المغرب يشهد ارتفاعا في حالات الإصابة بكورونا.
المغرب يشهد ارتفاعا في حالات الإصابة بكورونا.

صدر عن وزارة التعليم المغربية بلاغ بخصوص الموسم الدراسي المقبل. البلاغ يعلن أن الدراسة، خلال الأشهر الأولى من السنة الدراسية، ستتم عن بعد؛ ويترك المجال مفتوحا للأسر التي ترغب في التعليم الحضوري، من أجل تقديم طلب بالخصوص. 

كثيرون يتساءلون، إلى غاية الآن، كيف سيتم تنظيم الدراسة عن قرب وعن بعد في الوقت نفسه، وكيف يمكن أن يؤثر الاختياران على تمدرس مختلف المستويات التعليمية.

من المؤكد أن ارتفاع حالات الإصابة بالفيروس تدعو الجميع للحرص في الاختلاط؛ كما يبدو أن الأسلم، للحد من انتشار الفيروس، أن يتم تعميم التعليم عن بعد، خلال فترة من الزمن؛ على الرغم من الصعوبات الكثيرة التي يطرحها الأخير لأسرٍ ومدرسين ليسوا مؤهلين بالضرورة لهذه التجربة. 

في نفس الوقت، راجت أخبار غير رسمية عن احتمال إقرار بعض المؤسسات التعليمية في القطاع الخاص، لشرطٍ مفاده أن على الأسر الراغبة في تسجيل أطفالها للموسم المقبل، دفع مصاريف التعليم السنوية كاملة في بداية السنة، وعدم الاكتفاء بالأداء الشهري... ربما لأن المدارس الخاصة تريد أن تحمي نفسها من رفض الأسر للأداء، كما حدث خلال الفصل الأخير من السنة الماضية، إذا تم اعتماد التعليم عن بعد.

تخوفٌ مشروع.. لكن، بالمقابل، من يحمي الأسر؟ 

إنه لمن العبث والظلم المؤسس، أن تهمل الحكومة التعليم العمومي بهذا الشكل، ليصبح الملاذ بالنسبة لمعظم الأسر الراغبة في مستوى تعليمي جيد لأبنائها، أن تسجلهم في القطاع الخاص.

اليوم في المغرب، لم يعد التعليم الخاص حكرا على أبناء الطبقة الميسورة (علما بأنه، إلى غاية نهاية التسعينات، كان التعليم الخاص ملاذ الراسبين الذين لَفظهم التعليم العمومي). 

اليوم، صرنا نقابل أشخاصا بمداخيل متوسطة وأحيانا ضعيفة، يسجلون أبناءهم في مدارس القطاع الخاص، لأن الثقة باتت شبه مفقودة في القطاع العام؛ ليس فقط على مستوى جودة التعليم، لكن أيضا بسبب ضعف (غياب؟) أبسط البنيات في المدارس، إضافة إلى غياب الأمن والأمان. 

يقترح بعض الفاعلين تصورا، قد يراه البعض الآخر شعبويا؛ لكنه ربما يحمل جزءً من الحل: أن يتم سن إجبارية التعليم العام بالنسبة لأبناء كل المنتخبين وكل المنتخبات (التشريعيين والمحليين) وكل الأشخاص الذين يتم تعيينهم في مناصب القرار. لا يعقل أن تكون منتخبا أو في منصب مسؤولية، وأن تكون أنت نفسك فاقدا للثقة في النظام التعليمي الحكومي. بل أن المفارقة في المغرب أن وزير التعليم نفسه، يدرُس أبناؤه في مدارس البعثة الفرنسية! قد يقول قائل إنه لم يكن وزيرا حين سجل أبناءه بهذا المؤسسة، لكنه كان رئيس إحدى أهم الجامعات المغربية!

حينها سيكون كل المسؤولين\ات (وعلى رأسهم وزير التعليم) وكل المنتخبين\ات معنيين بشكل مباشر وشخصي (عبر أبنائهم وبناتهم) بتجهيزات وجودة التعليم، فيمكننا حينها أن نطمح لتعليم بجودة عالية ولمدارس بتجهيزات مناسبة ولأمن وأمان في محيط المدارس.

أما اليوم، ومعظم المسؤولين والمنتخبين لا يعرفون حتى ما يحدث في المدارس العمومية، لأن أبناءهم مسجلون في القطاع الخاص وفي مؤسسات البعثات الأجنبية، فسنستمر في تكريس طبقية في التعليم، بينما المفترض أن يتوفر لجميع المواطنين تعليم بمستوى جيد، بغض النظر عن عدد الأصفار على اليمين، في حسابات أسرهم البنكية! 

هناك فعلا بعض الاستثناءات القليلة التي نجحت بشكل باهر بينما لم تدرس إلا في القطاع العمومي. لكن معظمها يبقى استثناء... لا يعقل اليوم أن تكون حظوظك في التعليم الجيد مرتفعة، لمجرد أنك ولدت في أسرة غنية... وأن تكون حظوظك أقل، حين يقذف بك قدر الولادة، صدفة، في وسط فقير. 

من غير المقبول أن تستمر الدولة في هذه العبثية في تدبير قطاع يعد من أهم القطاعات حيوية في أي مجتمع. 

من غير المنطقي أن نطمح لبناء مجتمع متطور بمنظومة قيم تحترم الآخر وتحترم المواطنة وتحترم القانون وروح المسؤولية، ونحن نؤسس لمجتمع ظالم، يتعلم فيه الغني دون الفقير؛ لا لكفاءة شخصية لديه بل لمجرد انتماء اجتماعي... 

لا يمكننا أن نبني غدا أفضل، ونحن ندمر أي مشروع لسلم اجتماعي متاح، يمَكِّن الجميع من الترقي، ويضمن تعليما جيدا لكل المواطنين!

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.