الحزب الديمقراطي عقد مؤتمره هذا العام عبر الفضاء الافتراضي بسبب جائحة كورونا.
الحزب الديمقراطي عقد مؤتمره هذا العام عبر الفضاء الافتراضي بسبب جائحة كورونا.

الأسبوع الماضي كان دور الحزب الديمقراطي، وهذا الأسبوع هو دور الحزب الجمهوري. منذ أكثر من نصف قرن والمؤتمران الحزبيان، السابقان للانتخابات الرئاسية والتي تقام في مطلع نوفمبر كل أربع سنوات، قد تحولا إلى مناسبة احتفالية للتعبئة والتحفيز وحسب، وفقدا الطابع العملي، إذ ينعقدان دون أي غموض حول اسم المرشح الذي سوف يجري اختياره لخوض المواجهة الرئاسية، ولا يشهدان أي نقاش جدي حول البرنامج الانتخابي لكل من الحزبين.

ففي زمن الشخصنة السياسية، والتي لا تقتصر بتاتاً على الولايات المتحدة، ولا هي بجديدة عليها وإن كانت نسختها الحالية أكثر فداحة، فإن الموضوع الأول لكل من المؤتمرين هو المرشح الرئاسي للحزب المعني، سلوكه، أداؤه، محاسنه، وربما بقدر مماثل، المرشح الرئاسي للحزب الخصم، هفواته، عيوبه، مثالبه.

هذا ما كان الأسبوع الماضي، تبجيل بجو بايدن، المرشح الديمقراطي، وطعن وتجريح بدونالد ترامپ، الرئيس الحالي ومرشح الحزب الجمهوري. أما هذا الأسبوع، فالمعادلة مقلوبة بالطبع، تعظيم بترامپ وتسفيه لبايدن.

ولكن فيما يتعدى الشخصنة الشاخصة، فإن كل من الحزبين يجتهد لتأطير الخلاف بما يترفع عن عواطف الإعجاب والنفور بشخص المرشح وخصمه، ليبلغ مستوى التمايز العقائدي والذي يستوجب الاعتبار الموضوعي العقلاني. وهنا أيضاً بطبيعة الحال يعمد كل من الحزبين إلى النفخ والتنفيس، أي تشذيب تصوير برنامج الحزب نفسه لإظهار حسناته، وتسطيح عرض برنامج الحزب الخصم لإبراز سيئاته.

غير أن الفوارق العقائدية بين الحزبين أصبحت اليوم أكثر حدة. يذكر هنا أن مفهوم الحزب في الولايات المتحدة، بما تتسم به من لامركزية بنيوية، هو أقرب إلى مفهوم الجبهة الانتخابية خارجها. إذ أن هدف الاصطفاف الحزبي هو تحقيق الأكثرية في المجالس التشريعية، بالإضافة إلى إيصال المرشح الرئاسي الحزبي إلى البيت الأبيض. وعليه، تاريخياً، فإن الخلافات العقائدية في ما يعتمده الحزب الواحد في الولايات المتحدة لم تكن ذات شأن كبير.

لم يكن ثمة حرج في الماضي أن يكون الديمقراطيون في ولايات الشمال الشرقي مثلاً تقدميين في علاقتهم بالنقابات ودعمهم لقضايا الحريات الشخصية، فيما زملاؤهم في الجنوب محافظون، ومتحفظون عن أي خطوة تدعو للدمج والمساواة بين الأعراق. وفي المقابل، فإن الحزب الجمهوري تدرّج عبر العقود ليصبح تحالفاً بين أصناف مختلفة من التوجهات المحافظة، بعضها اجتماعي يعارض الحق بالإجهاض وتطبيع المثلية، وبعضها اقتصادي يدعو إلى تقليص دور الدولة في السوق والحد من القيود الرقابية على عمل الشركات، بعضها صقوري يدعو إلى التدخل في الخارج، وبعضها الآخر انطوائي يدعو إلى الامتناع عن التدخل والانكفاء.

أما اليوم، وإذا كانت التعددية في التوجهات العقائدية لا تزال قائمة إلى حد ما داخل كل من الحزبين، فإن ما انتفى هو التلاقي الذي كان متحققاً بالأمس بين أجنحة من كل من الحزبين على أساس الاشتراك بالتوجه، مع الاختلاف بالانتساب الحزبي. أي أن الحزب الديمقراطي كان بالأمس أقرب إلى التوجهات التقدمية، ولكنه كان يضمّ كذلك محافظين اجتماعيين، والحزب الجمهوري كان أقرب إلى المحافظة، غير أن كان في صفوفه من الحرياتيين الذين يتماهون مع التقدميين في مواقفهم الاجتماعية. أما اليوم، فالاصطفاف يكاد أن يكون قد اكتمل. من يشير إلى المحافظين يعني الجمهوريين، ومن يقصد التقدميين يتحدث عن الديمقراطيين، وإن كان بالأمر قدر من الاختزال.

خلاصة الموقف التقدمي، المهيمن اليوم على الحزب الديمقراطي، هو السعي إلى تحقيق العدالة والحرية، من خلال التشديد على المسؤولية الجماعية، الطبقية كما الجيلية والتاريخية، في معالجة الأوضاع القائمة وفي استباق الأزمات المنظورة والوجودية، كالتي تطال البيئة تحديداً، بل توسيع دائرة العناية المطلوبة للإقرار بمسؤولية الولايات المتحدة عالمياً، بما في ذلك متابعة استقبال الوافدين، واستدراكياً من خلال رفع الغبن الذي لحق بالبعض، من الاستعباد إلى كافة مخلفاته.

أما الموقف المحافظ، بصيغته السابقة للواقع القائم اليوم على الأقل، فيتلاقى مع القراءة التقدمية في تحديد القيم، ولكن مع تبديل الترتيب، أي أنه يسعى إلى تحقيق الحرية والعدالة، مع تقديم الحرية، مع ما يستتبع ذلك من عواقب تؤدي إلى التباعد الكامل بالتفاصيل. فالتعويل، من وجهة النظر المحافظة، هو على تآلف المبادرات الفردية لتحقيق الصالح العام، وليس الاعتماد على أجهزة الحكم، والتي من شأنها أن تنحدر من التوجيه الأبوي المنقّص للحرية إلى العمى الإداري المفسد عن قصد أو عن غير عمد. والحرية كذلك، من وجهة النظر المحافظة، تقتضي بأن ترسم المجتمعات بنفسها أطرها القيمية والأخلاقية، لا أن تأتي منظومة عقائدية متسلحة بنجاحها ببلوغ مراتب السلطة لتفرض نفسها على المجتمعات والأفراد. وعليه، مثلاً، فإن تطبيع المثلية ليس مسألة حقوقية من وجهة نظر محافظة، بل مسعى استبدادي لنخبة عقائدية.

مع غياب مساحات التلاقي الفكرية بين الحزبين، ومع تضييع الولايات المتحدة، كما العالم أجمع، للحيّز الإعلامي والفكري المشترك، والذي كان قائما من خلال الصحافة الجامعة والعدد المحدود من المنابر العامة، بما كان يتيح المجال لمتابعتها كلها أو جلها، ومع جنوح كل «قبيلة» فكرية إلى الانكفاء في عالمها الافتراضي، تقلصت إمكانية تفهم الآراء المعارضة، وأصبح المستتب الاكتفاء بالتسفيه وبالتخوين في التعامل معها. فإما أن الخصم غبي تافه أو أنه كاذب متآمر. وبما أن ذلك يتيح المجال أمام الشعبوية والتعبوية كأساليب ناجعة في الخطاب السياسي، فإن النتيجة هي اندفاع تراكمي في هذا الاتجاه، لا سبيل إلى إيقافه. أي إذا كان الشعبوي قادراً على إثارة الرأي العام في صفّه، فإنه لا جدوى من مواجهته بالحجج المنطقية الرصينة، والتي من شأنها أن تستقطب القلة القادرة أو الراغبة بتخصيص الوقت للإصغاء. بل الأنجع اتباع مبدأ "وداوني بالتي كانت هي الداء" لتجييش القاعدة المواجهة. أي أن الشعبوية تستدعي الشعبوية.

هكذا كان مؤتمر الحزب الديمقراطي، وهكذا هو مؤتمر الحزب الجمهوري. الحاجة الآنية هي إلى الشخصنة. الزعم والرجاء هو الظهور بمظهر من يشهر الإطار العقائدي. والنتيجة هي الشعبوية التي تكشف عن مدى الانفصام السياسي والفكري الذي تشهده الولايات المتحدة.

على أن التدرج التصاعدي من الشخصنة إلى الشعبوية لا يؤدي وحسب إلى تهميش البعد العقائدي، بل يدفع باتجاه تعميق عزلة "القبائل" المجازية الفكرية لتمسي قبائل حقيقية هوياتية لا تكتفي بالانغلاق النظري، بل تبرز الخصومة الاجتماعية، وتعتاش من الريبة القائمة بين المكونات، وتتآكل القناعة بأن ازدهار المجتمعات والجماعات ليس معادلة صفرية، إما هذه أو تلك، بل هي كفيلة بأن تتقدم جميعاً وأن تتراجع جميعاً.

لم يصل الواقع في الولايات المتحدة بعد إلى حد أن يصبح الحزب الجمهوري "حزب البيض" والحزب الديمقراطي "حزب غير البيض"، رغم أن غالبية الناخبين "البيض" يختارون الجمهوريين، وتعويل الديمقراطيين هو على "غير البيض". غير أن التباعد الفكري بين الوسطين التقدمي والمحافظ، والذي أمسى مطابقاً للخلاف السياسي بين الديمقراطيين والجمهوريين، يطرح مسألة الهوية بصيغ متنافرة لا تشترك بالمضمون. هي قضية غبن تاريخي وحاجة إلى التصحيح والتعويض وفق القناعة في الصف التقدمي الديمقراطي، حيث الغلبة العددية لـ "غير الأبيض". ولكنها استعباد جديد وتجيير لقضايا موهومة أو مبالغ بها من أجل الاستيلاء على السلطة من جهة أخرى، في الصف المحافظ الجمهوري "الأبيض". أما الحوار فغائب، ليس من يدعو إليه وليس من يبادر به.

هو إذن انحدار مقلق باتجاه تعميق لدور الهوية الفئوية على حساب الانتماء الجامع. وفي حين أن هذه الظاهرة لا تقتصر على الولايات المتحدة، غير أن بروز هذا الواقع فيها، نظراً لحجمها ووزنها ودورها في الاستقرار العالمي، من شأنه أن يضاعف تفشي العدوى في بلدان عدة هي أقل قدرة على مواجهة عواقبه.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.