان هو هوية المكان في نهاية المطاف. لو تأملت مأساة الواقع السياسي اللبناني لظهرت لك "العقيدة" و"القبيلة" و"الغنيمة"، و"العصبية الزعامتية" (العصبية التي تتغيا الاستفراد بالزعامة لذات الفرد أو للطائفة أو للتيار أو للحزب، والتي تُنْتج بالضرورة: غياب التشارك/ غياب التسالم عن قناعة)، كأظهر ما تكون.

الإصلاح الحقيقي هو في إصلاح "الماكينة" التي تقذف بملايين المنتجات المعطوبة وفق نظامها المعطوب الذي تبرمجت عليه

قد لا تجد القبيلة في لبنان ظاهرة كما هي بعض الأقطار العربية الأخرى، ولكنها موجودة ـ كبُنْية اجتماعية، وبذات الوظائف ـ على أكمل وجه، وما التأطير الطائفي المنغلق على ذاته إلا قبيلة تنغلق على أنسابها. وكذلك الأمر في بقية القيم المذكورة، وهي ـ من حيث كونها قيم ناظمة ـ تقف ضد كل الحلول، وأكثر من ذلك، هي التي تخلق الأزمات وتؤبدها باستمرار، فلولا "العقائد الراسخة" بأكثر مما يستطيع الواقع احتماله، ولولا "التحزبات القبلية/ الطائفية"، ولولا "الغنائم" المرتبطة بكل هذا، والتي يتعذّر التضحية بها حاضرا ومستقبلا (إذ يطمح كثيرون إلى توريثها)، ولولا "العصبية الزعامتية" الموروثة عن أسلافنا (وقديما قالت العرب في أمثالها السائرة: يا حبّذا الإمارة ولو على الحجارة)... أقول: لولا كل ذلك، أو: لو تراجع كل ذلك إلى حدوده الدنيا/ الحدود المعقولة؛ لرأيت الأزمات المزمنة تتحلل حتى تضمحل أو تكاد، ولرأيت إمكانية حقيقية لاشتغالٍ خلاّق على واقع مَرِنٍ لا ينغرس في عمق التاريخ، ومن ثَمَّ؛ لرأيت الأمل يحدو إرادة الطامحين إلى غد أفضل في هذا البلد العربي أو ذاك.

إن الوعي الذي يشتغل بواسطته الواقع الاجتماعي والسياسي العربي وعي موروث عن أسلافنا منذ القرون الأولى، وهو مترسخ بعمق الامتداد الثقافي: الشفاهي والكتابي. والأفعال الابتدائية، أو التي يُظَن أنها كذلك، والتفاعلات الحيّة، والمسلكيات العملية المباشرة، ليست إلا نتاجَ وعي مُضمرٍ يتكشّف من خلال هذه الممارسات الواقعية. فالإنسان لا يصدر في فعله عن فوضى/ عن فراغ، بل بالضرورة عن تصوّر ما، حتى لو كان عن تصوّر فوضوي، إذ للفوضى ذاتها معقوليتها في النهاية، والتي قد تكون انعكاس ـ بشكل ما ـ لفوضى في نظام الوعي.

لهذا، ما لم نَعْمَد إلى "إصلاح نظام الوعي/ إصلاح العقل العربي"، فسنبقى نُعِيدُ ونُبْدِئ في مُخْرَجات هذا الوعي، سنبقى نحاول إصلاح كل مُنتَج على حِدَة (أو حتى نكتفي بلعن كل منتج)، بينما الإصلاح الحقيقي هو في إصلاح "الماكينة" التي تقذف بملايين المنتجات المعطوبة وفق نظامها المعطوب الذي تبرمجت عليه. والأفراد مهما ظهر أنهم فاعلون مؤثرون هم ـ في التحليل الأعمق ـ من نتاج الوعي الكلي/ العام. وحتى من يحاول الانعتاق منه، وينفرد بفعل خلاّق، سيجد نفسه بالضرورة فاعلا في مجتمع من نتاج الوعي الذي انعتق ـ أو توهم أنه انعتق ـ منه. ما يعني في النهاية أن إصلاح الواقع العربي يبدأ ـ وعلى نحو حاسم ـ بإصلاح العقل العربي.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.