الأردن يعاني من تفشي فيروس كورونا على غرار معظم دول العالم.
الأردن يعاني من تفشي فيروس كورونا على غرار معظم دول العالم.

عاد فيروس كورونا ليخترق حدود الأردن مسجلا إصابات جديدة بعد ما يزيد عن الشهرين من الاقتراب من صفر حالات، حتى بات الناس ينتظرون بشغف وفارغ الصبر إعلان البلاد خالية من الوباء.

لم تتحقق أمنيات الأردنيين، وقرع فيروس كورونا بابهم من جديد إثر التراخي والتسيب على معبر حدود جابر المؤدي لسوريا، حيث اكتشفت أول الحالات قبل عشرة أيام تقريبا لمحامٍ يعمل في إحدى شركات التخليص الجمركي، وما هي إلا أيام حتى تزايدت أعداد الإصابات لتصل إلى 22 ممن يعملون في هذا المركز الحدودي، والنتيجة حتى لحظة كتابة هذا المقال ظهور 152 إصابة محلية توزعت على عدد من المحافظات؛ مما أعاد المخاطر والمخاوف من فيروس كورونا، وعادت التحذيرات باحتمالات زيادة ساعات الحظر، وإغلاق المحافظات، وتنفيذ إجراءات عزل قاسية.

لم تتعلم الحكومة من تجربتها الأولى قبل شهر يونيو الماضي بضرورة فرض رقابة صارمة على المعابر البرية، فكانت أكثر الإصابات رغم محدوديتها مقارنة مع دول العالم قادمة من مركز حدود العِمري البوابة للسعودية بسبب التهاون في إجراءات الحجر لسائقي الشاحنات، وتكرر الأمر في الأسبوع الأول من شهر أغسطس الجاري، وهذه المرة من معبر جابر الذي يربط الأردن بسوريا رغم كل التحذيرات بخطورة الوضع الوبائي في الأراضي السورية.

حتى الآن تعهدت الحكومة أن لا تفرض حظرا شاملا، وكما قال وزير الدولة لشؤون الإعلام أمجد العضايلة إن الإغلاق الشامل من الماضي، غير أن هذا الخطاب لم يمنع الحكومة من تأنيب المجتمع على تراخيه في إجراءات السلامة، دون أن تُكلف الحكومة نفسها عناء مُكاشفة الناس بما حدث على حدود جابر، وكيف وقعت هذه الإصابات التي انتشرت كالنار في الهشيم في كثير من محافظات المملكة؟ ولم تُعلن عن أخطائها وتقصيرها؟ ولم تُحدد الثغرات التي نفذ منها الفيروس مرة أخرى بعد أن اقتربنا من الدول الخضراء رغم أن الشائعات انتشرت عن فوضى تعمّ الحدود، وسائقين من سوريا ولبنان يخالطون موظفي الجمارك وشركات التخليص؛ مما تسبب في تفشي الإصابات دون التنبه بشكل مبكر لها؟

سجل الأردن 1438 إصابة بفيروس كورونا، وهو رقم قابل للازدياد إذا لم تُسارع فرق التقصي الوبائي إلى محاصرة انتشاره، وتُثير الإصابات الجديدة حالة من الفزع والقلق مع أنها أرقام تُعد محدودة جدا ولا تُذكر مقارنة بدول أصغر من الأردن وتسجل آلاف الحالات يوميا.

لا يُخفي سياسيون وناشطون في الأردن مخاوفهم وهواجسهم من أن الحكومة توظف جائحة كورونا سياسيا للحد من الحراك الشعبي الذي يُساند نقابة المعلمين مع اقتراب الأزمة من شهرها الأول، واستمرار توقيف أعضاء مجلس النقابة في السجن، وكل ذلك يحدث ويستمر قُبيل أيام ليست بعيدة عن افتتاح المدارس وعودة الطلبة المُفترضة في الأول من شهر سبتمبر القادم.

تسخر الحكومة ممن يُشيعون أن الإعلان عن إصابات كورونا ما هو إلا توظيف سياسي، وليس أكثر من هرطقة، ويمكن أن تُقرأ الدراسة التي أعلنت عنها الحكومة في هذا السياق، إذا أشارت إلى أن 57 بالمئة من الأردنيين لديهم شكوك بصحة وجود وباء كورونا، ومن هؤلاء 8 بالمئة يعتقدون أن الوباء أكذوبة أو مؤامرة.

لا تستهويني نظريات المؤامرة، وأجزم أن فيروس كورونا غيّر في العالم أكثر من الحرب العالمية، ولكنني لا أُبرّئُ الحكومة أنها استفادت منه لتقييد الحقوق والحريات العامة.

عزلت الحكومة مدينة الرمثا المُتاخمة للحدود مع سوريا، وأغلق وزير الداخلية معبر جابر الحدودي، وأعادت تفعيل أمر الدفاع رقم 11 الذي يفرض غرامات مالية على من لا يرتدون الكمامات، وأجبرت مراجعي المؤسسات العامة على تحميل تطبيق أمان الذي يُعطي إشارات في حال مخالطة مُصابين بالفيروس، غير أنها -وهذا الأهم- تجنبت تعطيل عجلة الاقتصاد والحياة حتى لا تتعمق الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالبلاد.

تُجاهد الحكومة لإعادة السيطرة على تفشي الوباء، والمُقلق في الأمر حديث رئيس قسم الأمراض الصدرية في مركز الحسين للسرطان فراس الهواري حين قال "الفيروس لم يعد مستورداً بل متوطنا في الأردن"، وهو كلام يُعاكس اللغة التي استخدمت طوال الأشهر الماضية أن جميع الحالات المُكتشفة قادمة من خارج الحدود.

زار رئيس الحكومة عمر الرزاز مركز حدود جابر مع فريق من الوزراء لطمأنة الناس، وأمر بتشكيل لجنة ميدانية لتقصي الواقع، والحقيقة التي لا تخفى عن الناس أن التحرك الجديّ للحكومة جاء بعد أن "وقعت الفأس بالرأس"، وأصبح معبر جابر بؤرة لتصدير فيروس كورونا للداخل الأردني.

الدكتور نذير عبيدات الناطق باسم لجنة الأوبئة يقول بفصيح العبارة "الأردن على مُفترق طرق الآن" بعد أن انتقد بشدة الإجراءات المُتهاونة على كل مراكز الحدود البرية، وتحدث عن برتوكولات كان يفترض تطبيقها على الحدود بشكل دقيق وصارم، وانتهى للقول "دول الجوار المُصنفة بأنها حمراء تجعل الأردن في خطر دائم".

التزايد المفاجئ للإصابات بفيروس كورونا بعد حالة الاسترخاء التي عاشها الناس في الأردن منذ تخفيف حظر التجول، وعودة جميع المؤسسات للعمل اربك عودة الحياة إلى طبيعتها بشكل دائم، واوقف مخطط إعادة فتح المطار لاستقبال رحلات  اعتيادية مع مجموعة من الدول المُصنفة خضراء إلى إشعار آخر، والحقيقة ان الناس تضع أيديها على قلوبها خوفا من تمديد ساعات حظر التجول، والتراجع عن قرار فتح المدارس والجامعات للتعليم المباشر، والأهم أيضا أن الانتخابات البرلمانية التي يُفترض أن تجري في العاشر من شهر نوفمبر القادم قد تُصبح ضحية جائحة كورونا؛ فتؤجل هي الأخرى لوقت غير معلوم.

إجراءات الحكومة وتدابيرها في مواجهة فيروس كورونا لم تعد تحظى بالمديح والإطراء مثلما كان يحدث عند بدء الجائحة، فالمجتمع مُتذمر من استسهال الحكومة للتضييق على حرياتهم الشخصية، ولا يُرحبون بأي حال من الأحوال بالعودة للحظر والإغلاق، وينظرون لتجارب دول أصغر من الأردن، وسُجل بها إصابات أكثير بكثير، ومع ذلك حافظت على وتيرة الحياة، وظلت أرقام الوفيات عندها محدودة جدا، ومنظومتها الصحية والطبية لم تنهار، وبقيت متماسكة.

والسؤال الذي يطرحه الأردنيون مما تخاف حكومتنا إذن؟ وهل منظومتنا الصحية هشة وغير قادرة على التعامل بكفاءة مع تزايد الحالات؟ ولماذا لا تُجرب خيارا غير الحظر والإغلاق، فالناس مخنوقة، وعلى شفير الانهيار؟!

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.