الجولة الثالثة من المحادثات حول الدستور السوري بدأت الاثنين في جنيف.
الجولة الثالثة من المحادثات حول الدستور السوري بدأت الاثنين في جنيف.

بعد ساعات قليلة من نشر هذه المقالة، سيخرج المتفاوضون السوريون من الجولة الثالثة لاجتماعات اللجنة الدستورية السورية خاويي الوفاض. هذه المفاوضات المنعقدة في مدينة جنيف السويسرية برعاية الأمم المتحدة لن تحقق أي اختراق سياسي قط، ولو في أدنى المستويات، كالاتفاق على جدول أعمال للاجتماعات القادمة مثلاً، أو حتى مجرد الاعتراف السياسي المتبادل بين المتفاوضين، أو أي شيء آخر. بعد ذلك بساعات أخرى، سيطلق الطرفان غمامة من الاتهامات المتبادلة؛ سيتهم النظام وفد المعارضة بالعمالة للقوى الإقليمية ودعم الإرهاب، بينما سيقول المعارضون إن النظام السوري لم يترك خياره الشمولي، كسلطة استبدادية غير راغبة بأية شراكة سياسية.

أثناء هذه الساعات، سيكون الآلاف من المواطنين السوريين الواقعين في مناطق سيطرة النظام السوري قد لاقوا حتفهم جراء داء الكورونا، وأضعافهم قد أُصيبوا بها، حيث تفتقد البلاد لأدنى درجات الحماية والرعاية الطبية، وأضعافهم قد وقعوا أسرى موجات الجوع التي تطيح ملايين من أبناء الطبقات الفقيرة المتعاظمة، هؤلاء الذين لم ولن يبالي النظام السوري بأحوالهم وأوجاعهم، بل سيستمر في حروبه الهوجاء على أكثر من جبهة، في مناطق المعارضة في محافظة إدلب، ومحاصرة شرق الفرات، وطبعاً في قمع أي نفس معارض في مناطق سيطرته، دون أي حسٍ بمسؤولياته السياسية والأخلاقية عما وصلت أليه أحوال البلاد ومواطنوها في ظلال حكمه وجراء سياساته. لن يلتفت النظام لوضع صارت فيه بلاده "بلادنا" أكثر أماكن العالم بؤساً، سياساً واقتصادياً وتعليمياً وصحياً وأهلياً، حتى بالنسبة لأكثر القواعد الاجتماعية ولاء للنظام السوري نفسه. فوق ذلك، فإن النظام السوري مستعد للاستمرار بما هو عليه، بمزيد من الجلافة الوجدانية والأخلاقية والسياسية، وبنفس السياسات، وكأن كل شيء يسير على تمامه!

قوى المعارضة السورية بدورها، لن تبالي بمجموع أفعالها على الأرض، مثل تغطيتها السياسية والرمزية التامة لأفظع الجماعات المتطرفة، التي تسيّر أحكاماً وسياسات قروسطية على أكثر من أربعة ملايين سوري، في محافظة إدلب وشمال حلب. وتكملها كممثل محلي لسياسات الكراهية والإبادة التركية في الداخل السوري. 

تركيا التي تمارس رعاية رسمية لعشرات العصابات المسلحة، التي تعيس نهباً وقمعاً عاماً في مناطق سيطرتها، من حرب إبادة جماعية ضد أبناء الجماعة الأهلية الكردية/السورية، وصلت خلال الفترة الأخيرة حد قطع مياه الشرب عن قرابة نصف مليون سوري في مدينة الحسكة، ولأكثر من ثلاثة أسابيع، دون أية حساسية أو مسؤولية تجاه أوجاع الضحايا المدنيين هناك، أياً كانت هوياتهم الأهلية وولاءاتهم السياسية. كذلك فأن قوى المعارضة السورية صارت تعمل كمظلة سياسية لتوجهات تركيا الاستراتيجية في تحويل عشرات الآلاف من الشبان السوريين إلى مجرد مرتزقة في حروب لا مصلحة ولا طائل منها، على بعد آلاف الكيلومترات من بلادهم، في صحاري ليبيا، وربما في غيرها من البلدان والمناطق في أوقات لاحقة!.

لكن قوى المعارضة السورية، أو أغلبها الأعم بقول أصح، وكما النظام السوري تماماً، صارت مستعدة لأن تغض النظر وتتجاوز أية حساسية أخلاقية أو نزعة إنسانية، كانت تدعيها فيما سبق، تمايزها عن النظام السوري. أن تفعل وتستمرأ وتقبل بكل شيء، وبالمزيد من أي شيء، طالما يمنحها ذلك شيئاً وهمياً من السلطة والقوة، ولو على حساب أضعف الطبقات السياسية السورية، وأكثرها قُرباً وولاء لهذه المعارضة نفسها.  

بالرغم من قسوة قول ذلك، إلا أن معظم القوى السياسية السورية، المنحدرين والمنتمين لمختلف ضفاف الصراعات السياسية والإيديولوجية والعسكرية، يُظهرون مزيداً من التطابق فيما بينهم، عبر الجمع بين ممارسة كل السلوكيات والسياسات التي قد تدمر أنماط الحياة والعيش المشترك في مناطق سيطرتها، مع الكثير من القسوة الوجدانية والصلابة الأخلاقية والعدمية القيمية، التي تقبل وتُبيح وتُشرعن كل شيء، طالما يدخل ذلك في خدمة تمتين أواصر سلطتها على المحكومين. 

***

لم تأتِ هذه العدمية السياسية السورية من جوهر هوياتي أو ثقافي، كما تحاول أنماط من الخطابات واشكال التفكير الطائفية والقومية الشعبوية لأن تفهم وتفسر بها هذه الحالة، مثل "هُم كذلك لأنهم علويون"... "عنيفون لأنهم أكراد"..."السُنة كانوا كذلك على الدوام"...الخ. بل شُيدت هذه العدمية السياسية السورية وترسخت نتيجة تراكم مجموعة من الظروف والسياقات السياسية التي مرت على سوريا، خلال نصف قرن من الاستبداد الأسدي عموماً، وعقب عقد من الحرب الأهلية السورية خصوصاً. 

كان العنف المطلق الذي واجه به النظام السوري ثورة السوريين المنصة التأسيسية لهذه الأنماط من العدمية. فالقسوة الجارفة التي انبعثت عن أجهزة النظام السوري، لم تدفع السوريين من أنداده للانخراط في عنف مضاد فحسب، بل حطمت الرهافة الروحية التي حملتها الشهور الأولى من الثورة السورية، التي كان يُمكن بناء الكثير عليها، كلحظة تأسيسية استثنائية لنظام سياسي أقرب لقيم العدالة والحرية. 

فبالإضافة لذلك، قال عنف النظام السوري ببساطة أن كافة الخطابات والقيم والنزعات لا طائل ومعنى لها، وأن النجاح والنجاعة هو ملك الجهة الأكثر عنفاً وجبروتاً وقابلية للبقاء، أياً كانت خياراته السياسية والإيديولوجية والروحية. قبل كل ذلك، فأن العنف السياسي قال باستحالة التعايش بين مختلف القوى والخيارات والنزعات السياسية المتباينة، وأن طرفاً واحداً سيبقى، هو الأقوى عنفاً، وبالتالي حطم أشكال وإمكانيات التنازع الصراع عبر القوة الروحية والعقلية والإنسانية والمنطقية والإيديولوجية، التي تتمركز حولها الصراعات السياسية والمجتمعية في الأنظمة الديمقراطية، وهو حين فعل ذلك، أنما حطم كل أنواع القوة تلك، وحول القوة العنيفة والمحضة إلى آلية وحيدة لتنافس البشر، وبالتالي كرس أُسّ العدمية.

عملت التدخلات الإقليمية على تعميق أفعال العنف تلك. فمجموع القوى الإقليمية المتدخلة في المسألة السورية، الداعمين لمختلف القوى السورية المتصارعة، كانت متطابقة في هوياتها وآليات انخراطها في المسألة السورية، وأولاً متساوية في علاقتها وروابطها مع قيم الحداثة الإنسانية، كالديمقراطية واحترام منظومة حقوق الإنسان وتقدير الحد الأدنى من الهوية الآدمية للإنسان.

كانوا جميعاً يعتبرون سوريا مجرد ساحة مفتوحة للصراع الإقليمي، مستخدمين آلية تسعير الصراعات الطائفية والقومية والمناطقية. بذلك تحورت المسألة السورية عن مركز وعيها لنفسها، التي كانت تمايز القوى السياسية والطبقات الاجتماعية السورية عن بعضها، عن واحدة متمركزة حول قيم السلطة الشمولية المطلقة، وأخرى حول قيم الحرية والفضاء العام المفتوح والممارسات الديمقراطية. 

في ظلال التدخلات الإقليمية، وجد الجميع أنفسهم في أتون الاستقطاب الطائفي والعرقي، المتباين ظاهراً، والمتطابق جوهراً، وبالتالي صار صعباً التمييز القيمي والأخلاقي فيما بينهم، لأن الرعاة من القوى الإقليمية كانوا متطابقين أساساً. 

ديناميكية تدفق الأموال الإقليمية على جبهات الصراع السورية، زادت من فاعلية ذلك. فقد ساعدت في صعود وتسيّد المزيد من القادة العسكريين المحليين، الأقل تعليماً وتحصيناً سياسياً، وبالتالي الأكثر استعداداً لأنماط من الولاء الأعمى لقوى الهيمنة الإقليمية، دون أية مبالاة بالمضامين القيمية والخيارات الإيديولوجية لهذه الدولة الإقليمية أو تلك. تدفق الأموال الإقليمي كرس وسيّد هذا النوع من "القادة المحليين"، وكان ذلك على حساب طبقة الشُبان المدنيين، الذي كادت الثورة السورية أن تفرزهم خلال شهورها الأولى، لكنهم محقوا بين أقدام المتحاربين. 

آلية الإفلات من العقاب، سواء على المستوى المحلي أو الدولي، التي صارت مختلف القوى السياسية والمُسلحة السورية تحسها، كانت فاعلاً إضافياً في ذلك المقام. فالمؤسسات الأممية والقوى الدولية تعاملت مع الجُناة السوريين بصلافة عدمية خالية من أية قيمة أخلاقية مضافة، قالت للسوريين بأن كل ما يُمارس بحقهم مُباح تماماً، بما في ذلك استخدام الأسلحة الكيماوية لعشرات المرات، وأن بعض الأفعال وخطابات الرفض التي قد تصدر من قِبل القوى والمنظمات الدولية، ليس إلا من باب حفظ ماء الوجه.

مثل كل القيم التي تتسرب عادة من الفضاءات العالمية إلى المستويات الإقليمية والمحلية، فأن العدمية العالمية وشدة تسامحها مع الجناة السوريين، تدفقت بسلاسة وتراكم إلى العالم السياسي السوري، وصار العوالم السياسية السورية خلاء من أية شحنة أخلاقية أو قيمية. 

هل يُمكن القول بأن النخب الثقافية والسياسية والمعرفية السورية ساهمت بدورها في الوصول الأحوال إلى ما هي عليه!. يمكن قول نعم كبيرة وواضحة و"جارحة" في ذلك المقام. 

فعلى جنبات مختلف القوى السياسية السورية المتصارعة، وبكل هذه الوحشية الإنسانية، يمكن العثور على أكاديميين وفنانين ومثقفين ومعرفيين، يشيدون ويعملون كسدنة لهياكل العنف والكراهية والصراعات الأهلية السورية، وفي مختلف الجهات، وكأنهم مجرد عدة حرب ناعمة.

يمكن تفسير وتجاوز، وربما التسامح مستقبلاً، مع كل تلك العوامل السابقة المؤسسة والمكرسة للعدمية السورية، خلا عامل النخبة الأخير، إذ له من قول ووصف وتفسير وإدانة، إلا بكلمة واحدة، الخِسة. 

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.