In this photo released by the official website of the office of the Iranian Presidency, Iraqi Prime Minister Mustafa al-Kadhimi…
الكاظمي خلال زيارته الأخيرة لطهران

يشترك الكثير من العراقيين بتصور أن الولايات المتحدة الأميركية ليس لديها شغل شاغل سوى العراق وما تجري فيه من أحداث، ولا يختلف في ذلك بعض الأكاديميين والسياسيين وعامة الجمهور، إلا بقدر معين يتعلق بمدى تحكم نظرية المؤامرة في تقييم المواقف والأحداث السياسية.

قبل أربع سنوات زار جامعة الكوفة بول سالم ورند سليم الباحثان في معهد الشرق الأوسط بواشنطن Middle East Institute والتقوا نخبة من الأكاديميين، وكان محور المداخلات يدور حول تخلي الولايات المتحدة الأميركية عن دعم العراق وتحميلها المسؤولية عن كل أزماته السياسية والأمنية والاقتصادية وسعيها إلى تقسيمه! 

رد بول سالم على تلك المدخلات بقول مختصر: "مشكلتكم تعتقدون بأن الرئيس الأميركي ينام ليله قلقا وخائفا من أن يستيقظ الفجر على خبر تقسيم العراق، وإذا تقسَّم العراق هل ستكون كركوك من حصة الكرد أم العرب؟ الإدارة الأميركية لديها الكثير من الملفات الداخلية والتنافس بين القوى الكبرى التي تحتل الأولية باهتماماتها أكثر من التفاصيل الصغيرة في العراق والتي تعتقدون أنها مهمة وخطيرة بالنسبة إليكم".

لا يمكن لدولة كبرى مثل الولايات المتحدة القبول بالشراكة الاستراتيجية مع الحكومات الضعيفة حتى وإن كانت مصالحها تفرض تلك الشراكة

أتذكر هذا اللقاء اليوم، وأنا أقرأ تصريحات إعلامية ومنشورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي إلى البيت الأبيض ولقاءه الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فالكاظمي لديه فريق إعلامي يحاول تصويره بأنه منقذ العراق! ويجري التركيز على أنه رئيس الوزراء المقرَّب من أميركا، والذي سيقف بوجه التدخلات الإيرانية. كما جرى تسويق ذلك عبر منصات فيسبوك وتويتر من قبل أصدقائه الإعلاميين والسياسيين.

وقد جرى تصوير زيارته الأخيرة إلى طهران ولقاءه بالمرشد الأعلى علي خامنئي بأنها كانت على مستوى الندية وليس التبعية. بيد أن المتابع للتصريحات وما جرى نقله عن اللقاءات الرسمية، بإمكانه أن يرى بأن الإيرانيين كانوا يعرفون ما يريدونه، إذ تحدثوا بلغة الأرقام عن رغبتهم بزيادة التبادل التجاري، وأعلنوا عن رسائلهم الصريحة بشأن الموقف من حادثة المطار، كما ورد على لسان المرشد الأعلى. في قبال تصريحات إنشائية وخطابية طغت على أحاديث السيد الكاظمي.

وحديث مستشار الكاظمي عن رمزية "العباءة النجفية" هدية الكاظمي إلى خامنئي، ناهيك عن كونه ثرثرة لا تتضمن دلالة سياسية ولا تاريخية، لكنّه يعطي انطباعا يفيد بأن الكاظمي لم تكن لديه خارطة طريق واضحة لإعادة رسم حدود العلاقة بين طهران وبغداد، وإنما يحاول تضخيم جزئيات معيّنة على أنها تفاصيل تحدث انعطافة في العلاقات بين البلدَين.

لا يمكن بناء تصوّر متكامل عن الملفّات التي ستبحثها زيارة الكاظمي إلى واشنطن، فثمّة كثير من الملفات العالقة، إذ تقف على رأسها قضية العلاقة بين البلدين: هل هي علاقة حلفاء استراتيجيين أم أصدقاء؟ فمواقف الكتل السياسية متباينة بين من يعتبرها صديق، وآخر حليف استراتيجي، وثالث يتماهى مع مقولة "أميركا الشيطان الأكبر".

تناقضات المواقف السياسية من العلاقة مع الولايات المتحدة قد تكون هي الأكثر وضوحا؛ أما رؤية الكاظمي وقدرته على تحويلها إلى واقعٍ يحكم العلاقة بين البلدَين غير واضحة. ويدرك الكاظمي تماما أن القوى السياسية لا تجتمع على مفهوم محدد "لمصلحة العراق" ومن ثم لن تكون له ظهيرا في أي اتفاق سياسي أو اقتصادي أو عسكري يترتب على زيارته المرتقبة.

وبعد مرور 100 يوم من عمر حكومة الكاظمي، بات واضحا بأن هذه الحكومة لا تختلف عن الحكومات السابقة سوى التغيير برئيس وزرائها الذي جاء من خارج منظومة الانتماء للأحزاب السياسية؛ عدا ذلك لم تعمل على تغيير نمط إدارة الدولة، وأنها عاجزة حتى هذه اللحظة عن بناء ركائز جسور الثقة بين المواطن والحكومة. فعبارات "حصر السلاح بيد الدولة" و"الحفاظ على سيادة العراق" و"محاسبة من قتل المتظاهرين" لم تكن أكثر من شعارات، تثبت حكومة الكاظمي يوما بعد آخر عجزها عن تحويل هذه الشعارات إلى واقع.

قد تكمن مشكلة الكاظمي في محاولته البقاء في برزخ التوازن: بين ما يريده الجمهور وتحقيق رغبات ومصالح الطبقة السياسية من جانب، ومن جانب آخر تأجيل الصدام مع القوى اللادولتية التي تسعى إلى إحراج حكومته وإضعافها. ولحدّ الآن، كل تنازل يقدمه الكاظمي للطبقة السياسية ينتج عنه ضعف موقف الدولة، وخسارة رصيده بين الجمهور. يتعامل الكاظمي مع فرقاء سياسيين يسعون إلى إبقاء حكومته ضعيفة وغير قادرة على فرض هيبة الدولة، وبالمقابل لا يمكن لإدارة البيت الأبيض أن تثق وتساند حكومة ضعيفة.

إذا لم يكن للحكومة منجَزا سياسيا واقتصاديا وأمنيا في بغداد، فلا ينبغي لها أن تعوّل على واشنطن

ويدرك الكاظمي أن الولايات المتحدة الأميركية ليست منظمة إغاثة لمساعدة الدول التي تواجه أزمات، فهي دولة تعتمد مبدأ المصلحة أولا، ولن تقبل بأن يكون العراق خاصرتها الرخوة في منطقة الشرق الأوسط. وفي فترة التحشيد والتنافس على الانتخابات الرئاسية لن تسمح الولايات المتحدة بأن يكون العراق محطة إرسال رسائل لإحراج إدارة الرئيس ترامب. ومن ثم، ذهاب الكاظمي لأميركا من دون رؤية لكيفية مساعدة واشنطن لبغداد، ومن دون خطوات علمية في محاربة الفساد ومواجهة الجماعات المسلحة، سوف لا يكون سوى لقاء بروتوكولي لن يعود بالنفع لا للعراق ولا لأميركا.

إن اقتراب موعد الانتخابات الأميركية يجعل التعويل على حسم كثيرٍ من الملفات بين العراق والولايات المتحدة قراءة غير موضوعية. ولا يمكن التماهي مع التسويق الإعلامي لحكومة الكاظمي بأن الزيارة ستكون من أولوياتها حسم ملف الحوار الاستراتيجي بين العراق وأميركا. ففي حال فوز الرئيس ترامب بولاية ثانية بالتأكيد سيكمل ما بدأه من سياسات تجاه إيران، ولن يقبل بأن يكون العراق ساحة لإرسال رسائل التهديد للتواجد الأميركي في العراق، أما في وصل جو بادين إلى البيت الأبيض فهو لديه رؤية خاصة لإدارة الملف العراقي. وبالتأكيد لن تكون حكومة الكاظمي المعنية بتحديد واقع ومستقبل العلاقة مع الأميركيين، في حال التزَمَت بموعد الانتخابات الذي حددته في الشهر السادس من العام القادم.

لا يمكن لدولة كبرى مثل الولايات المتحدة القبول بالشراكة الاستراتيجية مع الحكومات الضعيفة حتى وإن كانت مصالحها تفرض تلك الشراكة، ولا يمكن أن تكون قويا وتتحدث بعنوان رئيس حكومة في بلد تعلو فيه سلطة القوى الموازية للدولة وتصادر الكثير من وظائفها. فحكومة ضعيفة ودولة هشّة هي جنة المافيات التي تملك المال والسلاح، والتي تبعث رسائلها عن طريقة الاغتيالات لكل من يعارضها بالصوت والكلمة. وأخيرا إذا لم يكن للحكومة منجَزا سياسيا واقتصاديا وأمنيا في بغداد، فلا ينبغي لها أن تعوّل على واشنطن.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.