اللبنانيون يعانون من تداعيات الانفجار المدمر.
اللبنانيون يعانون من تداعيات الانفجار المدمر.

الموجات الفراغية التي خلفها انفجار بيروت ما زالت تتردد أصداؤها في أجسام أهل المدينة. الانفجار مستمر في هدم الرؤوس، ويواصل توسعه في وجدانانا. الخسائر تتمدد كل يوم وتقضم مساحات جديدة من الأحياء والبيوت والناس. وحدهم السياسيون من يستعجلون نهاية للكارثة التي أحدثوها. وحدهم من تخشبت وجوههم ونشف ماؤها، ووحدهم من استأنفوا أفعالاً كانت دأبهم منذ تنصيبهم زعماء وتشكيلهم مافيات تسلمت كل مرافئ الدولة.

إنهم الأشرار العاديون، أولئك الذين تتحدث عنهم كتب التربية المدنية في الصفوف الابتدائية. الأشرار الذين يقتلون الأطفال ويشربون الدماء ويسرقون الأيتام. الأشرار الذين لم تهزهم جريمة بحجم آلاف الضحايا، وعشرات آلاف المنازل، ومئات آلاف المشردين! ماذا بعد ذلك؟ لقد استأنفوا ما كانوا بدأوه قبل الجريمة. 

نبيه بري، رئيس البرلمان، وجد ضالته في رفع دعوى قضائية على ناشطين، وقبل ذلك بأيام كانوا حراسه قد فقأوا أعين متظاهرين محتجين على الجريمة! جبران باسيل استأنف خطابه المذهبي، بل ذهب به إلى مستويات غير مسبوقة. ها هو مساعده نقولا صحناوي يكشف للبنانيين أن المستهدف في التفجير هم المسيحيون، ودليله على ذلك أن قنبلتي هيروشيما وناكازاكي النوويتين كانت استهدفتا أقلية مسيحية في اليابان! وهنا لا داعي للقول بأن ما قاله الرجل قد قاله فعلاً. وحزب الله يريد أن يستأنف "المقاومة" وكأن انفجاراً لم يقع، وأمين عامه عاتب على اللبنانيين لأنهم رفعوا صور الزعماء المتسببين بالجريمة وهو على رأسهم، على مجسمات مشانق. 

إيمانويل ماكرون قادم إلى بيروت لكي يلتقي بهؤلاء الأشرار. سيتفاوض معهم حول ما أنجزوه في فترة غيابه، وسيسألهم عن التحقيق بأسباب الانفجار! الرجل يعرفهم واحداً واحداً. العالم كله يعرفهم أيضاً، والعالم كله مذهول مما ارتكبوه. الخبر اللبناني هو عبارة عن نكتة تنطوي على مأساة. فمقولة نقولا صحناوي عن هيروشيما وناكازاكي قد تدفع إلى الضحك لولا أنها قيلت في سياق جريمة بحجم جريمة بيروت، ولجوء نبيه بري إلى القضاء كان من الممكن تفسيره في حدود مراوغاته العادية، لولا أنه أيضاً لا ينطوي على تجاهل حقيقة أن بيروت دُمرت.

لا شيء يمكن أن يقال عن هؤلاء سوى أنهم أشرار، وهم كذلك من دون مواربة. هم لا يشعرون أنهم بحاجة لبذل جهد للإيحاء بغير هذه الحقيقة. يقولون للعالم أنهم أشراره، وأن لا خيار أمامه سوى مفاوضتهم على شرورهم. ماكرون وقف أمامهم وجهاً لوجه، وقال لهم ما قاله على الملأ، ولم يشعر واحد منهم بالخجل. 

وها هو عائد، وقد سبقته شكوكه وريبته بهم، لكنهم ينتظرونه بوجوههم المبتسمة والمفصحة عن حجم الدماء الذي تسببوا به، لكنهم لم يقدموا تنازلاً واحداً. حزب الله يريد حكومة تستأنف فسادها كي تتولى حمايته، وجبران باسيل يريد حقيبة الكهرباء لكي يواصل سطوه على ما سيأتي من مساعدات، ونبيه بري لن يتخلى عن وزارة المالية التي تتولى هندسة كل السرقات، فيما سعد الحريري الذي لا يريد رئاسة الحكومة، سيقف بالمرصاد لكل من يبخس الطائفة السنية حقها في حصة من اقتصاد المساعدات. 

بعد الانفجار، لم نعد أمام مواجهة عادية بين سلطة فاسدة ومرتهنة، وبين مواطنين يحاولون التصدي لهذه السلطة. لقد أطلقوا الرصاص الحي على المتظاهرين بعد أيام قليلة على ارتكابهم الجريمة. لقد فسروا زيارة ماكرون، الذي جاء ليبلغهم بأن العالم كله صار يعرف كل تفاصيل فسادهم، بأنها خطوة تعني فك الحصار عنهم. لقد كشفت الوثائق أنهم استقدموا باخرة الأمونيوم بأنفسهم، وتركوها نهباً لإهمالهم وفسادهم، ووضعوا بجانبها مفرقعات وربما صواريخ لـ"مقاومتهم"، ودمروا ثلث المدينة وشردوا نحو 50 ألف عائلة، ثم عادوا بعدها ليبحثوا بحصصهم في الحكومة التي تعقب الانفجار. أي بشر هؤلاء، وأي ثروات يطمحون لكي يراكموها؟ لم يبق إلا الركام فهل يطمحون إلى ابتلاعه أيضاً؟

الانفجار يواصل توسعه، ذاك أننا لم نتمكن بعد من الإحاطة بحجمه. وهو اذ يفعل ذلك، يتولى أيضاً تدمير استقرار هش كنا نخفي وراءه فشلنا في إلحاق الهزيمة بهؤلاء الأشرار. فأن يبلغك ابنك بأن 11 زميلاً له في الصف سيغادرون لبنان، فهذه قصة من أعمال التوسع التي باشرها الانفجار، وأن تلاحظ أن عشرة من أصدقائك الذين جُرحوا في الانفجار سترافقهم جروحهم لسنوات طويلة، فهذه أيضاً من أعمال التوسع تلك. 

أما المنطقة المنكوبة، فلم يعد فيها منزلاً لشخص نعرفه يصلح للسكن، وما أكثر هؤلاء الأشخاص. هذه حقائق تعود إلينا كل يوم، وهي ليست وقائع منقضية، انما متجددة ومتواصلة، وهي لن تصبح فعلاً ماضياً طالما أن ضحاياها على قيد الحياة. وهنا يلوح مخرج لهذه الطبقة السياسية، يتمثل في أن يكملوا مهمتهم في القضاء على من تبقى من شهود على جريمتهم، فتستقر لهم السلطة ويستقر لهم الركام.        

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.