باتت خطابات حسن الله مثار تهكم وسخرية.

اعتدتُ مع عدد من الأصدقاء، سياسيين ومحللين وصحافيين، أن نتوسّل ما يردنا من معلومات، سواء من مصادر خاصة أم من المصادر المفتوحة، لنضع توقعات مبنية على التحليل، لما ستكون عليه الأمور في المستقبل القريب.

في الأيّام الأخيرة الماضية، توصّلنا الى قناعة مشتركة بأنّ "حزب الله" لم يمر، منذ نشأته حتى اليوم، بمأزق وجداني وطني وإقليمي، كالذي يختبره حالياً، ولكن اختلفنا حول الخطوات التي يمكن أن يتخذها الحزب، لتجاوز هذا المأزق.

 قبل استعراض السيناريوهات التي يمكن للحزب اعتمادها، من أين جاءت هذه القناعة بأنّ الحزب الذي يسيطر على لبنان ومؤسساته، هو فعلاً، في مأزق؟

الحرب الناعمة

من الواضح، أنّ "حزب الله" قد مًني بخسائر فادحة فيما يسمّيه "الحرب الناعمة". 

وعليه، فإنّ "حزب الله" يعيش، حالياً، في ظل حالة إعلامية معادية غير مسبوقة، سواء في الإعلام اللبناني أم العربي أم العالمي، في ظل قناعة تترسّخ، يوماً بعد يوم، بأنّه متورّط، بشكل كبير، في إيصال لبنان الى الحالة المأساوية التي يمر بها.

ولم تعد وسائل الإعلام التابعة مباشرة أو غير مباشرة للحزب قادرة على إقناع الرأي العام بالبروبغندا التي يرغب الحزب بها.

كما أنّ وسائل التواصل الاجتماعي، لم تصل، يوماً، إلى حالة من التعبئة المعادية لـ"حزب الله"، كما وصلت إليه حالياً، بحيث بات "الجيش الإلكتروني" الذي سبق وشكّله الحزب، بدعم مباشر من أمينه العام حسن نصرالله، عاجزاً عن مواجهة النقمة التي تواجهه، بحيث ارتدّت الشتائم والاتهامات التي يوجهها لمعارضيه، عليه.
في حين أن خطابات نصرالله، بعدما كانت تستقطب جمهوراً واسعاً، أصبحت بلا جاذبية، وتنتظرها التعليقات السلبية هنا والساخرة هناك والتي تفوق بأضعاف تعليقات المؤيدين والمريدين.

العداء لإسرائيل

في هذا الوقت، خسر "حزب الله" الملف الذي كان يجيد استعماله سابقاً، أي العداء لإسرائيل.

صحيح أنّ إسرائيل لا تزال بنظر كثير من اللبنانيين عدوّاً، إلا أنّ غالبية هؤلاء لم تعد ترى أن "حزب الله" هو المؤهل للتصدّي لهذا العدو، بل تعتبر أن هذا الحزب يتوسّل عداءه لإسرائيل، من أجل تبرير احتفاظه بسلاحه غير الشرعي الذي يستعمله، ولو من باب التلويح في غالبية الأحيان، في بسط سطوته على الداخل اللبناني.

في اعتقاد هؤلاء أنّ "حزب الله"، في ظل الإكثار من شعارات العداء لإسرائيل، يضع مجهوده العسكري، حيث يرغب بذلك الحرس الثوري الإيراني.

ويجدون أنّ التأزيم الأخير على الجبهة الجنوبية لا علاقة له بأعمال المقاومة، إنّما هدفه الحصري، تمديد قواعد الاشتباك المتفق عليها بين الحزب وإسرائيل، لتشمل مراكز الحرس الثوري الإيراني في سوريا التي تتعرّض لغارات إسرائيلية موجعة.

وينشر "حزب الله" مقاتليه مع "الحرس الثوري الإيراني" في سوريا، ويريد أن يرد من لبنان على إسرائيل، إن قتلت له عنصراً، في سوريا.

وقاعدة الرد على إسرائيل على عمل حصل في سوريا، ترتد بذاتها على "حزب الله"، لأنّه بذلك يورّط لبنان في التعقيدات المكلفة لما يحصل في سوريا.

ويعتقد كثير من اللبنانيين أنّ "حزب الله" يقحم لبنان في أجواء حربية، ممّا يضاعف مآسيه المالية والاقتصادية والاجتماعية، من أجل خدمة إيران، لا أكثر ولا أقل.

"محكمة عيّاش"

على الرغم من أن الحكم الذي أصدرته غرفة الدرجة الأولى في المحكمة الخاصة بلبنان أتى ضد المتهم سليم عيّاش دون غيره ومن دون وصله جنائياً بالجهة الحزبية التي ينتسب إليها، إلّا أنّ الرأي العام رفض كل فصل بين عيّاش و"حزب الله"، انطلاقا من حيثيات كثيرة، تبدأ بمنطق الأمور إذ إن عيّاش- وهو متهم أيضاً بملفات اغتيال جورج حاوي ومحاولتي اغتيال الياس المر ومروان حماده- لا يملك من دون دعم الحزب قدرة على تنفيذ جريمة بهذا الحجم، مروراً بتأكيد المحكمة التي شكت من غياب الأدلة الاتهامية، أنّ للحزب كما للنظام السوري مصلحة في تصفية الحريري، وصولاً الى توفير "حزب الله" الحماية الكاملة لعيّاش تحت شعار "كل يد تمتد إليه تُقطع".

وتحوّل هذا الحكم الى عبء معنوي إضافي على الحزب، ممّا رفع من منسوب الغضب الشعبي عليه وعلى الأدوار التي يلعبها في لبنان.

البطريرك الراعي

ولم يكن ينقص "حزب الله" سوى خروج البطريرك الماروني بشارة الراعي الى المواجهة تحت عنوان "حياد لبنان الناشط". 

كان الكاردينال الراعي، حتى أشهر قليلة خلت، مهادناً لـ"حزب الله" مثله مثل غالبية الطبقة السياسية اللبنانية، ولكنّه أمام هول الكارثة التي ضربت لبنان وأسبابها الفعلية، أعاد بكركي الى حيث يجب أن تكون.

وإعادة تموضع الراعي أزعجت "حزب الله" الذي أوكّل أمر مواجهته الى وسائل إعلام معتمدة منه كما الى صغار مشايخه.

وعلى عادة هذا الصنف من الأقلام والأشخاص، لم يكن ثمة تهمة يمكن اعتمادها سوى "العمالة" لإسرائيل والسفارات.

والراعي مثله مثل سائر اللبنانيين لم تخجله هذه "التهمة الخشبية"، بل بات يردّدها لإدانة فئة لا تؤمن بالحوار ولا تتعاطى مع الطروحات بمنطق نقاشي.

وذهب البطريرك الماروني إلى أبعد من ذلك، فطالب الدولة بإزالة الدويلات، وبلم السلاح غير الشرعي، وبوضع اليد على كل مخازن الأسلحة والمتفجرات التي يخشى الناس ان تكون متواجدة في أحيائهم.

وهذا التطوّر الذي شهدته بكركي يُذكّر اللبنانيين بخطوة سبق وأثبتت فاعليتها، كان قد اتخذها البطريرك الراحل الكاردينال نصرالله صفير، حين دق النفير لتحرير لبنان من وصاية النظام السوري.

ومع تهاوي شعبية الرئيس اللبناني ميشال عون، سواء على المستوى الوطني أم على المستوى المسيحي، فإنّ موقف بكركي يُخرج "حزب الله" وارتباطاته، كلّياً، من الوجدان المسيحي، في ظل مشاكل كبرى يعاني منها هذا الحزب المسلّح مع غالبية الشرائح السنية والدرزية، في ظل بدايات تململ بارزة في الوسط الشيعي نفسه.

ويأتي موقف بكركي ليزيد صعوبات "حزب الله" في سيطرته على البلاد، إذ إنّه بدأ يواجه صعوبات غير مسبوقة في تشكيل حكومات من المكوّنات السياسية الوازنة في البلاد، يستعملها كواجهة لتُخفي هيمنته على المؤسسات الدستورية.

سيناريوهات الرد

هذا غيض من فيض الأسباب التي تسمح باعتبار "حزب الله" في مأزق غير مسبوق على الإطلاق.

ولكن، كيف سيرد "حزب الله" ليخرج منه؟

إذا كان هناك اتفاق على المأزق، وعلى أنّ "حزب الله" لن يستكين للأمر الواقع، فإن التباينات حول طريقة الرد، سمحت بوضع تصوّرات تقوم على جملة سيناريوهات.

الاغتيالات

لا يستبعد البعض، في ضوء تجربة المرحلة التي سبقت وأعقبت اغتيال الرئيس رفيق الحريري، إمكان لجوء "حزب الله" الى الاغتيالات، على اعتبار أنّ هذا الأسلوب أثبت نجاعته في تطويق الاندفاعة السياسية في الاتجاهات التي لم يكن راضياً عنها، من دون أن يتكبّد، من جراء الاتهامات التي وجهت إليه، أي ثمن حقيقي.

ولكن، تبرز إشكالات تلغي جدوى هذا الأسلوب، ذلك أنّ مشكلة "حزب الله" ليست مع الطبقة السياسية اللبنانية، فهذه الطبقة سبق لها وانضبطت، وهي على الرغم من "تفلّتها النسبي من أمرته"، إلّا أنّها تحافظ على قواعد صارمة في التفاعل ايجاباً معه، ملقية اللوم، إعلامياً، على جبران باسيل، صهر رئيس الجمهورية وسرّه وخليفته الحزبية.

ويعتقد كثيرون بأنّ تصفية أي لاعب سياسي على الساحة اللبنانية، حالياً، سوف يحرّر قواعده الشعبية من الضوابط التي يفرضها عليها، وتالياً، فإنّ العداء لـ "حزب الله" سوف يتضخّم وتكون له ترجمات ميدانية وحضانات إقليمية ودولية فاعلة.

أمّا بخصوص الناشطين ضد الحزب، في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي والشارع، فإنّ مواجهته باللجوء الى التصفيات الجسدية، لا يؤتي ثماره، لأنّ هؤلاء، بالنتيجة، ليسوا قيادات ولا محازبين ولا مستشارين، وتالياَ فهم لا يصلحون حتى لإيصال رسائل الى أي كان. وهذا يعني أنّ كلفة الاغتيال على هذا المستوى، في ظل استنفار الرأي العام، ستكون مرتفعة جداً ومن دون أي نتائج عملية.

حكومات القهر

وثمة من يظن بأنّ "حزب الله"، في محاولة منه للهروب من مأزقه، قد يلجأ الى رعاية تشكيل حكومة من "حكومات القهر"، ليفرض جدول أعماله على الجميع.

إلّا أنّ دون هذا الخيار عوائق كثيرة، وأبرزها الأزمة الكارثية التي يرزح تحتها لبنان.

صحيح أن "حزب الله" لا يطمح الى إعادة لبنان الى ما كان عليه في السابق، لأنّه يتناقض مع تصوّره لبلاد محكومة بأجندته الإيرانية حتى إشعار آخر، إلّا أن الصحيح أكثر أنّ "حزب الله" لا يستطيع أن يتبنّى حكومة من شأنها أن تجوّع اللبنانيين، على اعتبار أنّه حتى، ومن أجل إدارة الفقر، فلبنان بحاجة الى دعم من المجتمع الدولي الذي سيقاطع الحكومة المتخيّلة أكثر مما قاطع الحكومة المستقيلة.

الحرب مع إسرائيل

ويطل السيناريو الثالث، وهو إمكان ذهاب "حزب الله" الى فتح حرب مع إسرائيل.

إنّ هذا الاحتمال، لا يتعلّق بـ"حزب الله" حصراً، لأنّ له أبعاداً إقليمية وتأثيرات دولية، وتالياً لا بد من أن يتوافق هذا السيناريو مع المصالح الإيرانية، كما مع قدراتها التمويلية.

ولا يبدو أنّ ذلك متوافراً حالياً، فكل ما هو مطلوب من "حزب الله" أن يحاول تمديد "قواعد الاشتباك" لتشمل تواجده مع "الحرس الثوري الإيراني" في سوريا.

وهذا يعني أن على الحزب أن يكون قوة إزعاج لإسرائيل وليس قوة مواجهة.

الفوضى

السيناريو الأخير الذي تمّ التوصل إليه هو "الفوضى"، بمعنى أن يلجأ "حزب الله" الى إتاحة المجال لمناصريه في إثارة غضب مجموعات سكانية متفرقة، مما يضع لبنان على حافة حرب أهلية.

وهذا احتمال وارد، ذلك أنّ مسارعة جميع الأطراف السياسية الى تجنّب هذا المسار، يدفعها الى فتح قنوات تفاهم مع الحزب، حيث يستطيع أن يفرض شروطه، على اعتبار أنّه الطرف الأقوى.

وحيث لا إمكانية لهذا النوع من الفوضى، فيكفي إعادة التلويح بعودة الإرهاب، من أجل محاولة ضبط الجميع تحت السقف الذي يرتأه.

***

بالمحصّلة، ومهما كانت عليه الأمور، فإنّ "حزب الله" لديه مروحة واسعة من الخيارات، ولكنها جميعها، في ظل تهاوي منظومة دعايته، ستزيد المآسي مأساة، لكنّها لن تُخرج الحزب من المأزق غير المسبوق الذي يمر فيه.

ثمة من يسأل عن سبب تغييب سيناريو خامس، قوامه التفاعل الإيجابي لـ"حزب الله" مع التغييرات، وبالتالي الاستجابة، ولو بالحد الأدنى، للتوجه الوطني الجديد.

الجواب المستنبط من التجربة: كما الحرب ليست بيد "حزب الله" بل بيد الجمهورية الإسلامية في إيران كذلك...التسوية.

حتى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُدرك ذلك.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.