Sudanese protesters shout slogans outside the Council of Ministers in the heart of Sudan's capital Khartoum on August 17, 2020…
تظاهرات في السودان على للمطالبة بالعدالة

منذ سقوط الطاغية السوداني الجنرال عمر البشير في شهر أبريل 2019 في أعقاب الثورة الشعبية العارمة، بدأ أتباع نظامه البائد في وضع العراقيل أمام الحكومة الانتقالية عبر استخدام العديد من الأساليب في مقدمتها الخنق الاقتصادي وافتعال الأزمات ونشر الشائعات، وعندما فشلت تلك الأمور بدأوا في تأجيج نيران الصراع القبلي في العديد من الولايات.

السودان ليس حديث عهد بالنزاعات بين القبائل، فقد ظلت موجودة منذ عهود متطاولة حيث كانت تتسبب فيها المظالم التاريخية وشح الموارد (الخلافات حول الأرض وبين الرعاة والمزارعين) وغيرها من الأسباب، ولكن طبيعتها كانت محدودة وآثارها ليست كبيرة لأن السلاح المستخدم فيها لم يكن يتعدى السيف والسكين والعصي وبعض الأسلحة النارية البدائية، وقد كانت الإدارات الأهلية تتصدى لهذه الخلافات بمساعدة الحكومة بنجاح كبير يؤدي لتسويتها وفقا للأعراف السائدة.

عندما استولى النظام الإسلاموي على السلطة عبر الانقلاب العسكري في يونيو 1989، بدأ في تطبيق سياسة في غاية الخطورة تهدف إلى شق صف القبائل وتقسيم الإدارات الأهلية عبر استخدام المال وشراء الذمم، وقد ترافقت هذه السياسة مع اشتعال الحروب الأهلية في عدد من أقاليم السودان وما صاحبها من خطوات حكومية لصناعة المليشيات القبلية ومدها بالسلاح والأموال لخوض الحرب نيابة عن الدولة.

يتوجب على الحكومة الانتقالية تحمل مسؤوليتها الكاملة والتعاطي بجدية أكبر مع هذا الأمر عبر السعي إلى مخاطبة جذور الأسباب التي تؤدي إلى النزاعات القبلية

كذلك عمل النظام الديكتاتوري على تقسيم السلطة السياسية وتوزيع المناصب في مختلف الولايات على أساس الانتماء القبلي من أجل كسب ولاء تلك القبائل. ليس هذا فحسب بل أنه أنشا ولايات جديدة (كما حدث في دارفور) على أساس قبلي حتى يضمن ذلك الولاء.

أدت هذه السياسات إلى الإضعاف الشديد لروح الولاء الوطني التي لم تكن أصلا قد بلغت أشدها بسبب التوجهات القاصرة للأنظمة الوطنية التي حكمت البلاد منذ خروج المستعمر البريطاني، كما ساهم الانتشار الواسع للأسلحة الحديثة وخطاب الكراهية فضلا عن المشاكل البيئية في إذكاء النزاعات القبلية والعرقية بصورة غير مسبوقة مما أدى لإزهاق آلاف الأرواح وتدمير مصادر العيش وتمزيق النسيج الاجتماعي في العديد من الأقاليم.

ورثت الحكومة الانتقالية التي تم تنصيبها بعد الثورة دولة فاشلة في مختلف النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وشرعت في إصلاح الأوضاع المتردية شيئا فشيئا ولكنها اصطدمت بالكثير من العوائق التي ظلت تصنعها قوى النظام السابق في سعيها الدؤوب لزعزعة الأوضاع حتى تقطع الطريق أمام نجاح الحكومة الانتقالية في أداء مهامها وتمهيد الطريق نحو الانتخابات العامة والحكم الديمقراطي المستدام.

لم يكن الاندلاع المتزامن للعنف ذو الطابع القبلي في ولايات جنوب وغرب وشمال دارفور وجنوب كردفان وكسلا والبحر الأحمر مجرد صدفة عارضة أو أحداث منفصلة لا يربط بينها رابط، حيث تشير دلائل عديدة إلى انغماس أذرع النظام البائد في تأجيجها عبر التحريض والإغراء وبث الروح القبلية لتحقيق غايات العودة لكراسي الحكم.

على الرغم من وجود خلافات مسببة بين بعض القبائل إلا أنها ما كانت لتصل مرحلة الاقتتال الدامي والتهديد بنسف استقرار البلاد لولا وجود أياد ظاهرة وخفية لحزب المؤتمر الوطني المحلول عبر قياداته القبلية المعروفة التي تضررت مصالحها بسقوط النظام الشمولي الذي استطاعت عبره تمكين نفوذها المناطقي والجهوي بصورة كبيرة.

تشير دلائل عديدة إلى انغماس أذرع النظام البائد في تأجيج العنف القبلي عبر التحريض والإغراء وبث الروح القبلية لتحقيق غايات العودة لكراسي الحكم

مما يؤكد الدور الواضح للنظام البائد في تأجيج الصراع القبلية هو الطريقة التي اندلعت بها نزاعات بين قبائل ظلت تتعايش مع بعضها البعض في وئام كامل منذ عشرات السنين، مثل الزغاوة والحلفاويين في ولاية كسلا.

أيضا يتأكد ذلك الدور السلبي عبر سعي رموز الحزب المحلول لإقامة مؤتمرات لتنصيب قيادات جديدة لكيانات قبلية ظل موضوع رئاستها وإمارتها مستقرا منذ عشرات السنين (مثل مؤتمر قبيلة الجعليين)، مما أدى لاستنفار مكونات أخرى كبيرة وتهديدها بالتصعيد وهو الأمر الذي قد يقود لاندلاع نزاع داخل القبيلة الواحدة.

لا يدرك أتباع النظام الساقط أن الاستمرار في تأجيج نيران النزاعات والاقتتال القبلي لن تكون نهايته عودتهم لكراسي السلطة والحكم الذي فشلوا فيه طيلة ثلاثة عقود، بل الاحتراب الأهلي الذي يؤدي إلى تمزيق البلاد والانزلاق نحو الفوضى الشاملة مثلما حدث في العديد من الدول.

من ناحية أخرى، يتوجب على الحكومة الانتقالية تحمل مسؤوليتها الكاملة والتعاطي بجدية أكبر مع هذا الأمر عبر السعي إلى مخاطبة جذور الأسباب (مشاكل الأرض، شح الموارد، انتشار السلاح، المشاركة السياسية) التي تؤدي إلى النزاعات القبلية وذلك عن طريق وضع استراتيجية متكاملة تهدف لتحقيق السلام والتعايش بين مختلف المكونات الاجتماعية في البلاد. 

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.