بعد 25 يناير 2011 توهّم كثيرون أن انفتاح الأفق السياسي سيفتح الأبواب على فضاء الحداثة، ,ولكن كانت الصدمة لهؤلاء المتفائلين/ المتوهمين، أن السلفيين وحدهم (أي دون الإخوان الذين هم سلفيون في النهاية) تمكنوا من الحصول على 25% من الأصوات في الانتخابات البرلمانية بمصر.
بعد 25 يناير 2011 توهّم كثيرون أن انفتاح الأفق السياسي سيفتح الأبواب على فضاء الحداثة، ,ولكن كانت الصدمة لهؤلاء المتفائلين/ المتوهمين، أن السلفيين وحدهم (أي دون الإخوان الذين هم سلفيون في النهاية) تمكنوا من الحصول على 25% من الأصوات في الانتخابات البرلمان

يقف العالم على مشارف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، متجاوزا الزمن الحداثي إلى أزمنة ما بعد الحداثة، وتائها في مرحلة الـ"ما بعد حداثة"، أو حائرا في خيارات ما بعد الزمن الحداثي. هي مراحل تتصرّم، وسرعان ما تُصبح من الماضي؛ حتى ليبدو الزمن الـ"ما قبل حداثي" اليوم عالَما أسطوريا بامتياز، عالما خرافيا ـ أوشبه خرافي ـ بحيث يصعب تصديقه أو التصديق به، أو ـ على نحو أدق ـ يصعب التصديق بإمكان حضور منطقه على أي مستوى من مستويات الحضور في الواقع؛ ليست لاستعصاء شروط الواقع العيني عليه فحسب، وإنما أيضا لاستعصائه هو على الفعل/ التفاعل مع المتغيرات الجذرية التي طرأت على الوعي الإنساني.  

هكذا يبدو العالم المتقدم، ومن ورائه العالم النامي/ العالم الصاعد الذي يحاول التقدّم استلهاما لأزمِنة الحداثة وما بعدها في آن. هكذا يبدو العالم المتقدم الحيّ (الغربي والمتغرّب)، بينما العالم الإسلامي/ العالم العربي، يبدو وكأنه لا يزال يعيش لحظة الزمن الـ"ما قبل حداثي"، بل الزمن القروسطي، إذ في الوقت الذي يتجاذب العالمُ فيه أفقَ وَعْي العام 2020، لا يكاد العالم العربي ـ المُسْتَهلَك تراثيا ـ يحاول تجاوز أفق وعي العام 1600 (اللحظة الديكارتية الفاصلة)؛ ولَمّا ينجح بعد. ما يعني أن الوعي العربي ـ والذي هو وعي تراثي بمجمله ـ يبتعد ـ وعيا ـ عن هذه اللحظة المعاصرة التي نعيشها بأكثر من أربعة قرون. 

قد تبدو هذه المقاربة لمسار الوعي الجمعي العربي متشائمة إلى حد كبير. لكنها في واقع الأمر/ بدلائل الواقع التفصيلية ليست كذلك، بل هي إلى التفاؤل أقرب؛ ما دام أنها حدّدت الفاصل الزمني، دون أن تتشاءم فيما يتعلق باتجاه بوصلة الوعي، وهو التشاؤم الأشد قسوة وإحباطا. ما نتشاءم فيه ليس إلا فاصلا زمنيا يمكن ردمه ولو بحرق المراحل، فالقرون الأربعة الفاصلة ليست هي المشكلة الأساس، بل المشكلة الأساس هي: إلى أين يتجه وعينا وهو يقف في تلك اللحظة التاريخية النائية (1600)؛ هل هو يسير حثيثا في اتجاه عصور الأنوار اللاحقة (= عصر العقل)، أم هو يمشي القهقرى راجعا إلى ما قبل ذلك؛ جراء التشبث بـ"وَهْمٍ مُقدّس" يوهمه أنه يسير إلى حيث العصر الذهبي/ أمجاد التاريخ/ الزمن الجميل ؟!  إنما يحسم الأمر في منزعي: التشاؤم والتفاؤل هنا، هو تحديد نمط الوعي الكلي الذي يحكمنا: هل الوعي الجمعي الذي يصنع مُجْمَلَ تصوّراتنا، ويحدّد خياراتنا، بل ويصنع فيها إرادة الفعل من عدمه، وَعْي ينتمي إلى عصرنا الذي نعيشه، وبالتالي، يتوافق/ يتناغم مع شروطه؛ فينفعل به ويتفاعل معه، أم هو وعي تراثي قروسطي ينتمي إلى ما قبل ألف عام، ويشتغل على مجمل تصورات الوعي؛ ليحدّد ـ على نحو صريح أو مضمر، ولكنه في كل الحالتين حاسم ـ خيارَاتِنا الكبرى/ المصيرية، كما يُحدّد خيارَاتِنا في أدق التفاصيل ؟  

يحاول كثيرون انتشال أنفسهم من حالة التشاؤم بخداع الذات، والزعم بأن "الوعي التراثي السلفي" قد طواه الزمن، ولم يعد له اليوم تأثير كبير في الواقع. ونحن هنا لن نحاول الكشف عن المُضْمَرات التي تؤكد قدرة هذا التراث على الفعل حتى في أشد التمظهرات العينية عَصْرَنة، وكون هذا التراث حاسما في خيارات قد لا تبدو ذات علاقة بمفردات خطابه/ أدبياته الشائعة، بل سنكتفي بما هو ظاهر وصريح ومعلن عن نفسه؛ حتى لا يُرَدّ كلامنا بأنه مجرد تأويل أو قول على قول، إذ سنستنطق هذا التراث ـ حيّاً ـ على ألسنة أشهر وأوثق رموزه، لا باعتباره تراثا غابرا يعيش في متاحف الكتب الصفراء التي لا يستنطقها إلا مُحْترفو التنقيب فيها، بل بوصفه تراثا حيّاً يُرَاد له اليوم ـ وبقوة زخم تأييد الجماهير ـ أن يحكم واقع الناس.

بعد انتفاضات "الربيع العربي"، وبعد 25 يناير 2011 تحديدا، توهّم كثيرون أن انفتاح الأفق السياسي (ذي الدور الحاسم في متغيرات العالم الثالث) سيفتح الأبواب على فضاء الحداثة، وسيقطع الطريق على كل المقولات الرجعية التي تنتمي إلى زمن مُغَاير/ مُضَاد لمنطق هذا العصر. وكان مبعث هذا التصور المتفائل تصوّر غير واقعي/ مفصول عن الواقع، تصور يتوهّم أن شعارات الانتفاض الربيعي من حيث هي شعارات حداثية في مجملها، ومن حيث كون الشباب هم عِمَادُ هذا الانتفاض، ومن حيث كون الآمال الجماهرية تتوجّه للتنموي والخدمي المرتبط ضرورة بالتحديث، توهّم كل ذلك يحكم بأن تكون الغلبة للوعي الحداثي على الوعي التراثي.

كانت الصدمة لهؤلاء المتفائلين/ المتوهمين، أن السلفيين وحدهم (أي دون الإخوان الذين هم سلفيون في النهاية) تمكنوا من الحصول على 25% من الأصوات في الانتخابات البرلمانية. كان كثيرون يرقبون الحراك السلفي، ويدركون تنامي نشاطه مطلع الألفية الجديدة، وخاصة بعد ظهور الفضائيات الخاصة بهم، ونجاحها بشكل واضح، ولكنهم لم يتوقعوا أن يحصل هؤلاء على كل هذه الأصوات، خاصة وأنه ثمة تيارات سلفية لم تشارك في الانتخابات لأنها لا ترى جواز ذلك شرعا؛ ما يعني أن نسبة الحضور السلفي في المجتمع (وخاصة في مجتمع غير تقليدي نسبيا، وغير سلفي بالمنطق التقليدي للسلفية؛ كالمجتمع المصري) تتجاوز 25% المقررة رسميا، إلى ما يناهز 35% تقريبا. فإذا أضفنا إلى ذلك "الإخوان" الفائزين بـ50%، وأضفنا مُتَديّني المؤسسات الرسمية، كالأزهر والأوقاف ولواحقهما (وكلها في الخط العام/ المرجعيات الأصلية المعتمدة: سلفية تراثية) عرفنا إلى أي مدى يتمدد الوعي السلفي.

في الثلث الأخير من القرن العشرين كان المحدّث الشهير/ الألباني(المتوفى في 2/10/1999) يُهَيْمن ـ بخياراته وتوجّهاته ـ على مجمل الوعي السلفي المعاصر. كانت كلمة واحدة منه، ترفع هذا الداعية أو تخفضه؛ حسب دلالتها تزكية أو نقدا. وفي الربع الأول من القرن العشرين، أي بعد وفاة الألباني، بدأ نجمُ المُحدّث المصري الشهير/ أبي إسحاق الحويني في الصعود، وفي بضع سنوات أصبح الرمز السلفي الأكبر على امتداد العالم الإسلامي. صحيح أن سلطانه المعنوي لم يكن بمثل ذلك السلطان الذي تمتع به سلفه الألباني، ولكن هذا لا ينفي أنه ـ وبقوة إجماعٍ اعتباري واسع النطاق؛ مدعوم بغياب المنافس ـ أصبح كبير السلفيين بلا منازع.

إذن، من خلال الحويني نستطيع أن نرصد كيف يُفَكّر الوعي السلفي/ الوعي التراثي. قبل سنوات ظهر على اليوتيوب مقطع صوتي للحويني يتحدث فيه عن فضل "الجهاد" وأحكامه العامة. المقطع قديم، ولكن لغته، وخاصة ما يتعلق باسترقاق البشر، كانت مُسْتَفزّة جدا. يقول الحويني ـ نَصّا ـ في هذا المقطع: "نحن في زمن الجهاد، وقد أظلنا زمن الجهاد، والجهاد في سبيل الله متعة، متعة، الصحابة كانوا يتسابقون عليه، هو إحنا الفقر الذي نحن فيه إلا بسبب ترك الجهاد، مش كنا لو كل سنة عمّالين نغزو مرة ولا اثنين أو ثلاثة..." ثم يقول: "والذي يرفض هذه الدعوة، ويحول بيننا وبين دعوة الناس، مش بنقاتله؟!..." حتى يقول عن الأعداء/ الكفار: "ونأخذ أموالهم ونساءهم وأولادهم، وكل ذي عبارة عن فلوس، كل مجاهد بيرجع من الجهاد وهو جيبه مليان"، ثم يصف كيف أن المجاهد يأخذ نصيبه من السبايا رجالا ونساء وأطفالا، فيسترقّهم، وعندما يحتاج المال في أي ظرف، يبيع أحدهم ليحل مشكلته المادية.   

طبعا، الحويني وأمثاله عندما كانوا يتحدثون في محاضراتهم قبل عشرين سنة، أو حتى قبل خمسة عشر سنة، لم يكونوا يتوقعون أن تنتشر بعض فلتاتها على هذا النطاق الواسع. كان الذين يحضرون محاضراتهم ويُسجّلونها ويُعِيدون استماعها هم من الجمهور السلفي الذي يستمع لمثل هذا المقطع بانتشاء، أو على الأقل، يستمع دون إدراك البشاعة فيه، فالشيخ لديهم ثقة، وهو يتحدث بلسان الدين، والدين ليس محل اعتراض ولو على مستوى خَلَجَات الضمير، وما استشكل من ذلك على سبيل الاعتراض الخفي فما هو إلا من وساوس الشيطان الرجيم.

لكن، بعد انتشار وسائل التواصل وتقنيات الإعلام الحديثة أصبح من يلعب في الخفاء مستورا؛ يلعب على المكشوف بالضرورة. انتشر المقطع على اليوتيوب، ونشرت كثير من الصحف تعليقاتٍ نقديّة عليه. كان التشنيع على الحويني مِن قِبَل التيارات المدنيّة واسع النطاق. وبما أن الحويني هو الرمز الاعتباري للتيار السلفي فقد أصبح هذا التيار مُحْتقِنا أشدَّ ما يكون الاحتقان، فلا هو قادر على أن يقول إن كلام أكبر شيوخه/ الحويني خطأ، ولا و قادر على أن يقول إن ما قاله يعكس مرحلة من مراحل التحولات الفكرية للشيخ، إذ الشيخ يؤكد دائما أنه هكذا، منذ شبابه الأول، وإلى اليوم، على الطريق المستقيم/ على المنهج الحق (يقصد: الطريق السلفي).   

كان المقطع انكشافا كبيرا للمنظومة الفكرية التي يتبناها التقليديون، خاصة وأن التنظيم الإرهابي/ داعش كان يُمارس ـ عمليا ـ كلَّ ما قاله الحويني في هذا المقطع جملة وتفصيلا. تَوَاقَتت الممارساتُ الداعشية مع انتشار المقطع، دون أن يعني هذا وجود ترابط سببي مباشر بين تنظير الحويني وتطبيق داعش، ولكن، وفي كل الأحوال، بما يؤكد أصل الانتماء. 

لم يستطع شيخ سلفي واحد أن يخرج ويقول: أخطأ الحويني في كلامه هذا عن الجهاد والاسترقاق. ليس هذا بسبب السلطة الاعتبارية/ التبجيلية للحويني داخل التيار الأثري الاتباعي فحسب، بل السبب أخطر من ذلك، وهو أن ما قاله الحويني بصراحة مُسْتفزِّة، وبأمثلة صادمة تنكأ سطح الضمير الإنساني الحديث، تقول به كلُّ كتبِ السلفيين منذ مئات السنين. 

كان بإمكان بعض شيوخ السلفية أن يخفف من مستوى البشاعة في هذا المقطع، بأن ينكر الدعوة للغزو في هذا العصر، ومن ثم نفي النتائج المُتَرتّبة: السبي والاستراق. لكن، هذا سيكون استدراكا على التراث، والسلفي يتشرعن بتراثه السلفي أصالة، كما أن المقطع يخُصّ شيخا لا زال يعيش بيننا، يحاضر ويرد، وهو ملء الأسماع والأبصار، فالرد عنه لا يُجدي في نفي التهمة، ولا في تخفيف البشاعة، فضلا عن كونه اجتراءً عليه، وهو شيخ شيوخ التيار التقليدي الاتباعي. 

هنا، لم يبق إلا أن يرد الحويني بنفسه على منتقديه. بات من الضروري، ودفعا للحرج الكبير الذي يُواجهه أبناء التيار التقليدي، أن يشرح ما قاله؛ لعله يأتي بما ينفي التهمة، أو حتى بما يُخفّف من مستوى الصدمة الناتجة عن مجرد إمكان تطبيق هذا الكلام في يوم من الأيام. وقد أضطُر الحويني فعلا للرد، فكان في رده مُؤكِّدَا لما قاله سلفا، مُصعّدا من حيث أراد التهدئة. وقد استغل الإعلام هذا الرد لتضييق الخناق على الحويني، ومن ثمَّ على الفكر التراثي الذي يمثّله، فاضطر للرد ثانية، وفي كلا رديه: الأول والثاني، لم ينفِ ما قاله أصلا في المقطع، بل حاول المراوغة بأكثر من طريق. وهذا ما سنكشفه في مقال لاحق، عندما يتضح أن الوعي التراثي لا يستطيع ـ حتى في حالات الحرج والاضطرار الدفاعي ـ أن يخرج عن منطق التراث. 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.