سوف يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري الذي سيرشحه لولاية ثانية هذا الأسبوع، إلى التركيز على السياسة والقضايا الأمنية الخارجية، لأنه سيكون من الصعب عليه أن يقول للناخبين الأميركيين أن أوضاعهم المعيشية قد تحسنت منذ وصوله إلى البيت الابيض بسبب جائحة كورونا والأزمة الاقتصادية، وتحديدا معدلات البطالة العالية.
وهذا ما يفسر قيام وزير الخارجية مايك بومبيو بالتحدث للمؤتمر الجمهوري عبر الأقمار الصناعية "من موقع غير محدد في القدس" وفقا لما ذكره موقع أكسيوس Axios. وسوف يتحدث الوزير بومبيو عن اتفاق تطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات، التي ساهمت الولايات المتحدة عبر مفاوضات سرية في تحقيقه.
المسؤولون الأميركيون من الرئيس ترامب إلى مستشاره وصهره جاريد كوشنر الذي توسط بين إسرائيل والإمارات، إلى الوزير بومبيو شددوا على أهمية الاتفاق ليس فقط بحد ذاته، بل لأنه يمكن أن يكون مقدمة لقيام دول عربية أخرى مثل البحرين والسودان، وهي من بين الدول التي سيزورها بومبيو بتطبيع علاقتها مع إسرائيل.
خلال ثلاث سنوات ونصف السنة، أدخل الرئيس ترامب تغييرات غير معهودة على السياسة الخارجية الأميركية، ولكنه لم يحقق إنجازات كبيرة ولم يوقع اتفاقات سياسية أو اقتصادية هامة باستثناء اتفاق التجارة الجديد مع كندا والمكسيك، والذي لا يختلف كثيرا عن اتفاق "نافتا" السابق، الذي رفضه ترامب خلال حملته الانتخابية السابقة وتعهد بنقضه.
وعلى الرغم من لقاءاته مع زعيم كوريا الشمالية كيم يونغ أون، لم يتوصل ترامب إلى اتفاق حول وقف برامج الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية البعيدة المدى التي لا تزال كوريا الشمالية تطورها. مواقف الرئيس ترامب من الدول الحليفة التي تنتشر فيها القوات الأميركية مثل بعض أعضاء حلف شمال الاطلسي، وتحديدا ألمانيا، والحلفاء الآسيويين مثل اليابان وكوريا الجنوبية، حيث طالب هذه الدول بتحمل المزيد من كلفة هذه القوات، أدت إلى تأزيم العلاقات مع هؤلاء الحلفاء القدامى.
مواقف ترامب السلبية من بعض الاتفاقات الدولية مثل اتفاق الشراكة مع دول حوض المحيط الهادئ وانسحابه منه، وكذلك انسحابه من مؤتمر باريس للتغيير البيئي، وانسحابه في 2018 من الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة الخمسة زائد واحد الموقع خلال ولاية الرئيس السابق باراك أوباما في 2015 ، ساهمت في تأزيم العلاقات مع حلفاء واشنطن التقليديين. الرئيس ترامب اعتبر هذه القرارات بمثابة إنجازات في مجال السياسة الخارجية، وتأكيدا للسيادة الأميركية، وكان ولا يزال يشدد على أنه ينفذ وعوده الانتخابية وفقا لشعار: أميركا أولا.
خلال حملته السابقة في 2015-2016 أكد المرشح ترامب مرارا، أنه يعارض من حيث المبدأ نشر العديد من القوات الأميركية في مختلف القارات، وتعهد بإعادة هيكلة هذا الانتشار في حال انتخابه، انطلاقا من اعتبارات اقتصادية وسياسية – إصراره على أن لا تتحمل الولايات المتحدة معظم كلفة هذه القوات، وضرورة قيام الدول التي "تحميها" الولايات المتحدة بالمشاركة في هذه الأعباء- ولأن الولايات المتحدة يجب أن تتوقف عن لعب دور الشرطي العالمي.
ولكن استياء الرئيس ترامب تركز بشكل أساسي على ما اعتبره استمرار تورط الولايات المتحدة في "الحروب التي لا نهاية لها" في منطقتي جنوب آسيا والشرق الأوسط، وهي حروب يعتبرها عبثية وغبية وأرهقت الولايات المتحدة ماليا وبشريا ولم تحقق الانتصارات التي كانت مرجوة منها. موقف ترامب من هذه الحروب المستمرة على مدى العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين في أفغانستان والعراق ومؤخرا في سوريا وكلفتها المالية الباهظة التي تزيد عن 4 ترليون دولار، يحظى بتأييد شعبي حتى من قبل معارضي ترامب.
وخلال السنتين الماضيتين حاول ترامب لأكثر من مرة سحب القوات الأميركية من العراق وسوريا، وتخفيض عديدها في أفغانستان. محاولات ترامب هذه وضعته في مواجهة القيادات السياسية والعسكرية في وزارة الدفاع، وبعض قادة الحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ، ودعوته لسحب القوات من سوريا ساهمت في استقالة وزير الدفاع الاسبق جيمس ماتيس. المؤسسة العسكرية أقنعت ترامب بإبقاء حوالي 500 عسكري في سوريا، في شرق الفرات لمواصلة التنسيق والتعاون مع "قوات سوريا الديموقراطية" في مكافحة عناصر تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش). ولكن انسحاب هذه القوات من سوريا قد يأتي في أي وقت قبل الانتخابات الرئاسية في الثالث من نوفمبر المقبل، أو على الاقل الإعلان عن نية سحبها قبل نهاية السنة.
وخلال محادثاته قبل أيام مع رئيس وزراء العراق مصطفى الكاظمي في البيت الأبيض، كرر ترامب رغبته بتخفيض عديد القوات الأميركية في العراق، قائلا "نتطلع قدما لليوم الذي لن نبقى فيه هناك. نحن كنا هناك ولكننا نعتزم الانسحاب، وسوف ننسحب قريبا..". ومع أن ترامب لم يحدد أي مواعيد للانسحابات، إلا أن الوزير بومبيو قال إن التوقيت مرتبط بإنجاز مهام هذه القوات، ومعظم هذه المهام تنحصر بتدريب القوات العراقية في قتالها ضد عناصر داعش، مضيفا: "الرئيس قال بوضوح تام أنه يريد تخفيض عديد هذه القوات إلى أدنى حد ممكن بأسرع وقت ممكن..".
ويبلغ عديد القوات الأميركية المنتشرة في العراق 5200 عنصر. وكان الجنرال كينيث ماكنزي، قائد القيادة المركزية التي تشرف على القوات الأميركية في الشرق الأوسط، قد قال إن عديد القوات الأميركية في العراق سيجري تعديله بعد انتهاء المحادثات بين كبار المسؤولين الأميركيين والعراقيين.
وتم تسريب معلومات تتحدث عن تخفيض هذه القوات إلى 3500 عنصر كمرحلة أولى، مع الإشارة إلى أن الرئيس ترامب قد يعلن عن نيته سحب هذه القوات قبل موعد الانتخابات. وكان الرئيس ترامب قد أعلن في يونيو الماضي عن رغبته بتخفيض عديد القوات الأميركية في أفغانستان من 8600 عنصر إلى 5000 عنصر قبل موعد الانتخابات. وكان الرئيس ترامب قد طلب من وزارة الدفاع التحضير لسحب 12000 عسكري من ألمانيا، على أن يتم إعادة نشر نصفهم في دول أوروبية أخرى من بينها بولندا، وإعادة النصف الآخر إلى الولايات المتحدة.
قد لا تكون الانسحابات العسكرية، التي يريد الرئيس ترامب الإعلان عنها أو البدء بتنفيذها قبل موعد الانتخابات الرئاسية، محورية في تقرير خيارات الناخبين القلقين من جائحة كورونا والأزمة الاقتصادية وفقا لاستطلاعات الرأي. ولكن قطعا سيرحب بها أولئك المطلعون عليها، وسوف تسمح للرئيس ترامب الذي تعهد منذ وصوله إلى البيت الابيض بتخفيض عديد القوات الأميركية المنتشرة في العالم والبالغ عددها 200,000 عسكري، لأن يقول إنه ينفذ وعوده الانتخابية.
ولن يكون لاتفاق التطبيع الإماراتي –الإسرائيلي أي تأثير على الانتخابات الأميركية، ولكنه سيسمح للرئيس ترامب، وخاصة إذا حذت دول عربية أخرى حذو دولة الإمارات، أن يدعي أنه "صانع سلام" في الشرق الأوسط حتى ولو لم يتحقق أي شيء مما سمي بـ"صفقة القرن" التي كان يريدها أن تحقق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين.

