الاتفاق الإسرائيلي الإماراتي أبرم برعاية أميركية.
الاتفاق الإسرائيلي الإماراتي أبرم برعاية أميركية.

إعلان الإمارات وإسرائيل عن إقامة علاقات رسمية بين البلدين، أحدث ارتباكا وبلبلة واسعين في صفوف محوري "المقاومة والممانعة" ومحور "الإخوان المسلمين"، لجهة أنه أدخل عاملا جديدا في المعادلات القائمة.

بلبلة وارتباك

ورغم أن الدول والجماعات التي تتزعم المحورين قد اشتركت في إدانة الخطوة الإماراتية، واستخدمت تعبيرات ثقيلة في وصفها من قبيل "الخيانة" و"طعنة في الظهر" وما شابه، إلا أن ذلك لم يكن أكثر من هدنة، فرضت عليهما، وسرعان ما سيعودان إلى شاغلهم الأساسي - الحرب الإعلامية والسياسية المستعرة بينهما من جهة، وفي مواجهة المحور الثالث المعروف بمحور "الاعتدال" من جهة ثانية.

والواقع أن أي حدث يتعلق بالقضية الفلسطينية، التي يحرص كلا من محور "المقاومة" ومحور "الإخوان" على تبنيها واعتبارها قضيته الأساسية، إنما يشكل فاصلا أو استراحة للمتحاربين، حيث يمكنهما أن يزايدا على بعضهما البعض وعلى الفلسطينيين في الدفاع عن الأقصى وعن ضرورة اعتماد الكفاح المسلح لإرجاع الأراضي الفلسطينية.

وتظهر هذه المزايدات واضحة في إنكار كل طرف على الآخر جديته في محاربة إسرائيل والتصدي لها، بل يذهب بعضهم إلى حد التشكيك في النوايا والخطابات، معتبرين (كما في حالة الموقف من عداء "حزب الله" لإسرائيل)، أن ذلك مجرد ادعاء وخداع يخفي وراءه الأهداف الحقيقية في تفتيت الأمة الإسلامية والعمل على تمكين إيران من السيطرة عليها... إلخ!

هل الاتفاق تاريخي؟

على الرغم من محاولة بعض الأطراف التهوين من شأن الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي، باعتباره مجرد إعلان عما كان يدور في الخفاء منذ سنوات، إلا أن الحقيقة هي أنه مهم في حد ذاته، ولعل انفلات ردود الفعل العنيفة وكذلك الشاملة (حيث استنفر الإسلاميون والقوميون، باختلاف طوائفهم، كامل ماكينتهم الإعلامية والسياسية) ضد الاتفاق، إنما تعني أنه بالفعل حدث كبير وتاريخي بكل المقاييس.

وكون الاتفاق تاريخي لا يعني أنه جيد أو سيء، بقدر ما يعكس حقيقة أنه اختراق كبير في العلاقات بين إسرائيل والدول العربية.

وهذه العلاقة الجديدة مع الإمارات بالذات تختلف عما سبقها، فهي ليست مرتبطة بالأراضي أو بالحدود، كما في حالة مصر والأردن، وهي أيضا ليست مرتبطة بمقابل مالي أو مساعدات عسكرية تدفعها الولايات المتحدة عادة من أجل ضمان بقاء الاتفاق على قيد الحياة. 

إنها علاقة تقوم على أساس المصالح المباشرة، كما هو الحال بين أية دولتين. وبالتالي فهي تدشن مرحلة جديدة في المنطقة، وتؤسس لتعريف لم نألفه سابقا في أدبيات النزاع العربي الإسرائيلي، ألا وهو "السلام مقابل السلام". ولهذا السبب بالذات فهو قد يفتح المجال لدول خليجية وعربية أخرى للحذو حذو الإمارات.

هل يصمد الاتفاق؟

هل يصمد الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي، في الوقت الذي تحولت فيه الاتفاقيات بين إسرائيل ومصر والأردن إلى مجرد علاقات رسمية بروتوكولية أو ما درج على تسميته بالسلام البارد؟

هنا أيضا يبدو الأمر مختلفا. فالشعوب الخليجية، وبينهم الإماراتيون، يميلون عادة إلى الامتثال وتأييد سياسات حكوماتهم. ومن النادر أن تواجه هذه الحكومات معارضة في علاقاتها مع الدول الأخرى. 

وبخلاف بعض الدول العربية، ففي الخليج لا توجد أحزاب أو تيارات مرتبطة عضويا بالأنظمة والجماعات الخارجية، سواء الإسلامية أو القومية. ومعظم الجمعيات إن وجدت، فهي تدور في فلك الدولة، ولذلك فإنه من غير المتوقع أن نشهد احتجاجات أو تظاهرات ذات قيمة مناهضة للاتفاق. 

على العكس من ذلك، من المرجح أن تولد التصرفات الفجة من بعض الدول والجماعات والأفراد في عدد من الساحات العربية ضد الإمارات، وخصوصا إهانة وإحراق العلم الإماراتي وصور ولي عهد أبوظبي، ردة فعل عكسية لدى الإماراتيين، ربما تجعلهم لا يقبلون فقط بالعلاقات مع إسرائيل، وإنما يدافعون عنها أيضا.

يخدم أم يضر؟

هل الاتفاق يخدم الفلسطينيين أم يضرهم؟ قيل الكثير في هذا الأمر، فهناك من اعتبره "ضربة قاسية للفلسطينيين"، وهناك من اعتبر أنه "يصب في مصلحة الفلسطينيين". لكن حجم التأييد العربي والدولي له (بما في ذلك الأمم المتحدة)، ومعارضة دولتين فقط (تركيا وإيران)، يجعله قابلا للاحتمالين، أي جلب الفائدة أو الضرر، وبحسب الطريقة التي يجري التعامل معه.

فهو قد يكون مفيدا من جهة، فربما يخفف، على المدى المتوسط، من عزلة الإسرائيليين ويبدد حالة الخوف المزمنة لديهم والحاجة للشعور بالأمن في مواجهة المحيط العربي، ما ينعكس إيجابا على تعاملهم مع الفلسطينيين، لكنه قد يكون ضارا في حال تصرف الفلسطينيون بعداء ضد الإمارات وسمحوا لمحوري "الإخوان" أو "المقاومة" بمواصلة استغلال قضيتهم والعبث بها.

وأخيرا، أيا كان الموقف من اتفاق السلام الإماراتي الإسرائيلي، فإن الصحيح هو أن الإمارات دولة ذات سيادة ومن حقها أن تتخذ ما تشاء من المواقف والسياسات في نطاق سلطتها وبما ينسجم مع مصلحتها، بالضبط كما تفعل باقي الدول، بما في ذلك تركيا وإيران وحتى السلطة الفلسطينية. أما حديث التخوين والضرب والطعن وما شابه، فهو مجرد "لغو" كنا نعتقد (مخطئين) أننا قد تجاوزناه منذ أمد بعيد.   

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.