مجموع ردود الفعل الفلسطينية على الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي الأخير كانت مزيجا غريبا من العنف اللفظي مع شحنة ابتزاز عاطفية. إذ اعتبرته الرئاسة الفلسطينية "خيانة للقدس"، ودعت إلى اجتماع طارئ لجامعة الدول العربية، لأنها اعتبرت التوافق الإماراتي الإسرائيلي عدوانا على الشعب الفلسطيني. حركة "حماس"، الحزب السلطوي النظير لحركة فتح والرئاسة الفلسطينية، دانت الاتفاق وعبرت عن أقصى درجات رفضه، معتبرة بأنه يشجع على ارتكاب المزيد من المجازر! وعلى خطى هذين التيارين السياسيين الفلسطينيين الرئيسيين، كانت باقي ردود فعل القوى السياسية والمدنية والدينية الفلسطينية.
المفارقة المفجعة، أن كل أشكال الصدمة والخديعة والخسران التي عبرت عنها القوى السياسية الفلسطينية، لم تدفعها لأن تخلق مساحة مشتركة للتضامن فيما بينها هي، التي تعتبر نفسها متعرضة لمؤامرة ما! سياسيا وأمنيا واقتصاديا لم يحدث أي شيء من ذلك، ولو بالحد الأدنى، بل استمر الشقاق الفلسطيني السياسي على حاله تماما، بين قوى مليشياوية قروسيطة تحكم قطاع غزة، وأمراء الفساد الذين يحكمون الضفة الغربية، وعلى جنبات الطرفين تنظيمات الشاعرية القومية والنضالية المقرعة، في عواصم "دول الممانعة".
في نفس هذا الوقت، لم تسأل القوى السياسية الفلسطينية نفسها سؤالا عمليا ومركزيا معاكسا: لكن ماذا لو لم توقع دولة الإمارات اتفاقا لفتح علاقات عادية مع إسرائيل! هل كان سيتغير شيئا من واقع وتوزان ومسار وشكل العلاقات الفلسطينية الداخلية، أو تلك التي مع إسرائيل؟! وكيف يمكن للفلسطينيين وقضيتهم أن يستفيدوا من مثل هذا الاتفاق، بأي شكل كان؟
لا تسأل "حماس" نفسها سؤال العدالة والديمقراطية الذي تطلبه من الآخرين، بل غالبا تميل لأن تطالب أكراد تركيا بأن يتناسوا ويغضوا النظر عن قضيتهم الوجودية
ردة الفعل الفلسطينية هي جزء تقليدي من سلوك سياسي عمومي، اتخذته الحركات السياسية الفلسطينية منذ خمسينيات القرن المنصرم، يمزج روح الوصاية الأبوية تجاه الدول والمجتمعات المحيطة بهم، مع الكثير من نزق الطفل الذي يمكن له أن يحرد تماما، فيما لو لم يكن كل شيء حسب مزاجه. في نفس الوقت الذي ليس لأحد أن يكون يسائل لهذا الأب، أو يستغرب من سلوك ذلك الطفل النزق.
باختصار، يطالب الفلسطينيون من أقرانهم أن يكونوا على التزام أخلاقي وسياسي واقتصادي واستراتيجي مطلق بالمطالب والحقوق والتطلعات الفلسطينية، وأن تكون الحالة والمصالح الفلسطينية ذات أولوية حتى على مصالح وحساسيات وحسابات هؤلاء الأقران. في نفس الوقت الذي تكون فيه القوى الفلسطينية ذات خيارات وحسابات وسلوكيات مفتوحة وهوائية، دون أية ملاحظة أو مطالبة أو التزام. وإن لم يحدث ذلك، ومن قِبل جميع "الأشقاء"، فللفلسطينيين أن يرفعوا رايات "يا وحدنا" و"ظلم ذوي القُربى" و"حكاية الأخوة الأعداء" و"طعنونا في الظهر".
♦♦♦
منذ ثلاثة أرباع قرن، تطالب القوى السياسية الفلسطينية مختلف القوى السياسية والثقافية والاجتماعية في المنطقة التزاما أخلاقيا بالمسألة الفلسطينية، باعتبارها جوهرا مسألة شعب يطالب بحقوقه العادلة. وتفرز مختلف المتفاعلين في المنطقة على ذلك الأساس من الالتزام من عدمه، وحسب مقاييسها الذاتية.
كان ذلك يحدث، في وقت كانت الحركات السياسية الفلسطينية مستعدة، ودون مسائلة سياسية أو أخلاقية، للدخول في أعتى ومختلف أشكال "الخطايا الأخلاقية". إن عبر أشكال العنف الأرعن والمطلق بحق المدنيين، مثل الذي مارسته حركة "فتح" وباقي التنظيمات في الحروب الأهلية الأردنية واللبنانية، أو عبر ممارسات "حماس" بحق المدنيين الإسرائيليين، أو عبر تحالف مريع لتنظيماتهم السياسية مع أفظع الأنظمة السياسية الشمولية، من ليبيا معمر القذافي إلى سوريا وعراق البعث، ومثلهما ما لا يُحصى. ومثل العنف والتحالف مع الدكتاتوريات الدموية، دخلت الحركة السياسية الفلسطينية في كل أشكال الفساد والمحاصصة والنهب العام وتكريس الشمولية، تلك السلوكيات التي تشبه كل شيء، خلا الالتزام الأخلاقي بشيء مما تطالب به الآخرين.
مضت على تلك "الآثام" قرابة نصف قرن، ملكت خلالها الحركة السياسية الفلسطينية الكثير من الأدوات والأجهزة وأشكال إعادة البناء، لكنها لم تعترف بتلك الممارسات غير الأخلاقية التي مارستها خلال مسيرتها، في وقت بقيت تمارس الابتزاز الأخلاقي والروحي بحق الآخرين.
♦♦♦
طوال هذه المدة نفسها، ظل الفلسطينيون يعتبرون أن مسألتهم يجب أن تكون حاضرة دوما، لأنها متمركزة حول سؤال العدالة والمساواة، وبالتالي حول الديمقراطية. وأن ذلك المنطلق هو الجذر المركزي الذي على أساسه يجب أن تكون مواقف الأقران، وكافة القوى الديمقراطية في العالم.
يطلب الفلسطينيون ذلك، في وقت لم يكونوا مستعدين لأي شكل من حساسية التضامن مع القضايا الموازية للمسألة الفلسطينية في عدالتها. حركة "حماس" مثلا، متحالفة عقائديا وسياسيا، وربما تنظيميا وماليا، مع حزب العدالة والتنمية في تركيا، دون أن تبالي قط بممارسة هذا الحزب بحق أبناء القومية الكردية في البلاد، الذين تُقدر أعدادهم بخمس أضعاف الشعب الفلسطيني، على الأقل.
لا تسأل "حماس" نفسها سؤال العدالة والديمقراطية الذي تطلبه من الآخرين، بل غالبا تميل لأن تطالب أكراد تركيا بأن يتناسوا ويغضوا النظر عن قضيتهم الوجودية التي تتحطم تحت حوافر الشمولية القومية للنظام السياسي التركي، وأن تكون فكرة العدالة بالنسبة لهم متمثلة بما تراه "حماس" مركز العدالة في الكون، محاربة إسرائيل.
يطلب الفلسطينيون ذلك، في وقت لم يكونوا مستعدين لأي شكل من حساسية التضامن مع القضايا الموازية للمسألة الفلسطينية في عدالتها
مثل سلوك "حماس" هذا بالضبط، كانت خيارات حركة "فتح" من الربيع العربي مثلا، بالذات في محطته السورية. حيث لم يرَ حزب السلطة الفلسطينية أية عدالة في جموح ملايين السوريين نحو الحرية، بل اعتبرت ذلك فرصة استثنائية لإزاحة حركة "حماس" من تحالفها مع النظام السوري، والحلول مكانها! وإن كان ضحية ذلك مليون مواطن سوري، منهم آلاف الفلسطينيين المقيمين أنفسهم.
كانت القوى الفلسطينية قد محقت مفهوم رؤيتها وأنانيتها للعدالة قبل ذلك طويلا، يتذكر موارنة لبنان ذلك جيدا، وقبل الموارنة كان شيعة جنوب لبنان قد ذاقوا ذلك، وقبلهم الأردنيون والأكراد والشيعة العراقيون، الذين ذاقوا الويلات على يد المليشيات الفلسطينية التي أسسها نظام صدام حسين. حتى مع كوريا الشمالية، ثمة للقوى السياسية الفلسطينية ممثلية وعلاقات حميمة.
♦♦♦
أخيرا، فإن الخطاب الفلسطيني المناهض لأي تقارب بين إسرائيل وأي من دول المنطقة مليء بنبرات الاستراتيجيات والمصالح العليا والبعيدة المدى وأهمية التضامن الكياني والقضايا الوجودية، في الوقت الذي تتحالف فيه القوى السياسية الفلسطينية مع أكثر نظامين سياسيين تفتيتيين في المنطقة، إيران وتركيا، اللذين يتقسمان رعاية الميليشيات وعناصر الخلخلة والعنف الأهلي والحروب المذهبية والسيطرة الأيديولوجية على مختلف دول المنطقة.
تأخذ القوى السياسية المزيد من الأموال والرعاية والحميمية من هذين النظامين السياسيين، ولا ترى في ذلك مسا مذهلا بالاستقرار والتنمية الاستراتيجية في المنطقة، في وقت تستطيع أن تقول فيه جملة واحدة لكل طرف ليس على هواها سياسيا: "قصير النظر".

