.
.

الألعاب النارية هي صنف من المقذوفات تستخدم لأغراض الترفيه والتسلية في الأعياد والاحتفالات، وتتميز بألوانها والأشكال التي تصنعها والضجيج الذي يصاحبها، ولكن الملمح الأكثر أهمية المرتبط بها هو أنها لا تترك أي أثر بعد تلاشيها. 

الألعاب النارية تشبه إلى حد كبير نمطا من التديُّن يهتم أصحابه بالأشكال والمظاهر الخارجية أكثر من اهتمامهم بجوهر الدين وقيمه العليا، تديُّن لا ينفذ إلى النفوس ويترك أثرا في السلوك بل يبقى في السطح ويزول بزوال المؤثر، وقد تفشى هذا النمط في السودان خلال فترة حكم تنظيم الإخوان المسلمين التي امتدت لثلاثة عقود.

وكان ميدان القيم هو أكثر الميادين الدالة على انكسار دولة الإخوان التي ادعى أصحابها أنهم ينطلقون في الأساس من المبادئ الأخلاقية المُتضمنة في الدين الإسلامي، وقد تم الترويج لتلك الدولة في مقابل الدعوات السياسية الأخرى من منصة ربط قيم السماء بالأرض وبناء الفردوس الدنيوي بسواعد الأطهار والأنقياء من أصحاب الوجوه النورانية والأيادي المتوضئة!

ويدرك كل صاحب بصر وبصيرة أن المنتوج النهائي لتلك الدولة قد تجلى في المفارقة المذهلة بين التدين الشكلي والأخلاق، إذ تزايدت مظاهر ذلك النمط من التدين بصورة واضحة لا تخطئها العين بينما تدهورت الأخلاق بشكل مريع وغير مسبوق.

قد تبدت أبرز تجليات العلاقة العكسية بين التدين المصطنع والأخلاق في ظاهرة امتلاء المساجد بالمصلين، وهو الأمر الذي عده أنصار دولة الإخوان دليلا قاطعا على نجاح مشروعهم السلطوي، وطفقوا يقولون إن قبل سيطرتهم على الحكم لم يكن هناك إقبال على الصلاة الجماعية ولم تكن المساجد مملوءة بمثل الأعداد الغفيرة من المصلين التي شهدتها فترة توليهم السلطة.

لا شك أن الإقبال على المساجد تزايد بصورة كبيرة في فترة حكم الإخوان، ولكن السؤال البسيط الذي يجب أن يطرح في هذا الإطار هو: هل كان غرض مشروع الإخوان يتمثل في ملء المساجد بالمصلين أم سعى ذلك المشروع للنفاذ إلى الغاية الأخلاقية من أداء شعيرة الصلاة وهي النهي عن الفحشاء والمنكر؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي نستطيع عبر الإجابة عليه أن نقيس مدى نجاح أو فشل المشروع الإخواني.

صحيح أن أعداد المصلين بالمساجد كانت في السابق أقل مما شهدته فترة حكم الإخوان، ولكن الصحيح أيضا أن الفساد لم يكن في الماضي منتشرا بالشكل المرعب الذي شهده عهدهم، ولم تكن الرشوة جزءا من الحياة اليومية للموظف أو المسؤول الحكومي ولم يكن الاحتيال مُتفشيا بالصورة المخيفة ولم تكن السرقة والاغتصاب والقتل والنهب تمثل خطوطاً يومية ثابتة في صفحات الجرائد.

إن ذات الأشخاص الذين يحرصون على أداء الصلاة في الصف الأول ويذرفون الدمع خشوعا عندما يتلى عليهم القرآن ويأتون بجميع الأوراد، هم أنفسهم الذين يحلفون بالله كذبا في السوق ويبيعون البضائع الفاسدة والمنتهية الصلاحية ويطففون في الميزان ويأكلون حقوق الناس بالباطل.

ومن ناحية أخرى، فإن المجتمع لم يكن في الماضي يعيش حالة النفاق العام التي شهدها حكم الإخوان، وهو النفاق الذي لم يقتصر على احتفاء الأفراد بالمظاهر الخارجية للتدين على حساب السلوك القويم، بل امتد إلى ممارسة العبادات بذات طريقة الألعاب النارية التي أفرغتها من محتواها الحقيقي وغايتها الأصلية بوصفها علاقة خاصة جداً بين العبد وربه.

أضحى السفر لقضاء الحج والعمرة  أقرب للترفيه منه للعبادة الحقيقية، فتجد المعتمرين يتواعدون على اللقاء في أرض الحرمين على طريقة المسافرين لقضاء عطلة صيفية في شاطئ الإسكندرية أو أرخبيل جزر القمر، يذهبون ويعودون لممارسة الكذب والنفاق والسرقة دون أن يرمش لهم جفن، يظنون أنهم يخدعون ربَّ العالمين بتكرار الذهاب لبيته كل شهر وكل عام.

وعلى ذات النسق تحوَّل المسجد "بيت الله" من مكان لممارسة العبادة إلى تجمُّع للتظاهر الاجتماعي وللتعبيرعن التمايز الطبقي الصارخ، وفي هذا الاطار اشتهر أحد مساجد مدينة الخرطوم بأنه كان مقراُ لعلية القوم من "الإخوان" أصحاب الأيادي الناعمة و العمائم والشالات الناصعة البياض والمُتمسحين بأهدابهم ممَّن يقطعون عشرات الكيلومترات حتى يظفروا بالصلاة في ذلك المسجد تاركين خلفهم الكثير من الجوامع مما يشي بأن غرضهم الحقيقي ليس هو أداء الشعيرة.

وفي نفس الإطار تحول أئمة المساجد إلى "نجوم شباك" شأنهم شأن المطربين الشباب ولاعبي كرة القدم، لكل خطيب معجبين لا تروق لهم الصلاة إلا خلفه، خصوصا إمام المسجد المذكور أعلاه الذي شاءت الأقدار أن يغيب عن الصلاة لفترة لظروف خاصة به فغابت معه جموع المصلين وأصبح المسجد في غيابه خاويا على عروشه حتى رجع بعد حين، ليعود معه التزاحم، فتأمل!

هؤلاء الأئمة صار جل همهم هو تحصيل الأموال على طريقة المطربين فتجدهم يأمون المصلين في أكثر من مسجد خصوصاً في المواسم مثل شهر رمضان، يتعاقد أحدهم مع ثلاثة أو أربعة مساجد في نفس الوقت، ولذلك تجدهم يؤدون الصلاة على عجل حتى يتمكنوا من تغطية جميع ارتباطاتهم.

المصلون أنفسهم- رجالاً ونساء- باتوا يتزاحمون في المساجد لأداء النوافل خصوصاً في المواسم مثل شهر رمضان مع أن الأصل فيها أن تُؤدى بصورة فردية, فتحولت الصلاة "العبادة “إلى مناسبة اجتماعية, مثلها مثل عقد القران أو العقيقة، حيث يجلب الناس الطيبات من الأكل وما تشتهيه الأنفس من عصائر وفطائر وأرز باللبن وغيرها، كما تحولت ساحات المساجد الخارجية أثناء التهجد لأماكن للمسامرة.

ليس هذا فحسب، بل أن الحرص على الاحتفاء المظهري بالدين قد امتد إلى بناء المساجد نفسها، ففي الوقت الذي افتقر فيه الناس لأبسط حاجاتهم من العلاج والتعليم، كان الجهد الأكبر قد انصرف إلى الإنفاق الضخم على بناء المساجد وزخرفتها دون مراعاة لترتيب الأولويات، وحتى المساجد تم بناؤها في الأماكن التي لا توجد بها كثافة سكانية أو حاجة حقيقية، ولكنها شيدت في المناطق التي تلفت أنظار الناس إلى أن هذه هي "دولة الإسلام"!

جميع هذه المظاهر تعكس حقيقة أن دولة الإخوان نجحت بامتياز في فرض نوع من التدين أشبه بالألعاب النارية، حيث لا هم للمتدين سوى إبهار الناس من حوله حتى يظفر بلقب مُتدِّين وذلك عن طريق أداء الشعائر بصورة مظهرية والتمسك الشكلي بالأمور الدينية الثانوية، مما يجعله يشعر بنوع من الراحة الوهمية والأمان الزائف باعتبار أنه التزم بأداء الفروض الدينية المطلوبة!

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.