المغرب يكافح لاحتواء تفشي فيروس كورونا.
المغرب يكافح لاحتواء تفشي فيروس كورونا.

تقول التقاليد في المغرب، إن الأرملة التي يتوفى زوجها، ترتدي اللباس الأبيض خلال كل فترة العدة. هذا التميز في الملبس يجعل الجميع يعرف بأنها، في تلك الفترة، امرأة ترتدي "حق الله". 

كما تقول التقاليد إن المرأة لا تشتري ذلك اللباس الأبيض إلا مباشرة بعد وفاة الزوج؛ لأن شراءه قبل ذلك، حتى لو كان مرض الزوج شديدا وسنه متقدما، يحمل فألا سيئا أو يعني أنها تنتظر موته.

لكن تلك السيدة (وهي امرأة حقيقية وليست شخصية متخيلة) خالفت التقاليد وقررت شراء الملابس البيضاء قبل وفاة زوجها. هي لا تعلم إن كان سيموت قبلها أو بعدها (باعتبار سنها المتقدم أيضا)؛ ومع ذلك، فقد اشترت "حق الله" مسبقا. 

لكنها فقيرة.. لذلك، لن يعيب عليها أحد. قد يعتبون عليها باعتبارها تحمل لزوجها فألَ الموت، لا أقل ولا أكثر.

لكن تلك السيدة الأخرى، الغنية هذه المرة (وهي بدورها امرأة حقيقية وليست شخصية متخلية) ستتعرض لوابل من الانتقادات لأنها ذهبت عند الخياط خلال فترة مرض زوجها، لِتُعِدّ ملابس بيضاء أنيقة استعدادا لاحتمال موت زوجها المريض.

الحادثة هي نفسها.. الفرق ربما في القيمة المادية للملابس التي تستعملها كلا الأرملتين في فترة "حق الله"! والفرق بالتالي في تعاملنا مع الواقعتين.. حسب الانتماء الاجتماعي للسيدتين!

أذكر هاتين الواقعتين وأنا أتابع تعليقات البعض على حفلة رقص على يخت بأحد شواطئ المغرب. انتشر الفيديو المسرب وانتشرت التعليقات على مواقع التواصل، بين مندد بـ"استغلال أموال الفقراء للزهو والفرح، بينما الشعب يموت فقرا"، ومندد بعدم احترام التباعد الاجتماعي وعدم استعمال الكمامات الواقية، ومندد بـ... اليخت!

ولأني أعيش في المغرب، فأنا أرى كيف لا يحترم الناس مسافات التباعد الاجتماعي في الأسواق والمقاهي الشعبية، وكيف يزورون بعضهم للاحتفال بمناسبات صغيرة (بما أن الاحتفالات الكبرى ممنوعة) وبالأعياد. لكن الفرق أنهم لا يفعلون ذلك على... يخت.

هذا لا يعني تبرير عدم احترام إجراءات الوقاية خلال تفشي "كوفيد 19". خطر العدوى مازال موجودا ومن واجبنا جميعا أن نتخذ جميع الاحتياطات لحماية أنفسنا وحماية الغير. 

لكن، بالمقابل، من الظلم أن نندد بتقصير نقوم به نحن أنفسنا، فقط لأن الآخر غني ولأنه كان على يخت!

في نفس الوقت، هناك شبه تماهٍ وتطبيع مع البؤس يجعلنا نحاول تفهم كل الموبقات التي يأتيها الفقير والبئيس: العنف، التحرش، السرقة (كم سمعنا حولنا: "الله يحسن العْوان (كان الله في عونه)، إنه يسرق لأنه فقير بينما يرى أمامه امرأة تضع عقدا من الذهب")؛ حتى صرنا نكاد نقول شعرا في الفقر والفقراء، ليس لخصل معينة فيهم كأفراد، بل لمجرد كونهم فقراء!  

لن نختلف حول إلزامية المحاسبة، حين يثبت الخلل. بمعنى أنه، إذا ثبت أن مسؤولا أو مدير مؤسسة عمومية اختلس أموالا عمومية أو موَّل حياته الخاصة من أموال الدولة؛ وإذا تبث أن نساءً ورجالا في القطاع الخاص اغتنوا بسبب التهرب من الضرائب، هنا، من حقنا أن نندد ونطالب بالمحاسبة. لكن، ما عدا ذلك، فإن التشهير بالآخرين لمجرد أنهم أغنياء، هو أمر يجب أن نرفضه إن كنا ندافع فعليا عن القيم وعن احترام الحياة الشخصية للأفراد. وإلا، فهل تكون حقوق الإنسان للفقراء فقط؟ 

بل أن البعض لا ينزعج من الترويج لأخبار كاذبة في إطار التشهير؛ كما حدث في واقعة اليخت التي نسب الحضور فيها لشخصية معروفة لم تكن موجودة أساسا في اليخت! لا يهم أن نكون ظالمين اتجاه شخص معين، مادمنا نتصور أنه غني ويملك يختا! بل "لابد أنه اشتراه من أموال الشعب" (حتى حين يتهرب كاتب هذا الكلام نفسُه من أبسط واجبات المواطنة). 

لنكن واقعيين ومنطقيين: للأغنياء إمكانيات لا تتوفر لمتوسطي الدخل، ولهؤلاء إمكانيات لا تتوفر للفقراء. ما لم يثبت أن الرحلة مدفوعة من اختلاس ونهب العام، فليس لك حق التنديد، لأنك ربما وأنت تندد، تفعل من هاتف لو ملكه نادل المقهى الذي تكتب منه تغريدتك أو عاملة النظافة في بيتك، لاستطاعا حل جزء كبير من إشكالياتهم الاجتماعية!

لندع عنا بعض الشعبوية المريضة.. ثم، وهذا أمر خطير آخر، لننتبه لهذا الفيروس الجديد الذي أصبحنا نتعايش معه بلامبالاة: تسريب الحياة الخاصة، من طرف أشخاص يفترض أنهم مقربون. ذلك الصديق أو تلك الصديقة، الذين يسجلون على هاتفهم لحظات خاصة لفضحها على العلن، يفترض أن يخجلوا من أنفسهم. 
البارحة تعلق الأمر بحفلات خاصة؛ واليوم برحلة على اليخت؛ وغدا، قد يسجل صديق لحظة خاصة لك اقتسمتها في إطار حميمي ولا ترغب بالضرورة أن تصبح موضوع تعليقات عامة على مواقع التواصل. وأتمنى ساعتها أن لا تجد من يرمي عليك الحجارة بتلذذ حاقد، كما تفعل اليوم وأنت تندد بالراقصة وباليخت!

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.