الملكة رانيا.
الملكة رانيا.

في سبتمبر من عام 2019، كتبت مقالا في "زاوية حرة" على موقع "الحرة" تحت عنوان "الملكة والعرش"، وكان المقال على خلفية أزمة نقابة المعلمين حينها بإضرابها الشهير والطويل والذي انتهى إلى تسويات مقبولة أعادت الحياة إلى المؤسسات التعليمية التي تعطلت لفترة ليست قصيرة، وكان الخلاف حينها قد وضع أكاديمية الملكة رانيا لتدريب المعلمين في واجهة الأزمة، مما وضع بالضرورة الملكة نفسها في مواجهة عامة، وهي ليست مواجهتها الأولى منذ انتقلت من ظلال الملك كزوجة له إلى دائرة أضواء السيدة الأولى في الأردن وتحمل اللقب الفخري كملكة.

في المقال، كنت قد بدأت باستهلال على صيغة سؤال مفاده: هل زوجة الملك الأردني متنفذة فعلا في الأردن أم أنها ضحية عملية "شيطنة" لشخصها؟

وفي المقال حينها ووقتها في تلك المرحلة من الأزمة، انتهيت في خلاصاتي إلى أن نفوذ الملكة القوي والفاعل والمؤثر، جعل الحديث علنيا عن دور مؤسسات ترعاها الملكة شخصيا في قطاع التعليم، وهو القطاع الذي اختارته الملكة رانيا الياسين لتضع كل جهدها فيه، وطرحت وقتها سؤالا كان نصه: تلك الجهود الواسعة والحثيثة، إلى أين بالضبط؟ وإذا كانت الملكة فعليا مسؤولة عن ملف التعليم، فلماذا انتهت مؤسساتها إلى أن تكون خصما لقطاع التعليم العام والخاص على حد سواء ونقابة المعلمين؟

كان ذلك في سبتمبر من عام 2019، ولم تكن جائحة الكورونا حينها على بال أحد.

في الجائحة، وهي قد صارت خلفية أي مشهد على الكوكب، وفي أحيان كثيرة أداة لتغيير المشاهد السياسية أيضا في بعض الدول، كان الأردن "الفقير في موارده" والمتخبط في اقتصاده الممنهج على "البركة"، يحاول إدارة كل شيء معتصرا خبرته البيروقراطية الثمينة فعلا، بحكومة استطاع رئيسها "الليبرالي جدا" أن يكتسب أسوأ شعبية متسارعة الانحدار.

في خضم الأزمة، التي بلا شك عصفت بالاقتصاد الأردني الذي هو عصف مأكول أساسا، اشتعلت من جديد مثل حريق متعمد بفعل فاعل، أزمة أشد ضراوة وشراسة بين نقابة المعلمين والحكومة لتتسع وتصبح أزمة سياسية في الدولة الأردنية.

هذه المرة، كانت الأزمة تتعلق بحزمة مطالب تقدمت بها النقابة مشفوعة بتهديدات شديدة اللهجة.

وهذه المرة، كان قانون الدفاع الذي يحكم كامل الدولة الأردنية بسبب جائحة الكورونا، هو الرد الشرس من قبل الحكومة وأجهزة الدولة الأمنية، فتم حل النقابة بقرار نائب عام (!!)، الذي قرر أيضا بسلطة قضائية (رغم أنه موظف تنفيذي)، أن يعتقل أعضاء مجلس النقابة، وشمل ذلك حملة اعتقالات أمنية طالت ناشطين في كل أنحاء المملكة.

مطالب النقابة، كانت بمعظمها تتعلق بالمستوى المعيشي للمعلمين، وهو مستوى معيشي مقارب لكافة موظفي القطاع العام الأردني الذي يعاني عموما من تدني الرواتب قياسا إلى الغلاء المعيشي.

رد الحكومة كان قاسيا بإغلاق النقابة واعتقال أعضاء مجلسها، على رأسهم النقيب الإخواني المثير للجدل بتصريحاته وهو فعليا نائب النقيب بعد وفاة نقيب المعلمين السابق في حادث سير.

كان واضحا أن الأزمة هي بين تيار الإخوان المسلمين (المتهم بالسيطرة على مجلس نقابة المعلمين رغم نسبته العددية القليلة) والدولة الرسمية الأردنية بكل واجهاتها السياسية والأمنية.

وكعادة التيار الإخواني في القيادة الشبحية المتمرسة لأي مشهد، استطاع ان يعمل على تجييش العاطفة العامة للوقوف مع النقابة، موظفا حماقة التصرف الرسمي الشرسة والقاسية في الرد على مطالب نقابة المعلمين فكان التوظيف امتيازا وميزة لتيار النقابة بقيادة "إخوانية" هي بعيدة بما يكفي لدرء التهمة عن حضور إخواني مسيطر، وهي قريبة بما يكفي للتفاوض على ما هو أكبر وأعمق من أزمة النقابة.

فعليا، كانت معركة كسر عظم سياسي بين الدولة "الأمنية" في الأردن وتيار الإخوان المسلمين بعمقه الإقليمي، صراع أفيال كان "جمهور المعلمين والمتعاطفين" فيه الحشائش الخضراء.

وطبعا، سيبرز مرة أخرى في معركة بهذه الضراوة، دور أكاديمية الملكة، والملكة نفسها!

--

كان ياسر أبوهلالة، مراسل قناة الجزيرة السابق ثم مديرها العام في الدوحة قبل أن يغادرها، قد اقتحم المشهد بإدراج على صفحته الفيسبوكية، ليتحول فورا وبسرعة قياسية إلى مقال رأي تنشره صحيفة "عمون" الإلكترونية وهي شديدة الانتشار في الفضاء الأردني وشديدة الحساسية الأمنية أيضا.

مقال أبوهلالة كان عنوانه مثيرا للشهية في اختيار المفردات ووضعها في مصفوفة سؤال: "استهداف الملكة أم استهداف الملكية؟"، وهذا عنوان يحمل اتهامات جريئة جدا ومحفزة للقراءة، خصوصا أن كاتبها صحفي "تلفزيوني" عريق ومسيس.

ومثل غيري، قرأت المقال، فوجدت أن الإثارة الحقيقية تتوقف عند العنوان فقط.

وباقي المقال ليس أكثر من اتهام بأن من ينتقدون أدوار الملكة هم "عنصريون" يغمزون من قناة أصول الملكة الفلسطينية!! طبعا مع محكيات ومرويات من التراث السياسي الأردني الحديث عن أدوار ملكات الأردن خصوصا الملكة زين الشرف، والدة الملك الراحل حسين والتي كانت معروفة بشخصيتها القوية والمسيطرة.

ثم وفي دفاع "مدهش" عن أكاديمية الملكة يحاول أبوهلالة أن يسحب "الإخوان" من كابينة قيادة نقابة المعلمين، ويرمي حبالا مجدولة من التسويات مع "الدولة الأمنية" من خلال زوجة الملك!!

مقال أبوهلالة كان التقارب الأكثر جدية بين تيار الإخوان المسلمين والأكاديمية - حسب علمي- بعد التقارب المشغول بعناية إعلامية ناعمة بزيارة النائب "الإسلامي" حاد الطباع صالح العرموطي إلى الأكاديمية بعد أن جلدها بسياط خطاباته النارية ليخرج منها بتصريحات ناعمة ورقيقة ومعتذرة عن كل ما قاله.

عند تلك النقطة، قمت بما كان يجب ان أقوم به عام 2019 كصحفي محترف يبحث عن المعلومة، فتواصلت - عبر أصدقاء- مع مكتب الملكة "الصحفي"، وانتهيت إلى حوار "متلفز عبر الإنترنت" مع رئيس أكاديمية الملكة رانيا للتدريب الدكتور أسامة عبيدات.

--

بتهذيب بالغ ولغة مدججة بالأرقام وأجوبة حاضرة بلا تردد، كان الحوار لمدة ساعة ونصف، أكثر ما فاجأني فيه الدكتور عبيدات تصريحه بأن لا صحفي أردني، على الإطلاق تواصل معه أو مع الأكاديمية مباشرة بأي سؤال أو استفسار على خلفية كل الأزمة، وهذا لوحده يترك فراغا واسعا ومتاحا للهجوم والرأي الآخر ليصبح وحيدا ومنتشرا وغالبا.

وفعلا، كان رئيس الأكاديمية منطقيا بطرحه أن الأكاديمية ليست طرف سياسي في أزمة سياسية أصلا، ولا يجوز أن تكون.

الحوار يصلح لمقابلة صحفية لها مقامها في منابر غير منبرنا هذا المكرس لمقالات الرأي، لكن مجمل ما يمكن الحديث عنه أنه وعلى أرض الواقع فقد تم التجني كثيرا على الأكاديمية في الأزمة الأخيرة، وتوظيف الصراع معها أخذ بعدا سياسيا بطريقة ملتوية.

برأيي الشخصي وهذا ما رفض الدكتور عبيدات الخوض فيه (وأحترمه على الالتزام الموضوعي)، أن التيار الإخواني وجد في الأكاديمية توظيفا سياسيا يصلح في حالات الصيد في مياه التربية والتعليم المتعكرة منذ سنوات، أو للخروج من الورطة السياسية عبر تلميع الأكاديمية عند الحاجة كما في حالة النائب العرموطي ثم مقال أبوهلالة الأخير.

في مقالي السابق، أشرت لـ 11 مؤسسة على أنها تابعة لمؤسسة الملكة رانيا، وهذه معلومات استقيتها من مصادر صحفية أردنية، ليؤكد لي عبيدات خطأ المعلومة بالكامل، وأن المؤسسات الفعلية التابعة لمؤسسة الملكة رانيا هي: \

أكاديمية الملكة رانيا لتدريب المعلمين، صندوق الأمان لمستقبل الأيتام، جمعية جائزة الملكة رانيا للتميز التربوي، مدرستي، الجمعية الملكية للتوعية الصحية ومؤسسة نهر الأردن.

تلك تفصيلة مهمة لا في محتواها الذي لا يزال يحتاج متابعة صحفية، لكن في عملية التضليل التي استهدفت مؤسسات زوجة الملك في سياق استهداف سياسي لها، فأصاب مؤسسات مهنية تقدم مستوى جيدا من الخدمة.

شخصيا، لم أكن أعلم أن النقابة قامت بتسجيل مؤسسة تدريب مهني باسمها (التسجيل فعليا كان عام 2017)، كشركة محدودة المسؤولية، وهذا يضع النقابة المشغولة بصراعات السياسة أمام عدة أسئلة في موضوع التدريب وتأهيل المعلمين، غير تضارب المصالح في عضوية اللجان الرسمية وهي التهمة التي استهدفت الأكاديمية نفسها.

ومن تفاصيل الحديث أعرف من رئيس الأكاديمية مثلا أن أسماء معروفة مثل رئيس فرع النقابة في الكرك وأحد أهم منتقدي الأكاديمية هو خريج من الأكاديمية نفسها! وانتقاداته الموجهة هي حقه، كما أن تعلمه من الأكاديمية ليس تهمة لكن هي تساؤلات مشروعة في صراع اختلط فيه المهني بالسياسي.

في خلاصة الحوار مع الأكاديمية المعنية بتدريب المعلمين، وجدت نفسي معتذرا لرئيسها عن خطأي بعدم التواصل سابقا، وأجدني أعتذر عن أخطاء "في المعلومات" وقعت بها.

نعم، الملكة وهي زوجة الملك، ذات نفوذ وحضور قوي في الحياة السياسية الأردنية، وهذا واضح ولا يمكن نفيه، وهذا الحضور سمح للاعبين في المشهد السياسي أن يضعوها وكل ما يحمل اسمها على لوحة الاستهداف ومن ذلك كان استهداف أكاديمية تدريب المعلمين، التي تقدم جهدا محترما في قطاع التعليم المنهك والمتعب والأكثر حاجة لإعادة البناء من جديد.

في الأردن، هناك حاجة حقيقية لمثل تلك الأكاديمية وتلك المؤسسات التدريبية المحترفة، في ظل واقع تعليمي مهلهل لا يمكن إنكار بؤسه، وجزء كبير من بؤسه كان منهجية تيار الإخوان التربوية والذين سيطروا على قطاع التربية والتعليم لعقود طويلة.

سوء حظ الملكة، أو ربما سوء تخطيط ما، أن كل ذلك انفجر في حضورها المباغت للمشهد كله.

الأكاديمية، مثلها مثل كثير من المؤسسات "الليبرالية" تشبه تلك العربة "المخملية الجميلة" التي يضعونها أمام الحصان، في الحالة الأردنية فقط، تم وضع العربة وقد فقد الجميع ذلك الحصان.
 --

ملاحظة على ضفاف السياق:

في الأردن، تتولد الأزمات يوميا وبشكل مدهش يعكس احتقان الدولة كلها.

في مقال أبوهلالة، تحدث الزميل باستهلاله عن أصول الملكة رانيا كفلسطينية، وأن الكثير يستهدفها بسبب تلك الأصول، وهذه رمية حجر موجعة في مياه ليست راكدة.

أثناء كتابة وتحضير هذا المقال، اشتعلت أزمة جديدة في الأردن خلفيتها كانت بحاكم إداري "محافظ" وجه كلاما قاسيا لوالد أحد المعلمين المعتقلين بقوله "يا غريب كن أديب"، بتعريض واضح عن أصول هذا المواطن الفلسطينية. 

المواطن نفسه نشر بيانا على الفيسبوك معاتبا بوجع ذلك التعريض بمواطنته، مع أن ابنه المعتقل والمعلم الأردني حامل المواطنة يعرف نفسه في الفيسبوك على أنه لاجئ من بئر السبع!!

فكرت قليلا بالمفارقة: عن الفرق الواسع ثم التقاطع المشترك بين المواطن عبدالله الفرحان والمواطنة رانيا الياسين.

كلاهما من أصول فلسطينية، وكلاهما يتعرض للتنمر على مبدأ الهوية الوطنية.

السيد عبدالله والد معلم معتقل يرى نفسه لاجئا حتى اليوم، والسيدة رانيا هي الملكة في الأردن، أما المتنمر نفسه (والمحافظ نموذج من نماذجه) فهو يد الدولة وذراعها الحديدي بكل ملحقاته الإعلامية والإلكترونية.

تلك ازدواجيات مدهشة لا تجدها إلا في الأردن، ولا تنمو وتتسع شجونها وفروعها إلا في كيانات ما دون الدولة، فالدولة - دولة المؤسسات والقانون والدستور- هي ألا يحدث ذلك كله.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.