العالم يعاني من تفشي فيروس كورونا المستجد.
العالم يعاني من تفشي فيروس كورونا المستجد.

لمواساته في أحزانه، والتخفيف من ثقل همومه، والإفساح لبعض الأمل الذي يعينه على بعض التماسك والاستمرار، يتكىء الإنسان على لغته التي ابتكرها، كسندٍ يستلهم الدين والأخلاق تارة، والشعر والأدب والأقوال المأثورة تارة أخرى، وهو يدرك في داخله أنها مجرد كلمات يتواطأ معها، ويتشبث بمعانيها، مثل قشة قد تقه من الغرق.

في هذا العام العصيب والاستثنائي على البشرية جمعاء، وعلى بلادنا المتوسطية بشكل أكبر وأكثر ثقلا، ارتفعت وتيرة  تبادل العبارات الإنشائية المتعلقة بالآمال والأماني، مثل الصبر مفتاح الفرج، وإن مع العسر يسراً، ولعل أبرز مايتردد كل حين، قول الإمام الشافعي: "ضاقت فلما استحكمت حلقاتها.. فرجت وكنت أظنها لاتفرج".

وهو قول من أقوال، رغم نبله وتفوقه في البلاغة اللغوية والأثر البلسمي، يظل أشبه بمسكنّ، لايختلف عن سواه من المسكّنات اللغوية والمعنوية، أو أدبيات الحكومات، التي تلجأ إليها كحبل نجاة، يعينها دوماً على التهرب من استحقاقاتها ومواجهة احتقان شعوبها، وبث الطمأنينة الزائفة عبر وعود واهية، لتأجيل الحلول الإنقاذية إلى أجل غير مسمى.

المشهد العام اليوم، من لبنان إلى الشام، وصولا إلى العراق واليمن وليبيا، متشابه في كارثيته التي تخف وطأتها هنا قليلا، أو تقوى هناك قليلا، دون أن تنأى باقي الدول التي –تظن- أنها مستقرة، من الآثار البعيدة أو المحتملة، جراء تدهور الوضع العربي العام.

شعوب هذه الدول، باتت فقيرة أو معدمة، ضعيفة، مذلولة وبلا كرامة، غير آمنة، يائسة وبائسة، فاقدة للحماس، لاتعرف طعم السعادة ولاتدرك ماهي البهجة. التعليم مستمر في انحداره مما ينذر بأشد مخاطر الجهل، والصحة في تراجع مع الغلاء المتوحش وتدهور الأمن الغذائي.

الخوف فيها مستقر، والقلق مستبد، لاثقة بإحقاق الحق أو بالعدالة، مع تصاعد وانتشار مرعبين للاضطرابات النفسية، وفقدان الإحساس بالانتماء، وتنامي الرغبة في الهروب، إما بالسفر والهجرة، أو إلى العدم، وأبرز أشكاله المتصاعدة ارتفاع نسبة الانتحار بين الأجيال الشابة.

هذا التحطيم لإنسانية الانسان، ليس نتيجة لكوارث طبيعية رمت بها السماء يمكن مواجهتها ببعض العقل والتخطيط، وليس قضاء وقدراً يمكن الاستكانة لهما والانصياع لجبروتهما، وماتتذوقه هذه الشعوب من مرارات يومية، هو صناعة بشرية متقنة، تحالفت فيها جميع تجليات الفساد المحلي والأممي وتغولت، لوضع هذه الشعوب ضمن خانة المهزومين.

ولأن المهزوم لايقوى على شيء، ولايفكر بشيء، ولايعترض على شيء، تنشط في غياب حيويته، كل أشكال الاستبداد السياسي وتقوى عزيمتها أكثر، وينشط الفكر الديني الترهيبي، والعصبيات والطائفية والسلفية، لجره إلى براثنها والإيحاء له بأنها مكمن الخلاص.

وتحلل السرقة، ومديح "الشطارة والفهلوة" في بِدع النصب، ويكثر الدجالون والمهرطقون الذين يقرأون في الغيب، مع نشاط مواز لكافة أشكال جذب الأفراد إلى البيئات الهدامة، وأبرزها تعاطي المخدرات بأشكالها.

لقد ضاقت حلقاتها جداً، وتراكمت آثارها مثل جبال للخردة البشرية، ووصل نفير الخطر إلى أقصى حدوده الحمراء، بحيث بات بعض الأفراد يتمنون الاصابة بفايروس كورونا من أجل الخلاص من الحياة، مع انتشار وترحيب بثقافة الموت ورش السكر عليه، وتشييع الفكر الاستسلامي الذي يعتبر أن كل من انتهت حياته، حتى لو كان قتلا، ارتاح، وذهب إلى عالم أفضل من هذه الحياة الشقية. 

مرارات الأعوام الأخيرة، والنصف الأول من هذا العام الاستثنائي، توضع في كفة، وتفجير مرفأ بيروت يوضع في كفة أخرى، بصفته حدث جلل، لايعني اللبنانيين أو كافة الضحايا من جنسيات أخرى فقط، بل بصفته مفصل تاريخي يعني جميع شعوب المنطقة، فجَّر معه كل التراكمات والأثقال التي وضعت قسراً فوق كاهل هذه الشعوب.

حدث، رغم هوله، يعول عليه أن يكون السبب والدافع لتحطيم جميع الحلقات التي ضاقت حد الاختناق، ولأن الوقت يضيق بدوره، واستمرار الاسترخاء في دائرة هذه الحلقات المضيَّقة، والاتكاء على وعود الصبر وانتظار غودو العبثي كي تفرج بنفسها، لن يحدث، ولن يحدث، إن لم يتحرك وعي الأفراد ويستيقظ من جديد، ويسود الادراك بمقدرة الانسان اللامحدودة، مهما تم سحبه نحو هوة الانهزامية، وإيمانه بأنه هو معجزة الكون، القادر وحده على كسر هذه الحلقات، لا أن تكسره هي.   

ثمة مباهج، ومسرات كثيرة في الحياة، لنجرب أن نستعيد عافيتنا ونحظى بها قبل فوات الأوان.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.