بعد 25 يناير 2011 توهّم كثيرون أن انفتاح الأفق السياسي سيفتح الأبواب على فضاء الحداثة، ,ولكن كانت الصدمة لهؤلاء المتفائلين/ المتوهمين، أن السلفيين وحدهم (أي دون الإخوان الذين هم سلفيون في النهاية) تمكنوا من الحصول على 25% من الأصوات في الانتخابات البرلمانية بمصر.
بعد 25 يناير 2011 توهّم كثيرون أن انفتاح الأفق السياسي سيفتح الأبواب على فضاء الحداثة، ,ولكن كانت الصدمة لهؤلاء المتفائلين/ المتوهمين، أن السلفيين وحدهم (أي دون الإخوان الذين هم سلفيون في النهاية) تمكنوا من الحصول على 25% من الأصوات في الانتخابات البرلمان

يقف العالم على مشارف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، متجاوزا الزمن الحداثي إلى أزمنة ما بعد الحداثة، وتائها في مرحلة الـ"ما بعد حداثة"، أو حائرا في خيارات ما بعد الزمن الحداثي. هي مراحل تتصرّم، وسرعان ما تُصبح من الماضي؛ حتى ليبدو الزمن الـ"ما قبل حداثي" اليوم عالَما أسطوريا بامتياز، عالما خرافيا ـ أوشبه خرافي ـ بحيث يصعب تصديقه أو التصديق به، أو ـ على نحو أدق ـ يصعب التصديق بإمكان حضور منطقه على أي مستوى من مستويات الحضور في الواقع؛ ليست لاستعصاء شروط الواقع العيني عليه فحسب، وإنما أيضا لاستعصائه هو على الفعل/ التفاعل مع المتغيرات الجذرية التي طرأت على الوعي الإنساني.  

هكذا يبدو العالم المتقدم، ومن ورائه العالم النامي/ العالم الصاعد الذي يحاول التقدّم استلهاما لأزمِنة الحداثة وما بعدها في آن. هكذا يبدو العالم المتقدم الحيّ (الغربي والمتغرّب)، بينما العالم الإسلامي/ العالم العربي، يبدو وكأنه لا يزال يعيش لحظة الزمن الـ"ما قبل حداثي"، بل الزمن القروسطي، إذ في الوقت الذي يتجاذب العالمُ فيه أفقَ وَعْي العام 2020، لا يكاد العالم العربي ـ المُسْتَهلَك تراثيا ـ يحاول تجاوز أفق وعي العام 1600 (اللحظة الديكارتية الفاصلة)؛ ولَمّا ينجح بعد. ما يعني أن الوعي العربي ـ والذي هو وعي تراثي بمجمله ـ يبتعد ـ وعيا ـ عن هذه اللحظة المعاصرة التي نعيشها بأكثر من أربعة قرون. 

قد تبدو هذه المقاربة لمسار الوعي الجمعي العربي متشائمة إلى حد كبير. لكنها في واقع الأمر/ بدلائل الواقع التفصيلية ليست كذلك، بل هي إلى التفاؤل أقرب؛ ما دام أنها حدّدت الفاصل الزمني، دون أن تتشاءم فيما يتعلق باتجاه بوصلة الوعي، وهو التشاؤم الأشد قسوة وإحباطا. ما نتشاءم فيه ليس إلا فاصلا زمنيا يمكن ردمه ولو بحرق المراحل، فالقرون الأربعة الفاصلة ليست هي المشكلة الأساس، بل المشكلة الأساس هي: إلى أين يتجه وعينا وهو يقف في تلك اللحظة التاريخية النائية (1600)؛ هل هو يسير حثيثا في اتجاه عصور الأنوار اللاحقة (= عصر العقل)، أم هو يمشي القهقرى راجعا إلى ما قبل ذلك؛ جراء التشبث بـ"وَهْمٍ مُقدّس" يوهمه أنه يسير إلى حيث العصر الذهبي/ أمجاد التاريخ/ الزمن الجميل ؟!  إنما يحسم الأمر في منزعي: التشاؤم والتفاؤل هنا، هو تحديد نمط الوعي الكلي الذي يحكمنا: هل الوعي الجمعي الذي يصنع مُجْمَلَ تصوّراتنا، ويحدّد خياراتنا، بل ويصنع فيها إرادة الفعل من عدمه، وَعْي ينتمي إلى عصرنا الذي نعيشه، وبالتالي، يتوافق/ يتناغم مع شروطه؛ فينفعل به ويتفاعل معه، أم هو وعي تراثي قروسطي ينتمي إلى ما قبل ألف عام، ويشتغل على مجمل تصورات الوعي؛ ليحدّد ـ على نحو صريح أو مضمر، ولكنه في كل الحالتين حاسم ـ خيارَاتِنا الكبرى/ المصيرية، كما يُحدّد خيارَاتِنا في أدق التفاصيل ؟  

يحاول كثيرون انتشال أنفسهم من حالة التشاؤم بخداع الذات، والزعم بأن "الوعي التراثي السلفي" قد طواه الزمن، ولم يعد له اليوم تأثير كبير في الواقع. ونحن هنا لن نحاول الكشف عن المُضْمَرات التي تؤكد قدرة هذا التراث على الفعل حتى في أشد التمظهرات العينية عَصْرَنة، وكون هذا التراث حاسما في خيارات قد لا تبدو ذات علاقة بمفردات خطابه/ أدبياته الشائعة، بل سنكتفي بما هو ظاهر وصريح ومعلن عن نفسه؛ حتى لا يُرَدّ كلامنا بأنه مجرد تأويل أو قول على قول، إذ سنستنطق هذا التراث ـ حيّاً ـ على ألسنة أشهر وأوثق رموزه، لا باعتباره تراثا غابرا يعيش في متاحف الكتب الصفراء التي لا يستنطقها إلا مُحْترفو التنقيب فيها، بل بوصفه تراثا حيّاً يُرَاد له اليوم ـ وبقوة زخم تأييد الجماهير ـ أن يحكم واقع الناس.

بعد انتفاضات "الربيع العربي"، وبعد 25 يناير 2011 تحديدا، توهّم كثيرون أن انفتاح الأفق السياسي (ذي الدور الحاسم في متغيرات العالم الثالث) سيفتح الأبواب على فضاء الحداثة، وسيقطع الطريق على كل المقولات الرجعية التي تنتمي إلى زمن مُغَاير/ مُضَاد لمنطق هذا العصر. وكان مبعث هذا التصور المتفائل تصوّر غير واقعي/ مفصول عن الواقع، تصور يتوهّم أن شعارات الانتفاض الربيعي من حيث هي شعارات حداثية في مجملها، ومن حيث كون الشباب هم عِمَادُ هذا الانتفاض، ومن حيث كون الآمال الجماهرية تتوجّه للتنموي والخدمي المرتبط ضرورة بالتحديث، توهّم كل ذلك يحكم بأن تكون الغلبة للوعي الحداثي على الوعي التراثي.

كانت الصدمة لهؤلاء المتفائلين/ المتوهمين، أن السلفيين وحدهم (أي دون الإخوان الذين هم سلفيون في النهاية) تمكنوا من الحصول على 25% من الأصوات في الانتخابات البرلمانية. كان كثيرون يرقبون الحراك السلفي، ويدركون تنامي نشاطه مطلع الألفية الجديدة، وخاصة بعد ظهور الفضائيات الخاصة بهم، ونجاحها بشكل واضح، ولكنهم لم يتوقعوا أن يحصل هؤلاء على كل هذه الأصوات، خاصة وأنه ثمة تيارات سلفية لم تشارك في الانتخابات لأنها لا ترى جواز ذلك شرعا؛ ما يعني أن نسبة الحضور السلفي في المجتمع (وخاصة في مجتمع غير تقليدي نسبيا، وغير سلفي بالمنطق التقليدي للسلفية؛ كالمجتمع المصري) تتجاوز 25% المقررة رسميا، إلى ما يناهز 35% تقريبا. فإذا أضفنا إلى ذلك "الإخوان" الفائزين بـ50%، وأضفنا مُتَديّني المؤسسات الرسمية، كالأزهر والأوقاف ولواحقهما (وكلها في الخط العام/ المرجعيات الأصلية المعتمدة: سلفية تراثية) عرفنا إلى أي مدى يتمدد الوعي السلفي.

في الثلث الأخير من القرن العشرين كان المحدّث الشهير/ الألباني(المتوفى في 2/10/1999) يُهَيْمن ـ بخياراته وتوجّهاته ـ على مجمل الوعي السلفي المعاصر. كانت كلمة واحدة منه، ترفع هذا الداعية أو تخفضه؛ حسب دلالتها تزكية أو نقدا. وفي الربع الأول من القرن العشرين، أي بعد وفاة الألباني، بدأ نجمُ المُحدّث المصري الشهير/ أبي إسحاق الحويني في الصعود، وفي بضع سنوات أصبح الرمز السلفي الأكبر على امتداد العالم الإسلامي. صحيح أن سلطانه المعنوي لم يكن بمثل ذلك السلطان الذي تمتع به سلفه الألباني، ولكن هذا لا ينفي أنه ـ وبقوة إجماعٍ اعتباري واسع النطاق؛ مدعوم بغياب المنافس ـ أصبح كبير السلفيين بلا منازع.

إذن، من خلال الحويني نستطيع أن نرصد كيف يُفَكّر الوعي السلفي/ الوعي التراثي. قبل سنوات ظهر على اليوتيوب مقطع صوتي للحويني يتحدث فيه عن فضل "الجهاد" وأحكامه العامة. المقطع قديم، ولكن لغته، وخاصة ما يتعلق باسترقاق البشر، كانت مُسْتَفزّة جدا. يقول الحويني ـ نَصّا ـ في هذا المقطع: "نحن في زمن الجهاد، وقد أظلنا زمن الجهاد، والجهاد في سبيل الله متعة، متعة، الصحابة كانوا يتسابقون عليه، هو إحنا الفقر الذي نحن فيه إلا بسبب ترك الجهاد، مش كنا لو كل سنة عمّالين نغزو مرة ولا اثنين أو ثلاثة..." ثم يقول: "والذي يرفض هذه الدعوة، ويحول بيننا وبين دعوة الناس، مش بنقاتله؟!..." حتى يقول عن الأعداء/ الكفار: "ونأخذ أموالهم ونساءهم وأولادهم، وكل ذي عبارة عن فلوس، كل مجاهد بيرجع من الجهاد وهو جيبه مليان"، ثم يصف كيف أن المجاهد يأخذ نصيبه من السبايا رجالا ونساء وأطفالا، فيسترقّهم، وعندما يحتاج المال في أي ظرف، يبيع أحدهم ليحل مشكلته المادية.   

طبعا، الحويني وأمثاله عندما كانوا يتحدثون في محاضراتهم قبل عشرين سنة، أو حتى قبل خمسة عشر سنة، لم يكونوا يتوقعون أن تنتشر بعض فلتاتها على هذا النطاق الواسع. كان الذين يحضرون محاضراتهم ويُسجّلونها ويُعِيدون استماعها هم من الجمهور السلفي الذي يستمع لمثل هذا المقطع بانتشاء، أو على الأقل، يستمع دون إدراك البشاعة فيه، فالشيخ لديهم ثقة، وهو يتحدث بلسان الدين، والدين ليس محل اعتراض ولو على مستوى خَلَجَات الضمير، وما استشكل من ذلك على سبيل الاعتراض الخفي فما هو إلا من وساوس الشيطان الرجيم.

لكن، بعد انتشار وسائل التواصل وتقنيات الإعلام الحديثة أصبح من يلعب في الخفاء مستورا؛ يلعب على المكشوف بالضرورة. انتشر المقطع على اليوتيوب، ونشرت كثير من الصحف تعليقاتٍ نقديّة عليه. كان التشنيع على الحويني مِن قِبَل التيارات المدنيّة واسع النطاق. وبما أن الحويني هو الرمز الاعتباري للتيار السلفي فقد أصبح هذا التيار مُحْتقِنا أشدَّ ما يكون الاحتقان، فلا هو قادر على أن يقول إن كلام أكبر شيوخه/ الحويني خطأ، ولا و قادر على أن يقول إن ما قاله يعكس مرحلة من مراحل التحولات الفكرية للشيخ، إذ الشيخ يؤكد دائما أنه هكذا، منذ شبابه الأول، وإلى اليوم، على الطريق المستقيم/ على المنهج الحق (يقصد: الطريق السلفي).   

كان المقطع انكشافا كبيرا للمنظومة الفكرية التي يتبناها التقليديون، خاصة وأن التنظيم الإرهابي/ داعش كان يُمارس ـ عمليا ـ كلَّ ما قاله الحويني في هذا المقطع جملة وتفصيلا. تَوَاقَتت الممارساتُ الداعشية مع انتشار المقطع، دون أن يعني هذا وجود ترابط سببي مباشر بين تنظير الحويني وتطبيق داعش، ولكن، وفي كل الأحوال، بما يؤكد أصل الانتماء. 

لم يستطع شيخ سلفي واحد أن يخرج ويقول: أخطأ الحويني في كلامه هذا عن الجهاد والاسترقاق. ليس هذا بسبب السلطة الاعتبارية/ التبجيلية للحويني داخل التيار الأثري الاتباعي فحسب، بل السبب أخطر من ذلك، وهو أن ما قاله الحويني بصراحة مُسْتفزِّة، وبأمثلة صادمة تنكأ سطح الضمير الإنساني الحديث، تقول به كلُّ كتبِ السلفيين منذ مئات السنين. 

كان بإمكان بعض شيوخ السلفية أن يخفف من مستوى البشاعة في هذا المقطع، بأن ينكر الدعوة للغزو في هذا العصر، ومن ثم نفي النتائج المُتَرتّبة: السبي والاستراق. لكن، هذا سيكون استدراكا على التراث، والسلفي يتشرعن بتراثه السلفي أصالة، كما أن المقطع يخُصّ شيخا لا زال يعيش بيننا، يحاضر ويرد، وهو ملء الأسماع والأبصار، فالرد عنه لا يُجدي في نفي التهمة، ولا في تخفيف البشاعة، فضلا عن كونه اجتراءً عليه، وهو شيخ شيوخ التيار التقليدي الاتباعي. 

هنا، لم يبق إلا أن يرد الحويني بنفسه على منتقديه. بات من الضروري، ودفعا للحرج الكبير الذي يُواجهه أبناء التيار التقليدي، أن يشرح ما قاله؛ لعله يأتي بما ينفي التهمة، أو حتى بما يُخفّف من مستوى الصدمة الناتجة عن مجرد إمكان تطبيق هذا الكلام في يوم من الأيام. وقد أضطُر الحويني فعلا للرد، فكان في رده مُؤكِّدَا لما قاله سلفا، مُصعّدا من حيث أراد التهدئة. وقد استغل الإعلام هذا الرد لتضييق الخناق على الحويني، ومن ثمَّ على الفكر التراثي الذي يمثّله، فاضطر للرد ثانية، وفي كلا رديه: الأول والثاني، لم ينفِ ما قاله أصلا في المقطع، بل حاول المراوغة بأكثر من طريق. وهذا ما سنكشفه في مقال لاحق، عندما يتضح أن الوعي التراثي لا يستطيع ـ حتى في حالات الحرج والاضطرار الدفاعي ـ أن يخرج عن منطق التراث. 

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.