الاتفاق قضى أيضا بتعليق إسرائيل لضم إراض في الضفة.
الاتفاق قضى أيضا بتعليق إسرائيل لضم إراض في الضفة.

في هذه اللحظات التاريخية وأنا أشهد بداية السلام بين دولة الإمارات العربية المتحدة ودولة إسرائيل في الإتفاق "الإبراهيمي" الأخير يحضرني العديد من المعانى عن السلام ومنها كلمة المسيح الخالدة " طوبى لصانعي السلام" وهي الكلمة التي بدأت بها مقالتي.

وهناك فارق كبير بين أن يعيش الإنسان في سلام مع الآخرين وبين أن يصنع السلام. فالأولى عمل رائع ولكنه سلبي يكتفي فيه الإنسان بأن لا يعتدي على أحد. أما "صناعة السلام" فهي عمل إيجابي يتطلب مجهود لتحقيق السلام بين الناس بدلاً من التناحر والصراعات الذي قد تدمر الجميع.

وما حدث في الآونة الأخيرة من إقرار معاهدة سلام بين دولة الإمارات العربية المتحدة وبين دولة إسرائيل وبرعاية الولايات المتحدة الأميركية كان مثالاً رائعا لصناعة السلام.

فهذه المعاهدة لن تفتح مجال للتعاون المثمر بين الدولتين فحسب، بل ستعطي مثالاً رائعاً للعديد من الدول الأخرى لتقتدي بهذه الخطوة الرائدة. وأصف هذه الخطوة بأنها رائدة لأنها قامت بهدف رائع ألا وهو "السلام لأجل السلام" وياله من هدف سامي بكل المقاييس.

ومن الواضح أن التحرك الإماراتي الإسرائيلي الأميركي الأخير لأجل إعلان هذا الاتفاق التاريخي قد بدأ يثمر حتى قبل أن يبدأ.

فعلى ما يبدو فإن الكثير من الشعوب العربية بدأت تدرك أن استمرار حالة الكراهية مع إسرائيل وتفضيل مصالح الفلسطينيين على مصالح دولهم لن يساعدهم في النمو والنهوض ببلادهم بالصورة التي يتمنونها.  

ومن الأشياء المميزة في هذه الاتفاقية التاريخية أنها أخذت بعداً دينياً يناسب منطقة الشرق الأوسط بأن تم تسميتها بالاتفاق الإبراهيمي.

وحينما نتكلم عن الأديان الإبراهيمية أي اليهودية والمسيحية والإسلام فإن مبدأ السلام محفوراً ومطوياً في أسطرها جميعاً. 

فمن كلمة المسيح الخالدة "طوبى لصانعي السلام" والتي جعلتها عنواناً للمقالة إلى معاني السلام المتكررة في العهد القديم والتوراة مثل:  
سفر الأمثال 12: 20
اَلْغِشُّ فِي قَلْبِ الَّذِينَ يُفَكِّرُونَ فِي الشَّرِّ، أَمَّا الْمُشِيرُونَ بِالسَّلاَمِ فَلَهُمْ فَرَحٌ 

سفر يشوع بن سيراخ 1: 22
إِكْلِيلُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ الرَّبِّ.. إِنَّهَا تُنْشِئُ السَّلاَم وَالشِّفَاءَ وَالْعَافِيَةَ،

سفر إشعياء 52: 7
مَا أَجْمَلَ عَلَى الْجِبَالِ قَدَمَيِ الْمُبَشِّرِ، الْمُخْبِرِ بِالسَّلاَمِ، الْمُبَشِّرِ بِالْخَيْرِ، الْمُخْبِرِ بِالْخَلاَصِ

سفر يشوع بن سيراخ 38: 8
فَيَحِلُّ السَّلاَمُ مِنَ الرَّبِّ عَلَى وَجْهِ ا الأَرْضِ   

أما عن القرآن فحدث ولاحرج، فالسلام هو اسم من أسماء الله الحسنى"هو الله الذي لا اله الا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن " (سورة الحشر آية 23)

والسلام هو اسم جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب فسماها دار السلام" لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون" (سورة الأنعام 127)

والسلام هو تحية من سيدخلون الفردوس الأعلى" أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما" (سورة الفرقان آية 75) وقوله تعال "دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام" (سورة يونس آية 10).

والسلام هو تحية الرحمن لكل المرسلين "وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِين" (سورة الصافات أية 181).  
   
وأختتم كلماتي هنا بأن أقول أن كل من شارك في صناعة هذا السلام من قادة سواءً كان فخامة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أو ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد أو رئيس وزراء دولة إسرائيل بنيامين نتانياهو  لهم كل التحية من كل محبي السلام في العالم فهم أناس صنعوا السلام للملايين من البشر وضربوا مثالاً للكثيرين لكي يقتدوا به ويتأسوا بهذه الخطوة التاريخية كي يعم السلام بدلاً من الحروب والمحبة بدلاً من الكراهية ويسود الوئام بدلاً من أيديولوجيات الموت والصراع في الشرق الأوسط والذي يكاد أن لا ينتهي.

ولا أجد كلمات أنهي بها هذا السرد إلا ما بدأت به المقالة أولاً ألا وهو "طوبى لصانعي السلام".

وللحديث بقية!

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.