المحكمة الدولية الخاصة بلبنان هي أول مؤسسة قضائية دولية دائمة مختصة بمحاكمة الأفراد المشتبه بهم في ارتكاب جرائم إبادة جماعية
المحكمة الدولية الخاصة بلبنان هي أول مؤسسة قضائية دولية دائمة مختصة بمحاكمة الأفراد المشتبه بهم في ارتكاب جرائم إبادة جماعية

منذ أن حصل لبنان على استقلاله لحقت به لعنة الاغتيالات. من رياض الصلح الى محمد شطح، سلسلة متلاحقة لا تتوقف. ناهيك عن تلك التي تتم على شكل تصفيات وبشكل سري صامت أو تلك التي تبدو كحادث أو انتحار أو اختفاء أثر، ولا نعرف عددها.

 طالت الاغتيالات رؤساء جمهورية وحكومات، ووزراء ونواب ومفكرين وصحافيين...
يبدو من تنوع الاغتيالات وتعددها وكأن كل من يخالف المرجعية المفترض الخضوع لها كان اغتياله وتصفيته الجسدية هو العقاب الذي يستحقه والحل للتخلص من معارضته. استعمل الاغتيال إذن كوسيلة وحيدة لإسكات المعارضين بالقضاء عليهم كعصاة ومتمردين من ناحية ولجعلهم أمثولة يتم عبرها تلقين الدرس المطلوب ممن قد تسوّل لهم أنفسهم بالوقوف بوجههم. 

إن كثافة عمليات الاغتيال جعلت منه في لبنان، بعد الاستقلال، لغة تخاطب وأداة عمل سهلة التنفيذ. بلغ تعداد الاغتيالات بحسب الدولية للمعلومات 220 عملية اغتيال ومحاولات اغتيال حتى نهاية العام 2005 تلاها 6 اغتيالات منذ ذلك الحين ويصبح المجموع 226 . 

الاغتيال مصطلح يستعمل لوصف عملية قتل منظمة ومتعمدة تستهدف شخصية مهمة أو قيادية ذات تأثير فكري أو سياسي أو عسكري وتكون أسباب عملية الاغتيال عادة إما عقائدية أو سياسية أو انتقامية تستهدف الشخص الذي يعتبره منظمو عملية الاغتيال عائقا في طريق انتشار أوسع لأفكارهم أو أهدافهم، بقصد الانتقام والتحذير والترهيب والقمع. استخدم الاغتيال كأحد ادوات السيطرة والحكم في لبنان.

لكن إغتيال الحريري شكّل صدمة أساسية هزّت كيان الدولة اللبنانية ومجتمعها ولا تزال آثاره تتداعى حتى الآن.

المحكمة الدولية الخاصة بلبنان هي أول مؤسسة قضائية دولية دائمة مختصة بمحاكمة الأفراد المشتبه بهم في ارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

والقرار الذي أصدرته هو أول قرار في التاريخ يصدر بالإدانة بجريمة الإرهاب. ولقد أنشأت المحكمة في ظل مفهوم العدالة الانتقالية، وهدفها معالجة موروث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان. ولقد عنت في لبنان وفي المنطقة مكافحة الإفلات من العقاب وتعزيز المساءلة وسيادة القانون. وتجدر الاشارة هنا إلى أن العدالة تهتم بالأمن الاجتماعي وليس فقط بالعدالة المجردة.

الحكم الصادر عن المحكمة أثار  ردود فعل متناقضة، هناك من اعتبره مخيباً للآمال وأنه جاء هزيلاً ولم يقض سوى بتجريم متهم واحد ولم يتهم حزب الله أو النظام السوري. وهناك من احتفل به.

الغريب أن بيئة حزب الله استقبلت أحكام (غير مذنب) على العنيسي وصبرا ومرعي ما يعني أنها قبلت حكم المحكمة، نجد في نفس الوقت رفض إدانة عياش؟ إنه الانفصام التام والانفصال عن الواقع. وفيما حكم العدالة يكون لانهاء العنف بتسليم الجاني، مع حزب الله يبدو أننا سنفتح صفحة عنف وتجاذب جديدتين؛ فمن هاشتاغ "من قتلناه يستحق"، إلى هاشتاغ "سلمت يداك" وحمل صورة عياش كبطل، يبدو الجنون هو المسيطر. وإذا كان الحريري يستحق برأيهم فماذا عن الضحايا الآخرين؟ وإذا كان عياش مذنباً وحزب الله يحميه، فما دلالة ذلك؟ وما تبرير القتل!!

من جهة أخرى من الطبيعي أن يُقرأ قرار المحكمة تحت تأثير تفجير المرفأ وعلى ضوء الغضب الذي أثاره والمخاوف من تفجيرات مماثلة قد تكون ممكنة في أماكن تخزين أخرى. ومن هنا بدا الحكم خافتاً هيناً على قسم من اللبنانيين.

لكن المحكمة الدولية حكمت بحسب قانونها الخاص وبما توفر لها من معطيات في ظل حكومات غير متعاونة وخاضعة لحزب الله وتوصلت إلى اتهام عضو في الحزب من معطيات الاتصالات وعن بعد. كما يجدر التفريق بين الاتهام والمسؤولية، ففي الحيثيات تفاصيل مسهبة تشير الى الطرف المسؤول دون لبس.

لكن غضب الناس يعود إلى أنهم ظنوا أن الحكم هو الحل لمشاكل لبنان، بينما كان السياسيون طوال فترة المحاكمة يتعاونون مع المتهم ويقيمون الصفقات، فساهموا في المزيد من هيمنته على الدولة مقابل صفقاتهم المحاصصاتية. ما صعّب الحلول إلى ما يقرب من الاستحالة.

وسواء أدين عياش وحده أو مع رفاقه، لن يغير من كونها وصمة طالت الحزب وضربت صدقيته وموقفه الاخلاقي، إذ ربطت بينه وبين الجريمة التي وصفت بالسياسية والإرهابية. بل أكثر من ذلك تم إخفاء مرتكبيها وإعلانهم قديسين ورفض تسليمهم قبل الحكم وبعده. ما يعني رفض التعاون مع العدالة الدولية.

باختصار أقرت محكمة دولية تورط أحد أعضاء حزب الله الذي يصر على حمايته وعدم تسليمه، في وقت لا تزال عدة جرائم محلية أخرى – قيد المحاكمة - ناهيك عن الجرائم الإقليمية والدولية التي ستحتم محاكمته لأنه يصعب على الغرب وأميركا غض الطرف عن الجرائم التي ارتكبها في سوريا والعراق واليمن. عدا عن تهريبه المخدرات وغيرها من الجرائم المافياوية وجرائمه السابقة في لبنان في ثمانينيات القرن الماضي. إذن الحكم سيلزم المجتمع الدولي باتخاذ موقف، والا فستلقى الظلال على موقفه.

مع كل الجدل القائم تشكل المحكمة علامة فارقة بين وضع يكون فيه الاغتيال الوسيلة الفضلى للتحكم والهيمنة السياسيين ولترهيب الشعوب وبين حقبة تعلن بدء اتخاذ العدالة مجراها والنجاح في إرساء سلوك نوعي جديد في لبنان وفي الشرق الأوسط يتعلق بمفهوم العدالة وإمكانية تطبيقه في الواقع من أجل الخروج من منطق الثأر الذي يدخلنا في دوامة عنف لا متناهي. وطبعا هذا يتوقف على السلوك الذي سيتخذه اللبنانيون.

لأن الوضع المأسوي، غير المسبوق، الذي نعيشه في لبنان، خصوصا بعد جريمة 4 آب التي بلغت قمة العنف، لا يقتصر على لبنان بل نجده باشكال اخرى سائداً في الشرق الاوسط التي شهد على مر التاريخ، ولا يزال يشهد نزاعات وجرائم لا تعد ولا تحصى. فما زلنا تشهد معاناة الملايين من سكانها الذين يقتلون ويتم وطئ حقوقهم الإنسانية الأساسية بالأقدام. دون أي ردة فعل أو محاسبة أو مقاضاة. جثث .. جثث .. جثث لضحايا من دون أي قاتل.

هذه المحكمة ليست فقط من أجل الحريري انها من أجل لبنان ومستقبله ومن أجل ضمان عدم إفلات مرتكبي الجرائم المروعة على انواعها من العقاب. إنها فرصة كي نمنع السعي الى تغيير الواقع السياسي بواسطة القتل، والى إعادة النظر بثقافة العنف المتفشية. أنها فرصة كي نوجد مثالات ومرجعيات (بارديغم) جديدة تتغلب على ثقافة العنف والتآمر وفبركة الجثث المشوهة المرمية على الطرقات. 

إنها فرصتنا للخروج من دوامة العنف.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.