People wave Lebanese national flags outside the United Nations-backed Lebanon Tribunal in Leidschendam, Netherlands Tuesday Aug…
رفع أعلام لبنانية أمام مقر المحكمة الدولية الخاصة بلبنان قبل صدور الحكم

صدر الحكم في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، إلا أن الحقيقة الكاملة لم تسطع!

لا غرابة في ذلك، فالزوايا الغامضة كانت ماثلة بقوة، منذ صدور القرار الاتهامي في الملف قبل تسع سنوات.

ولهذا سبب واضح وجلي!

إن التقدم في كشف المستور توقف، في 25 يناير 2008، في تلك اللحظة التي اغتيل فيها النقيب في شعبة المعلومات التابعة لقوى الأمن الداخلي، وسام عيد.

ولولا اكتشافات عيد، الذي لم تُرهبه لا محاولة اغتيال باكرة كان قد تعرّض لها، ولا تلك التي استهدفت رئيسه السابق العقيد سمير شحادة، لما كان هناك لا قرار اتهامي، ولا محاكمة، ولا حكم.

ولولا اغتياله لما كان اكتشاف الحقائق والمعطيات والأشخاص قد توقف عند هذا الحد.

وهكذا، فإن الإجرام الذي قضى على رفيق الحريري، هو نفسه الذي حطّم الأضواء التي كان مقدرا لها أن تكشف غالبية المرتكبين إن لم يكن جميعهم.

تجديد قرار حماية عيّاش، يعني أن "حزب الله" يوفر دليلا سياسيا ضده، بعدما استفاد من غياب الدليل الجنائي

إن نتيجة حماية الإجرام بالإجرام، ظهرت، بوضوح اليوم في حكم مليء بالإيحاءات الناطقة ولكنه مشوب بالأدلة الناقصة التي لم تبرئ ثلاثة متهمين فحسب، بل أصحاب المصلحة في الاغتيال، أيضا.

وكما في القرار الاتهامي الذي كان قد أصدره المدعي العام، كذلك في الحكم الذي أصدرته غرفة الدرجة الأولى، بقي مجهولا ـ بفعل نقص الأدلة ـ من أمر، ومن حرّض، ومن موّل، ومن ساعد في التنفيذ المذنب الوحيد في الملف سليم عيّاش، بعد إسقاط الدعوى العامة عن "المذنب الافتراضي" الثاني مصطفى بدر الدين، بسبب اغتياله في سوريا، حيث يقاتل "حزب الله" جنبا إلى جنب مع نظام بشّار الأسد.

ومن البديهي قضائيا، أن يلحق الحكم بالقرار الاتهامي، فغرفة الدرجة الأولى في المحكمة الخاصة بلبنان، كما في كل المحاكم الوطنية والدولية، لا تفتح تحقيقا مستقلا، بل "تحاكم" القرار الاتهامي، فتصادق عليه كليا أو ترفضه جزئيا أو كليا.

وغرفة الدرجة الأولى في حكمها الصادر اليوم، حكمت لمصلحة القرار الاتهامي جزئيا، فجرّمت سليم عياش وتبنّت الوقائع الجرمية كما المعطيات السياسية، لتبرّئ في المقابل المتدخلين بالجريمة، أي المتهمين الثلاثة الذين نسب إليهم القرار الاتهامي أدوارا في الشق التضليلي المتمحور حول كل ما يتصل بتبنّي الجريمة المنسوب زورا إلى أحمد أبو عدس.

وهذه النتيجة، مع أنها متوقعة، أحبطت اللبنانيين كما المهتمين بقضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري في الرابع عشر من فبراير 2005، لأن من يسمّونهم "الرؤوس الكبيرة" بقوا بمنأى عن أضواء الحقيقة.

وقد يكون هؤلاء على حق في مشاعرهم السلبية، على الرغم من لا عقلانيتها القضائية، لأن نسب جريمة بحجم اغتيال الحريري، يستحيل أن يتم حصره بشخص على مستوى سليم عيّاش، المعروف عنه أنه من أفراد المديرية العامة للدفاع المدني.

ولا تجمع عيّاش عداوة شخصية أو سياسية بالحريري، وهو لا يملك القدرات الهائلة لتجنيد فرق مراقبة واغتيال وتجهيز انتحاريين، ولا الأموال الطائلة لشراء 2500 كيلوغرام من المتفجرات والشاحنات والسيارات والهواتف.

ويحق لهؤلاء اللبنانيين والمعنيين في أن يستنبطوا الأسئلة الكثيرة من كل واقعة تعرض عليهم، فكيف يمكن أن يكون سليم عيّاش ومصطفى بدر الدين "مناصرين" لـ"حزب الله" في حكم المحكمة، فيما الحزب نفسه عندما اغتيل بدر الدين في سوريا وصفه بأنه قائد عسكري كبير فيه؟ وما معنى عبارة "مناصر"؟ وما هي ترجماتها القانونية؟ ولماذا جرى اعتمادها؟

أكثر من ذلك، فليس مطلوبا من جميع هؤلاء أن يميّزوا بين كثرة الوقائع الثابتة من جهة وغياب الأدلة الكافية من جهة أخرى، إذ إن غرفة الدرجة الأولى أعلنت، جهارا، أنه "يمكن أن تكون لسوريا كما لحزب الله دوافع لتصفية الحريري وبعض حلفائه السياسيين" لافتة إلى أمور عدة تدخل في هذا الإطار ولا سيما القرار 1559 الذي يستهدف "حزب الله" والنظام السوري، قبل أن تتابع" إلا إن ما من دليل على ضلوع قيادة حزب الله في اغتيال الحريري وما من دليل مباشر على ضلوع سوريا فيه".

ولكن، على الرغم من إعلان غياب الأدلة، إلا أن غرفة الدرجة الأولى صدمت اللبنانيين والمعنيين، وهي ترسم السياق السياسي والتاريخي الذي اغتيل الحريري في حمأته، وهو سياق "اتهامي" لـ"حزب الله" وللنظام السوري في آن، والأهم أنها أوحت، بما لا يقبل الشك، أن رستم غزالي، المسؤول السوري الأرفع في لبنان حينها، كان، أقلّه، على دراية باغتيال الحريري، ولذلك أصرّ أن يتقاضى، يوم الأحد الذي سبق اثنين الجريمة، دفعة مزدوجة من تلك الدفعات التي كان يتقاضاها، شهريا، من الحريري.

والصدمة لم تتوقف هنا، إذ أن هذه الغرفة أعلنت، بما لا يقبل الشك، أن رفيق الحريري قبل اغتياله كان يخضع لمراقبة لصيقة من الأجهزة الأمنية اللبنانية. هذه الأجهزة الأمنية التي قال الحكم عنها إنها في التحقيق البدائي عاثت فسادا في مسرح الجريمة وعبثت بالأدلة.

أبعد من ذلك، ذهب الحكم إلى ربط اغتيال الحريري بحدثين سياسيين مناهضين للاحتلال السوري في لبنان.

الأول، إفهامه للمسؤول السوري وليد المعلم الذي زار الحريري في قصره في الأول من فبراير 2005 أن "ثلاثة أرباعي صارت بالمعارضة" وأن "سوريا لا تستطيع أن تبقى في لبنان".

والثاني، إرسال الحريري موفدين عنه إلى "لقاء البريستول" المعارض، في اليوم التالي لاستقباله المعلم، حيث صدر أعنف بيان ضد الوجود السوري في لبنان.

مما لا شك فيه أن من يطلّع على تأكيدات المحكمة لجهة المستفيد من جريمة اغتيال الحريري، ومعرفة رستم غزالة بحصولها، وتورط الأجهزة الأمنية اللبنانية بالمراقبة كما بالعبث بمسرح الجريمة، ولا يجد إلا سليم عيّاش، المحمي بقرار معلن من "حزب الله"، يصيبه الإحباط، فليست هذه هي الحقيقة التي انتظرها طويلا، ولا هي التي من أجلها اغتيلت قيادات سياسية ودبلوماسية وأمنية وإعلامية.

ولكن، في المقابل، لم يُركّز الحكم على هذه الوقائع الناطقة، من باب الثرثرة، فهو من جهة، لمّح إلى تقصير في عمل الادعاء العام لدى المحكمة الخاصة بلبنان، وهو من جهة ثانية، أفهم اللبنانيين وجميع المعنيين أن المحكمة، وإن كانت لا تملك صلاحية إصدار أحكام على تنظيمات ("حزب الله") وأنظمة (سوريا) إلا أنها تريدهم أن يتأكدوا من أن رفيق الحريري لم يتم اغتياله إلا بالسياسة، وأن إدانة سليم عيّاش، دون غيره، لا يعني أنه "مقطوع من شجرة"، بل هو الابن الشرعي لهذا السياق السياسي الاغتيالي.

إن التقدم في كشف المستور توقف، في 25 يناير 2008، في تلك اللحظة التي اغتيل فيها النقيب في شعبة المعلومات التابعة لقوى الأمن الداخلي، وسام عيد

وعليه، وفي ظل تهليل جمهوري "حزب الله" والنظام السوري للحكم، خلافا لتوصيات الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله الذي كان قد أعلن، وقائيا، أنه غير معني بكل ما سوف يصدر عن المحكمة، فإن العيون المحلية والإقليمية والدولية، ستنصب على الحزب، لمعرفة ما إذا كان سيواصل توفير الحماية والمأوى لعيّاش، أم سوف يسمح بتسليمه للقضاء.

بالنسبة للجميع، فإن تجديد قرار حماية عيّاش، يعني أن "حزب الله" يوفر دليلا سياسيا ضده، بعدما استفاد من غياب الدليل الجنائي.

ولا يقف عيّاش وحيدا في "قفص التجريم" في قضية اغتيال الحريري، فقط، بل هو أيضا، يقبع وحيدا في "قفص الاتهام" في ثلاث جرائم أصدر الادعاء العام في المحكمة الخاصة بلبنان قراره الاتهامي فيها، وهي: اغتيال جورج حاوي ومحاولتا اغتيال الياس المر ومروان حماده.

على أي حال، فإن الحكم الذي صدر في ملف اغتيال الحريري ألقى الضوء على مفصل مهم من الجريمة، في حدث لم يعرف له لبنان مثيلا، إذ كانت كل جرائم الاغتيال تدوّن ضد مجهول، على الرغم من أنه "معلوم جدا".

ولكن مشكلة لبنان لم تكن يوما في معرفة القاتل، بل كانت في تمكين القاتل من أن يحكم الجميع، مستفيدا من التخويف والترهيب والتهديد والوعيد.

وهذه المرة أيضا، لا يشذ القاتل عن قاعدته الذهبية، فعقول اللبنانيين مع العدالة، ولكن قلوب قياداتهم تخشاها.

بين 14 فبراير و14 مارس 2005 حسم اللبنانيون الصراع السياسي لمصلحة العدالة. مرة جديدة، الكرة في ملعبهم، فإن هم شاؤوا شاء... الله!

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.