إسرائيل والإمارات أبرمتا اتفاقا وصف بالتاريخي.
إسرائيل والإمارات أبرمتا اتفاقا وصف بالتاريخي.

اتفاقية إبراهيم". التسمية تفتقد الوقار. من هو "إبراهيم" هذا؟ قريب مقرّب أو صديق طفولة؟ حيث إذا كان المقصود الإشارة إلى "النبي إبراهيم"، فإن اللياقة في الاستعمال العربي تقتضي، كحد أدنى، أن يُرفق الاسم بالصفة. المسألة هنا ليست قضية إيمانية. يمكن، لدى من شاء التمحيص، أن يعتبر أنه ليس لهذه الشخصية وقائعية تاريخية وفق المعايير العلمية المتبعة، ولكنها في المتداول الاجتماعي والديني صاحبة مقام مرتفع. ألا يكلّف أصحاب الخبرة والاطلاع في فريق العمل أنفسهم بعض المشقّة لتجنّب أن تأتي تسمية الإنجاز مفتقدة للحساسية المحلية؟ ثم، ما المغزى من إقحام بُعد ديني، أو نَسَبي متخيل، على اتفاقية بين دولتين؟ لا مغزى بالطبع، سوى الكشف عن استشراقية تسطيحية في التصور لدى بعض الأوساط في واشنطن لطبيعة الدول والمجتمعات في المنطقة.
 
فيما يتعدى هذا التفصيل، العرضي والكاشف في آن، لا يمكن التقليل من أهمية هذا الاتفاق، ومن احتمال النقلة النوعية الإيجابية والتي من شأنه أن يطلقها على الواقع المتداعي في الشرق الأوسط.

أن ترفض الدول العربية قيام دولة إسرائيل عام 1984 كان أمرا مفهوما، بل مرتقبا ومطلوبا، نظرا إلى أن ما حصل، من وجهة النظر العربية والتي يغيب عنها الوجدان اليهودي والذاكرة اليهودية، كان فعل استيلاء من جانب وافد غريب على حق بديهي لصاحب الأرض.

وأن تصرّ الدول العربية عام 1967 على لاءاتها بعد الهزيمة المدوية كان أمرا أكثر التباسا، إذ أن الدولة الناشئة، إسرائيل، كانت قد آوت بدورها مئات الآلاف ممن طردوا وهجّروا، صراحة أو مواربة، من اليهود العرب، وكان أول جيل من أبناء الأرض الإسرائيلية قد كبر بدوره في وطنه. كل هذا لا ينفي حق الإنسان الفلسطيني بأرضه وعودته، ولكنه ينقله من الحق الحصري، إلى الحق الذي يستوجب أن يوازن بحقوق آخرين.
 
وبعد مرور عقود على اللاءات، لم تنتفِ فيها لا حقوق الفلسطينيين ولا حقوق الإسرائيليين، بل تأكّدت وتواجهت، أن تطرح الدول العربية معادلة الأرض مقابل السلام كان إقرارا بواقع وجود قد استقر لإسرائيل. ما لم يكن واضحا لهذه الدول حينها هو أن ميزان القوى، على مستويات عدة، والضامن لتوّه لإسرائيل، سوف يستمر بالتبدل للمزيد من صالحها، ليس لأنها و "من خلفها"، وفق القراءات الأهوائية، تتلاعب بالمصائر، بل لأنها كانت ولا تزال ذات رؤية بعيدة المدى للبقاء والتطور، قابلة للاستفادة ممّا يقع لتحسين مواقعها ومواقفها.
 
فالطرح الذي كان صالحا ومنطقيا عند مطلع الألفية، أي الأرض مقابل السلام، لم يعد موضوعيا أو قابلا للتنفيذ اليوم.
 
رئيس الوزراء الإسرائيلي كان قد تقدم بطرح بديل، "السلام مقابل السلام". الرافضون لإسرائيل في المحيط العربي يعتبرون أن معادلته هذه مطالبة بالاستسلام. ربما أن ذلك بالفعل مبتغاه، ولكن الحقوق لا تزول بالتخلي عن القتل لعدم تحققها، بل يتبدل إطارها وسبل الوصول إليها وحسب.
 
فالواقع الذي لا سبيل إلى إنكاره هو أنه على مدى العقود الماضية، لم تجنِ القضية الفلسطينية من الكفاح المسلح أي مكسب، فيما هي اضطرت إلى مضاعفة طبعه وطابعه، درء للتراجع، ففتحت الباب أمام التشدد. المسؤولية عن تفشي التطرف والتشدد والإرهاب من رحم القضية هي مسؤولية مشتركة بين من أساء في الاستيلاء على حقوق الآخرين، ومن أساء في السعي إلى تحقيق هذه الحقوق، ومن أساء في إدارة الأزمة بشأنها. ولكن المجادلة حول توزيع حصص المسؤولية لن تؤدي إلى الخروج من هذا المأزق. وهو مأزق متفاقم بالفعل.
 
خطوة الإمارات، والتي تخرج عن المبادرة العربية وتتخلى عن "الأرض مقابل السلام" هي خطوة جريئة، مهمة ومفيدة، جديرة بالاعتبار والمتابعة. هل ثمة اعتبارات اقتصادية مالية؟ دون شك. هل في العلاقة المعلنة استرضاء لواشنطن؟ لا مانع. هل تشهد المنطقة تشكل "محور" ثالث في مواجهة "ممانعة" إيران وتمدد تركيا؟ طبعا. على أنه ما لا يجوز إهماله هو أن هذه الخطوة، وما قد يتبعها من خطوات مماثلة من دول أخرى، تكسر المسار السياسي والفكري لإسرائيل نحو تعميق القطيعة مع محيطها.
 
ليس سرا أن إسرائيل، والتي كانت تحظى بيسار ويمين في تنوعها السياسي، قد انتقل مركز الثقل فيها إلى عمق اليمين، بل يكاد حزب رئيس الوزراء اليوم أن يبدو "وسطيا" بين وطنيين صقوريين إلى يساره وقوميين إقصائيين إلى يمينه. أسباب هذا التحول عديدة، وغياب الشريك العربي ناتج عنها ومنتج لها في آن واحد.
 
دخول الإمارات، ثم غيرها، من شأنه أن يبدل الحال. هل في الخطوة الإماراتية تجريد للجانب الفلسطيني من ورقة ضغط ومقايضة؟ ربما إلى قدر ما، غير أن هذا القدر قد انحدر وتلاشى مع التبديل بموازين القوى. فحساب المكاسب والخسائر هنا ليس قطعيا. بل الفائدة من تليين التصلب الإسرائيلي قد تفوق بأقدار أية خسارة.
 
لا خلاف عربيا على أن الواجب هو في تقديم الدعم والعون للإنسان الفلسطيني. الخلاف هو بين من يريد أن يُصحِب ذلك بهزيمة إسرائيل أو زوالها، ضمن معادلة صفرية، وبين من هو قادر على تهيؤ مستقبل تكون إسرائيل جزءا منه. وهو ما اختارته الإمارات.
 
من حق الفلسطينيين أن يشتكوا، أن يعترضوا، أن يستهجنوا. لم يستشاروا، ولم يُراعوا. هم يعيشون في عالم يرضى بأن يظلموا ويهانوا، وأن تهمل حقوقهم، وأن يحرم أطفالهم من مقومات النمو، وأن يعاقبوا كل مرة، لظلم منهم أو لظلم عليهم سيّان. ويضاف إلى كل هذا، أن يتحفهم القاصي والداني بأن مسؤولية مصابهم تقع على عاتقهم هم، فلو أنهم فعلوا بأمسهم ما لم يفعلوه، لما كانوا حيثما هم اليوم.
 
يوم يصدر عن محمود عباس الكلام النابي بحق الإمارات في أعقاب اتفاق السلام مع إسرائيل، وساعة يحرق متظاهرون فلسطينيون العلم الإماراتي، فمن الأصحّ أن يقابل كل هذا بالتفهم والتسامح، والدعوة إلى إحسان الظن بنوايا الإمارات، إذ التجاوز هنا صادر عن ألم صادق، رغم أن محمود عباس مخطئ في حكمه، ورغم أن غضب المتظاهرين في غير محله.
 
من شأن العواطف أن تهمد. والرجاء والتوقع هنا أن تعمد الإمارات إلى مد اليد للفلسطينيين، تمشيا مع سجلّها ومواقفها ورغبة أهلها.
 
واستطرادا، انطلاقا من التسمية الفذة، ليت الإمارات، صاحبة مبادرة البيت الإبراهيمي، السبّاقة والجريئة كذلك، بما أن اسم النبي إبراهيم قد اقترن باتفاق السلام المعقود بينها وبين إسرائيل، تخصص الحرم الإبراهيمي، ومدينة الخليل، والتي تحمل لقب النبي إبراهيم فيما هي تجسد المظلمة الفلسطينية، بعنايتها في التواصل الذي تسعى إلى تحقيقه مع إسرائيل.
 
مدينة الخليل اليوم ترزح تحت نظام فصل عنصري مشين وفق أي اعتبار، ليس لأن إسرائيل برمّتها عنصرية، بل لأن الهامش المهيأ لتقبل التمييز، لاعتباراته التاريخية والعقائدية، لم يلقَ من عموم المجتمع الإسرائيلي الاعتراض الوافي. لأن هذا المجتمع بدوره يعيش حالة حصار وانقطاع عن محيطه. الفكر اليهودي الحداثي بغالبه منفتح ومناقض للتمييز، ولكنه هنا ملجوم باعتبارات السياسة والحاجة إلى صون إسرائيل القلعة.
 
آن الأوان لمد اليد لإسرائيل، وللانتقال من موقف التحدي والعداء إلى منطق التواصل والقيم. حيث فشل الكفاح المسلح، قد يكون السبيل لنصرة الفلسطينيين الإقرار بإنسانية الإسرائيليين كذلك، وبانتهاج التطبيع كغاية وكوسيلة لمستقبل مطمئن للجميع.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.