.
.

يصف الدكتور علي الوردي اهتمام الشعب العراقي بالسياسة بـ"حدّة الوعي السياسي"، وفي الصفحات الأخيرة من كتابه "دراسة في طبيعة المجتمع العراقي"، يقول: "لعلَّني لا أغالي إن قلت الشعب العراقي في مرحلته الراهنة هو من أكثر شعوب العالم، إن لم يكن أكثرها، ولعاً بالسياسة وانهماكاً فيها. فكلّ فرد فيه تقريباً هو رجل سياسة من الطراز الأول. فأنت لا تكاد تتحدث إلى بقال أو عطار حتى تجده يزن لك البضاعة وهو يحاورك بالسياسة أو يسألك عنها. وقد يحمل الحمال لك البضاعة فيحاول في الطريق أن يجرك إلى الحديث في السياسة وهو يزعم أنه لو تسلم مقاليد الأمور لأصلح نظام الحكم بضربة واحدة".

قبل سبعين عاما، كان ذلك تشخيص العَلّامة الوردي لتضخّم السياسة في حياة المجتمع العراقي، ويمكن وصف هذا الاهتمام بالمفرط (Overload). والذي بات في أيامنا هذه أكثر تضخماً وإفراطاً؛ وذلك ما تعكسه السجالات السياسية في منصات وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية. 

المفارقة، أن مفهوم السياسة في الإدراك الشعبي هو من المفاهيم الملتبسة، وحتى في دراساتنا الأكاديمية لا زالت تُعرَّف بمعانٍ بعيدة عن الممارسة التي تتعلق بمبدأ الدولة الحديثة. فالسياسة في أدبيات العلوم السياسية المعاصرة، ترتبط بمفهوم المصلحة، وعلى أساسها يؤسس العمل السياسي مشروعيته. ومن ثم مفهوم الدولة ووظيفتها يكون في المقام الأول جهاز لإدارة المصالح العامة. 

المأزق الحقيقي الذي يواجه مفهوم السياسة، هو انعدام مفهوم المصلحة العامة في ثقافة مجتمعنا، أو أن دلالة مفهوم المصلحة تؤشر معنى سلبياً أو لا أخلاقي! وهنا تكمن إشكالية سوء الفهم التي تنعكس على ممارسة العمل السياسي. في حين عملية الاقتران بين السياسة والمصلحة العامة تشير إلى أن المصلحة المقصودة هنا كل ما يجتمع عليه رأي المواطنين في المجتمع من سيادة حكم القانون، وحفظ السلم والأمن، والرغبة بالحياة الحرّة والكريمة. وهذه المحددات هي المعيار الذي يؤسس للسياسة مشروعيتها، وليس المصلحة الخاصة لمن يدير الشأن السياسي.

ولذلك تكسب السياسةُ مشروعيتَها مِن أدائها وظائفَ تُحقق المصلحةَ العامة، وهذه هي الغاية الرئيسة من التأكيد على أحقية المجتمع في إدارة الشأن العام، باعتبارها السبيل إلى تحقيق المصلحة العامة التي تجسدها السياسة. وتكون إدارة المصالح المتعارضة والمتناقضة مع المصالح العامة هي مسؤولية الدولة، ولذلك لا يمكن أن نتحدث عن سياسة بهذا المفهوم مالَم تكن لدينا دولة تحكمها المؤسسات وليس توافقات وصفقات المافيات التي تعمل بعناوين سياسية. 

في بلد مثل العراق لم يعرف الاستقرار السياسي في العهد الملكي، وتناوب على حكمه العسكر وحزب شمولي وزعيم دكتاتوري، تتحول السياسة فيه إلى فن البقاء بالسلطة من خلال تصفية الخصوم وتحويل الشعب إلى قطيع يتغنى بأمجاد القائد الملهم. وعندما ترسخ السلطةُ هذا النمط من التفكير، فبالتأكيد لن يتغير فهم المجتمع للسياسة وممارستها من خلال تغيّر شكل النظام. 

وبالتحديد هذه معضلة العراقيين، فبعد سبعة عشر عشر عاماً على تغيير النظام، أثبت الواقع أن كل القوى التي كانت تدعي المعارضة لنظام صدام والبعث الشمولي، لم تعارضه من مبدأ معارضة الفكر والنظام الدكتاتوري، بل عارضته لأن الموضوع هو رغبة الحصول على السلطة، وهي اليوم تستخدم أساليب تصفية الخصوم السياسيين، لكن ليس باستخدام سلاح الدولة، وإنما بسلاح الجماعات الموازية للدولة. 

تحدد منظومة العمل السياسي في العراق معيار ضعف وقوة التأثير في القرار السياسي وفقاً لحجم جمهور الأتباع والمريدين لهذا الكيان أو ذاك، وحجم التمثيل في المؤسسات الرسمية، وقوة السلاح الذي تملكه تلك الجماعات التي تسمي نفسها أحزاباً سياسية! ويغيب تماماً عن قاموسها مفهوم المصلحة العامة التي تؤسس مشروعية العمل السياسي.

لا يمكن للسياسة أن تجسد مفهوم المصلحة العامة إذا كان العمل فيها وممارستها يجري على أساس تقاسم الحكم وغنائم الدولة بين عناوين سياسية تدعي تمثيلاً طائفياً وقومياً، ويهمين على المجال العام فيها جماعات تملك السلاح بطريقة غير شرعية، لأنَّ ذلك سيحول كل فعل وممارسة سياسية لخدمة مصلحة مجموعة معيّنة، ولا يخدم مصلحةً عامّة. 

ومن ثمَّ لا يستحق هذا النظام صفة السياسي؛ لأنه يخدم مصلحة إقطاعيات حزبية وقومية وعائلية، وتقاسم فيه مؤسسات الدولة ومنافذها الاقتصادية في ظلّ غياب مستمر للمحاسبة والمسائلة، ليكون في النهاية نموذج للنظام الكليبتوكراسية  KLEPTOCRACY "حكم اللصوص". وهو النظام الذي يسمح بالفساد وسرقة المال العام والخاص من خلال استغلال المناصب الإدارية والسياسية، وهو ما وثقه الصحفي الأميركي، روربت روث، في تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز. 

إذاً، أضحى كلُّ شيء في مجتمعاتنا يفسّر على أنه سياسي! بيد أنه بعيد تماماً عن العمل السياسي المرتبط بمفهوم المصلحة العامة. ومن ثمَّ، الإصلاح الحقيقي يبدأ من التثقيف للسياسة بمفهومها المرتبط بالمصلحة العامة، وليس مصلحة الشخصيات ولا الجماعات التي تمارسها عملياً بعناوين التغالب والغنيمة. 

وبالتالي تكون شرعية السياسة- كما يحددها المفكر المغربي عبد الإله بلقزيز- فيما تؤديه من وظائف؛ فهي إذ تنصرف إلى خدمة المشترك الاجتماعي العام، وتحاسب على ما أدّتهُ أو لم تُؤدّهِ في هذا الباب، أي تُحاسب طبقاً لمعيار مطابقتها أو عدم مطابقتها للمصلحة العامة. إنها، في النهاية، تكليف مجتمعي بشري، لا يطلب من الموكلين إليهم أمْرُهُ سواء أداؤُهُ على النحو المرضي، باحترام الأمانة، التي هي تفويض من المجتمع، واحترام القوانين، التي تمثّل تعبيراً عن إرادة المواطنين، على النحو الذي يحصل معه حسن الانجاز، أي تحقيق التطابق بين السياسة وموضوعها (المصلحة العامة). 

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.