ترامب أحجم عن وضع جدول زمني للانسحاب الكامل من العراق.
ترامب أحجم عن وضع جدول زمني للانسحاب الكامل من العراق.

قبل وصول رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي إلى واشنطن، كان الحديث أميركيا وبحسب صحيفة "نيويورك تايمز" عن انسحاب للقوات الأميركية من بغداد في الأشهر المتبقية قبل الانتخابات في 3 نوفمبر. هذا الأمر لم يترجم عمليا في المحادثات بين الجانبين، وتلخص في نجاح الكاظمي في حصد ضمانات أميركية على المستوى الأمني والاقتصادي.

زيارة الكاظمي للولايات المتحدة، الأولى لأي رئيس وزراء عراقي منذ ثلاثة أعوام، هي الأنجح بين أسلافه طبقا لما حصده رئيس الاستخبارات السابق من دعم وتعاون استراتيجي ونظرا لمستوى الاهتمام الذي لقيه من الأميركيين بشكل دفعه إلى تمديد الزيارة بدل المغادرة يوم الخميس. 

النجاح الاقتصادي كان في توقيع عقود نفطية وصل حجمها الـ8 مليار دولار مع شركات أميركية ستتيح لبغداد استنهاض قطاعها النفطي وتقليل الاعتماد على إيران. هذه الشركات هي شيفرون وهانيويل أنترناشونال وبيكر هيوز وجنرال إلكتريك وستيلر إنرجي. في الميدان الإنساني، قدمت الإدارة الأميركية مساعدات وصلت إلى 204 مليون دولار للعراق للمساعدة في ملفات اللاجئين، التنمية وتفشي وباء الكورونا.

الا أن المستوى الأنجح للزيارة يتمثل اليوم بالصعيد السياسي والأمني وبحيث كان هناك وضوح أميركي بالتزام واشنطن بمساعدة بغداد وضرورة التصدي للميليشيات المدعومة من إيران. الرئيس الأميركي دونالد ترامب أكد للكاظمي من البيت الأبيض أن القوات الأميركية "موجودة في العراق لمواجهة أي تحرك إيراني محتمل في حال اضطرها الأمر".

مسؤول كبير في الادارة أكد للصحافيين يوم الأربعاء أن الزيارة لن تخرج بجدول زمني للانسحاب، بل ستبحث التنسيق الأمني بين الجانبين.

هذا يعني أن لا انسحاب أميركي سريع من العراق وأن الكاظمي أمامه فسحة أمنية وسياسية لمحاولة التعاطي مع الجماعات المسلحة في بغداد ونيل التزام أميركي باستمرار الدعم لعدم عودة داعش وتقوية السلطة المركزية أمنيا في العراق.

فالصواريخ والاعتداءات التي طالت القواعد العسكرية ذات الوجود الأميركي والهجمات على متعاقدين مع الجنود الأميركيين غيرت العمل التكتيكي للقوات الأميركية، إلا أنها لن تجبرها على الانسحاب. 

الكاظمي يمثل اليوم فرصة حقيقية قد تكون الأخيرة أمام العراق لتقوية البنية التحتية للدولة العراقية بعد 17 عاما على الغزو، ولإصلاح علاقات بغداد مع الجوار من ضمنهم دول مجلس التعاون الخليجي ومع إيران وتركيا على أساس احترام السيادة العراقية.

وفي الوقت عينه، ثمة تحديات جمة أمام الكاظمي، أبرزها الفساد وسلطة الميليشيات. فكيف يتم قنص نشطاء في وضح النهار في البصرة وبغداد والناصرية وكربلاء في جرائم تستهدف ترهيبهم، واغتيلت الأربعاء الناشطة رهام يعقوب بعد اغتيال هشام الهاشمي الشهر الفائت وعلي الخافجي وتحسين علي وكوكبة من الناشطين؟ 

أين المحاسبة وأين هيبة الدولة العراقية ومسؤوليتها بحماية شبابها وشباتها؟ لا يكفي إقالة مسؤولين في وزارة الداخلية وإصدار بيانات وتغريدات منددة، المطلوب اليوم العدالة ومحاسبة المجرم ومن يقف وراءه وكشف هوياتهم.

الملف والتحدي الثاني هو الفساد. فكيف يعقل أن خامس أغنى دولة نفطية في العالم عاجزة عن تقديم أبسط الخدمات الكهربائية والمائية لمواطنيها وتعاني عجزا بما يقارب الـ24 مليار دولار وأكثر من 25 في المئة من نسبة البطالة بحسب أرقام البنك الدولي؟

الدعم الدولي والزيارات الدبلوماسية قد تنجح في شراء الوقت ومنح بعض الاستقرار الأمني للكاظمي في بغداد، بيد أن التحدي الأصعب هو الداخلي ومحاربة شبح الفساد والتفشي الميليشياوي في البلاد. 

هذا هو امتحان العراق الأكثر تعقيدا، والذي على أساسه سيتقرر مستقبله بين دولة ذات سيادة تحمي شبابها وتحاسب المجرمين، ودولة تتفكك في الداخل وغير قادرة على كسر قبضة الميليشيات ومن يحميها في الخارج.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.