فنانان إسرائيليان ينحتان أبرز المعالم الإماراتية على شاطئ في تل أبيب.
فنانان إسرائيليان ينحتان أبرز المعالم الإماراتية على شاطئ في تل أبيب.

بعد أعوام من اغتيال الرئيس المصري أنور السادات، استضاف المغرب في مايو 1989 قمة عربية، أعلن فيها القادة والزعماء العرب استئناف عضوية مصر في الجامعة العربية، قبل أن يعود المقر الرئيسي للجامعة إلى مصر في سبتمبر 1990.

قطع العرب علاقاتهم بمصر احتجاجا على زيارة السادات للقدس، ثم توقيعه على اتفاقيه سلام مع إسرائيل. ثم أعادوا علاقتهم بمصر تدريجيا خلال فتره الثمانينيات.

أعاد العرب علاقاتهم بمصر، ليس لأن القاهرة تراجعت عن اتفاقيه السلام أو أغلقت السفارة الإسرائيلية في القاهرة، ولكن لأن الزعيم الذي تبنى العقلانية كسبيل لمواجهة التحديات والشدائد والهزائم قد قتل وأسكت للأبد، بالإضافة طبعا للتغيرات الدولية والإقليمية الضخمة التي دفعتهم إلى إعادة النظر في طريقة تعاطيهم مع ملف النزاع الإسرائيلي-العربي. 

لم يتحمل كبرياء العرب عقلانية ووضوح السادات، فانتظروا حتى قتل ليوصلوا ما قطعوه من قبل. والآن يتعامل بعضهم بنفس الاسلوب الفاشل مع عقلانية الإمارات وتبنيها للسلام كخيار استراتيجي.

"الخسائر الفلسطينية لم تتوقف قط بسبب سلبية التعامل مع الواقع"، الحقيقة المرة التي أوضحها الإعلامي السعودي عبد الرحمن بن راشد في مقاله الأخير.

في قاموس الشرق الأوسط، التكابر على الهزيمة أفضل من الاعتراف بها والتعامل معها. كبريائنا يرفض العقلانية في كل نواحي الحياة، وليس فقط في التعامل مع إسرائيل.

العقلانية تعني الاعتراف بالمسؤولية - أو على الأقل بجزء منها -  الهزائم والفشل، ونحن أساتذة في لوم غيرنا وخلق الأعذار لأنفسنا.

العقلانية تلفظ الأيديولوجيات وجماعات المنتفعين، كالإسلاميين والقوميين الذين يستغلون القضية الفلسطينية ليروجوا ويبرروا أيديولوجيتهم التي أثبتت فشلها مرارا وتكرارا. العقلانية تعني النضج في التعامل مع الآخر - حتى لو كان عدو، والتعلم منه والتعامل معه، إن تعذر هزيمته.

فضل الكثير أن يعيشوا في شرنقة الممانعة والعاطفة والمظلومية، فخلقوا مجتمعات هشة متخبطة، مليئة بأبطال من ورق ومناضلين على صفحات التواصل الاجتماعي، يعتقدون أن قمة البطولة هي سب وشتيمه اليهود والإسرائيليين على مواقع التواصل الاجتماعي. 

عقلانية الزعيم الإماراتي محمد بن زايد صدمت مدعي المقاومة والممانعة، ليس لأنهم يحبون الشعب الفلسطيني أكثر من الإمارات، ولكن لأن كبريائهم يمنعهم من الاعتراف بفشلهم ونفاقهم وعلاقتهم مع إسرائيل. فتجد الرئيس التركي يصيح وهو من أحتفظ بعلاقات وثيقة بإسرائيل، وتجد روحاني ينوح، وهو من صوب سلاحه لقلب الشعب السوري وليس الإسرائيلي. وتجد مفتي القدس يحرم الصلاة في المسجد الأقصى على الإماراتيين "المطبعيين".

أصبح المفتي الفلسطيني أكثر عداء لبعض المسلمين، من المحتل الإسرائيلي، وكأنه هو وليس الحق سبحانه، يملك أولى القبلتين وثالث الحرميين ويتحكم فيمن يدخل ومن لا يدخل.

ليس من المستغرب أن ترى ردات الفعل الرافضة لقرار دولة الإمارات بتني طريق السلام مع إسرائيل. فعلى مدى عقود طويلة، فضل سكان الشرق الأوسط الكبرياء على العقل. فنحن لا نسعى لوقف خسائرنا ولكن نبحث عن تضميد كبريائنا الجريح. 

الكبرياء يا سادة هي آفة هذه المنطقة، فقد أعمى عقولنا وأظلم قلوبنا وجعلنا نفضل أن نرفض الواقع ولا نحاول تغييره إلى الأفضل — ولو قليلا. أي سلام بين الإمارات وإسرائيل لن يكون سلام بارد أو ساخن، بل سلام برغامتي، يتعامل مع الواقع ولا يتكابر عليه.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.