لمواساته في أحزانه، والتخفيف من ثقل همومه، والإفساح لبعض الأمل الذي يعينه على بعض التماسك والاستمرار، يتكىء الإنسان على لغته التي ابتكرها، كسندٍ يستلهم الدين والأخلاق تارة، والشعر والأدب والأقوال المأثورة تارة أخرى، وهو يدرك في داخله أنها مجرد كلمات يتواطأ معها، ويتشبث بمعانيها، مثل قشة قد تقه من الغرق.
في هذا العام العصيب والاستثنائي على البشرية جمعاء، وعلى بلادنا المتوسطية بشكل أكبر وأكثر ثقلا، ارتفعت وتيرة تبادل العبارات الإنشائية المتعلقة بالآمال والأماني، مثل الصبر مفتاح الفرج، وإن مع العسر يسراً، ولعل أبرز مايتردد كل حين، قول الإمام الشافعي: "ضاقت فلما استحكمت حلقاتها.. فرجت وكنت أظنها لاتفرج".
وهو قول من أقوال، رغم نبله وتفوقه في البلاغة اللغوية والأثر البلسمي، يظل أشبه بمسكنّ، لايختلف عن سواه من المسكّنات اللغوية والمعنوية، أو أدبيات الحكومات، التي تلجأ إليها كحبل نجاة، يعينها دوماً على التهرب من استحقاقاتها ومواجهة احتقان شعوبها، وبث الطمأنينة الزائفة عبر وعود واهية، لتأجيل الحلول الإنقاذية إلى أجل غير مسمى.
المشهد العام اليوم، من لبنان إلى الشام، وصولا إلى العراق واليمن وليبيا، متشابه في كارثيته التي تخف وطأتها هنا قليلا، أو تقوى هناك قليلا، دون أن تنأى باقي الدول التي –تظن- أنها مستقرة، من الآثار البعيدة أو المحتملة، جراء تدهور الوضع العربي العام.
شعوب هذه الدول، باتت فقيرة أو معدمة، ضعيفة، مذلولة وبلا كرامة، غير آمنة، يائسة وبائسة، فاقدة للحماس، لاتعرف طعم السعادة ولاتدرك ماهي البهجة. التعليم مستمر في انحداره مما ينذر بأشد مخاطر الجهل، والصحة في تراجع مع الغلاء المتوحش وتدهور الأمن الغذائي.
الخوف فيها مستقر، والقلق مستبد، لاثقة بإحقاق الحق أو بالعدالة، مع تصاعد وانتشار مرعبين للاضطرابات النفسية، وفقدان الإحساس بالانتماء، وتنامي الرغبة في الهروب، إما بالسفر والهجرة، أو إلى العدم، وأبرز أشكاله المتصاعدة ارتفاع نسبة الانتحار بين الأجيال الشابة.
هذا التحطيم لإنسانية الانسان، ليس نتيجة لكوارث طبيعية رمت بها السماء يمكن مواجهتها ببعض العقل والتخطيط، وليس قضاء وقدراً يمكن الاستكانة لهما والانصياع لجبروتهما، وماتتذوقه هذه الشعوب من مرارات يومية، هو صناعة بشرية متقنة، تحالفت فيها جميع تجليات الفساد المحلي والأممي وتغولت، لوضع هذه الشعوب ضمن خانة المهزومين.
ولأن المهزوم لايقوى على شيء، ولايفكر بشيء، ولايعترض على شيء، تنشط في غياب حيويته، كل أشكال الاستبداد السياسي وتقوى عزيمتها أكثر، وينشط الفكر الديني الترهيبي، والعصبيات والطائفية والسلفية، لجره إلى براثنها والإيحاء له بأنها مكمن الخلاص.
وتحلل السرقة، ومديح "الشطارة والفهلوة" في بِدع النصب، ويكثر الدجالون والمهرطقون الذين يقرأون في الغيب، مع نشاط مواز لكافة أشكال جذب الأفراد إلى البيئات الهدامة، وأبرزها تعاطي المخدرات بأشكالها.
لقد ضاقت حلقاتها جداً، وتراكمت آثارها مثل جبال للخردة البشرية، ووصل نفير الخطر إلى أقصى حدوده الحمراء، بحيث بات بعض الأفراد يتمنون الاصابة بفايروس كورونا من أجل الخلاص من الحياة، مع انتشار وترحيب بثقافة الموت ورش السكر عليه، وتشييع الفكر الاستسلامي الذي يعتبر أن كل من انتهت حياته، حتى لو كان قتلا، ارتاح، وذهب إلى عالم أفضل من هذه الحياة الشقية.
مرارات الأعوام الأخيرة، والنصف الأول من هذا العام الاستثنائي، توضع في كفة، وتفجير مرفأ بيروت يوضع في كفة أخرى، بصفته حدث جلل، لايعني اللبنانيين أو كافة الضحايا من جنسيات أخرى فقط، بل بصفته مفصل تاريخي يعني جميع شعوب المنطقة، فجَّر معه كل التراكمات والأثقال التي وضعت قسراً فوق كاهل هذه الشعوب.
حدث، رغم هوله، يعول عليه أن يكون السبب والدافع لتحطيم جميع الحلقات التي ضاقت حد الاختناق، ولأن الوقت يضيق بدوره، واستمرار الاسترخاء في دائرة هذه الحلقات المضيَّقة، والاتكاء على وعود الصبر وانتظار غودو العبثي كي تفرج بنفسها، لن يحدث، ولن يحدث، إن لم يتحرك وعي الأفراد ويستيقظ من جديد، ويسود الادراك بمقدرة الانسان اللامحدودة، مهما تم سحبه نحو هوة الانهزامية، وإيمانه بأنه هو معجزة الكون، القادر وحده على كسر هذه الحلقات، لا أن تكسره هي.
ثمة مباهج، ومسرات كثيرة في الحياة، لنجرب أن نستعيد عافيتنا ونحظى بها قبل فوات الأوان.

