بعض الأشخاص يصابون بكورونا دون أن تظهر عليهم الأعراض
بعض الأشخاص يصابون بكورونا دون أن تظهر عليهم الأعراض

في الأشهر الثمانية الماضية خابت أغلب الآمال أو التوقعات المتفائلة حول سير وباء كورونا، فلم يختف المرض تلقائيا دون أن يتسبب بجائحة عالمية واسعة كما اختفى السارس والميرس خلال العقدين الماضيين، رغم أنهما من نفس عائلة كورونا، ولم يشهد الفيروس تراجعا في الصيف كما يحدث عادة مع الكثير من فيروسات النزلات الموسمية والإنفلونزا، بل على العكس، حمل الصيف الحالي أوسع انتشار للوباء، ففي نهاية شهر مايو كان عدد المصابين 6 ملايين شخص، بينما يقترب هذا العدد اليوم من 4 أضعافه أي 24 مليون، ولكن في المقابل كان عدد الوفيات في نهاية مايو بحدود 368 ألفا وتجاوز اليوم 800 ألف، أي أكثر قليلا من الضعف، مما يدل على أن نسبة الوفيات من فيروس كورونا خلال الصيف الحالي كانت أقل من النسب العالية التي سجلها في أوروبا في بداية العام. 

ويمكن القول أن العالم قد شاهد حتى الآن ثلاث نماذج من فيروس كورونا، الأول الذي انتشر في الصين ووصل إلى ذروته في الأيام الأولى من شهر فبراير واستمر حتى بداية شهر مارس، والذي لم يكن سريع العدوى حيث كان عدد المرضى يتضاعف كل سبعة أيام ونصف، ولذلك اقتصرت أعداد إصاباته على بضعة عشرات من الآلاف وأعداد وفيّاته على بضعة آلاف كان أغلبها في الصين، والنموذج الثاني هو الحالة التي أصبح عليها الفيروس بعد تفشّيه في إيطاليا وما حولها والذي تميّز بسرعة العدوى، بحيث قالت منظمة الصحة العالمية في 13 مارس أن مركز الجائحة قد أصبح في أوروبا، وفي هذه الموجة كان عدد المرضى يتضاعف وسطيا كل ثلاثة أيام، وهو ما أدى إلى خسائر فادحة في الأرواح في أوروبا ونيويورك وبعض الولايات الأميركية، وامتدت ذروة هذه الهجمة من نهاية مارس حتى بدايات مايو، ثم أتى نموذج البلدان الدافئة خلال فصل الصيف الحالي والذي كان سريع العدوى لكن مع نسبة وفيات أقل. 

والآن يقف العالم في حالة ترقّب حول ما الذي سيحمله فصل الخريف المقبل مع ميل الطقس للبرودة، مع مخاوف من حدوث هجمة جديدة تماثل ما حصل في أوروبا في شهر أبريل الماضي، وهذا غير مستبعد لأن وباء الإنفلونزا الإسبانية استمرّ عامين كاملين من بداية عام 1918 حتى بدايات عام 1920 وأتى كذلك على عدة موجات، الأولى في مارس 1918 وكانت معتدلة الشدة ونسبة وفياتها قريبة من وفيات النزلات الموسمية، وبدأت الموجة الثانية "القاتلة" في النصف الثاني من أغسطس وجابت أغلب العالم خلال فصل الخريف واستمرّت حتى نهاية عام 1918 وتسببت بأغلب الوفيات، وجاءت الموجة الثالثة مع بداية عام 2019 وكانت أخف في أعداد الوفيات من الموجة الثانية وأرجع بعض الباحثين انخفاض الوفيات فيها إلى زيادة الخبرة الطبية في التعامل مع الجائحة، بينما أرجعها آخرون إلى أن الفيروس قد طرأت عليه طفرة جعلته أقل سميّة وهذا يبدو أكثر ترجيحا، تبعتها موجة رابعة غير واسعة في الأشهر الأولى من 1920 انتهت بإسدال الستار على هذا الوباء، ويعود ذلك على الأغلب إلى وصول المجتمعات التي تعرضت للوباء إلى مناعة القطيع.  

وتتفاوت نسبة الإصابات المطلوبة للوصول إلى هذه المناعة حسب قدرة الفيروس المسبب للوباء على العدوى، والذي يعبّر عنه برقم التكاثر الأساسي، ففي الحصبة مثلا يتراوح هذا الرقم بين 12 و18 أي أن مريض الحصبة ينقل العدوى وسطيّا لخمسة عشر شخصا من الأصحاء، وفي مثل هذه الحالة حتى يكتسب المجتمع مناعة القطيع يجب أن يكون لدى أكثر من 90 في المائة من السكان مناعة من هذا المرض إمّا عبر اللقاح أو الإصابة، وتنخفض هذه النسبة في الأمراض الأقل قابلية للعدوى، ففي الإنفلونزا الإسبانية كان رقم التكاثر الأساسي بين 2 و3، وفي وباء كورونا الحالي تشير أغلب الدراسات إلى أنه قريب من الأنفلونزا الإسبانية، وفي هذه الحالة تكفي إصابة 55 حتى 65 في المائة من المجتمع لاكتساب مناعة القطيع، ومؤخرا قال توم بريتون وهو عالم رياضيات سويدي أنه عند إصابة 43 في المائة من السكان لا يستطيع الفيروس أن يواصل انتشاره. 

ولمعرفة إذا كانت بعض الدول أو المناطق قد وصلت إلى هذه المناعة لابد من معايرة الأجسام المضادة لكورونا في بلازما الدم، وقد قامت ولاية نيويورك بتحرّي هذه الأجسام عند عينات عشوائية من السكان، فتبين أن 14 في المائة من سكان الولاية لديهم أجسام مضادة وارتفعت هذه النسبة إلى 21 في المائة ضمن مدينة نيويورك، ووصلت إلى 27 في المائة في بعض المناطق الفقيرة، وهناك منطقتين سكانهما من أصول لاتينية وأفريقية تجاوزت فيهما نسبة من يمتلكون أجسام مضادة لفيروس كورونا 40 في المائة، أي أن هذه الأحياء اكتسبت مناعة معقولة من الوباء. 

ولكن الأسابيع الماضية أظهرت أن أغلب الدول الأوروبية لم تصل بعد إلى مناعة القطيع، فقد ارتفعت فيها من جديد أعداد الإصابات وخاصة إسبانيا التي رغم أن موجة الوباء السابقة كانت قاسية جدا عليها، ولكنها شهدت هجمة جديدة من كورونا انتقلت إليها من أميركا الجنوبية المتداخلة معها سكانيا فعاودت أرقام الإصابات الارتفاع من بضعة مئات في اليوم إلى بضعة آلاف، ولحقتها بعض الدول الأوروبية وإن بنسبة أقل حتى الآن، بما يعني أنه لا يوجد ما يمنع قدوم موجة جديدة من وباء كورونا إلى هذه البلدان. 

ولا يوجد من وسيلة حتى الآن لتخفيض رقم التكاثر الأساسي إلّا عبر المحافظة على التباعد الاجتماعي وارتداء الكمامات وإتباع أساليب النظافة الشخصية، بما يعني أن موجة جديدة وشديدة من كورونا في الخريف قد تدفع إلى إعادة غلق الاقتصاد وهذا سيؤدي لاستفحال الآثار الاقتصادية التي ستصبح نتيجة طول مدة الإغلاق أكثر أهمية من الآثار الصحية، ولذلك أعلن وزير الصحة الإيطالي قبل أيام أن حكومة بلاده لا تفكر بفرض عزل عام جديد بعد تزايد إصابات كورونا. 

وكذلك لم يعد من المقبول إغلاق المدارس لعام دراسي جديد، وقال بيان مشترك عن كبار مستشاري الصحة في بريطانيا أن عدم انتظام الطلاب في التعليم يمثل خطرا عليهم يفوق كورونا، وصرّح رئيس الوزراء بوريس جونسون أن عودة الأطفال إلى المدارس بعد عطلة الصيف يمثل أولوية وطنية، ويأتي سماح لجنة الغذاء والدواء الأمريكية باستخدام العلاج بالأجسام المضادة بعد أن أظهرت عدة أبحاث أنها تخفض الوفيات بنسبة 35 في المائة، ليشكل دفعة جديدة لجهود إعادة الحياة لأغلب القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والترفيهية في الولايات المتحدة، والأسابيع القليلة القادمة هي التي ستحدد إن كان كابوس كورونا قد شارف على نهايته لأن الفيروس قد أصبح أقل سمّية ولأن نسبة من السكان قد اكتسبت مناعة ضدّه كما توحي بعض المؤشرات، أم أن هناك فصولا جديدة من هذا الوباء على العالم معايشتها إلى أن يتوفّر اللقاح في بداية العام المقبل؟

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.