في غضون أسبوع شهد لبنان اشتباكات وأعمال عنف تذكر ملامحها بالحرب الأهلية اللبنانية التي انتهت على الورق في 1990، وتتكرر معالمها وهشاشة الواقع الذي أوصل إليها في أحداث اليوم.
المواجهات في منطقة خلدة، جنوب بيروت، ليل الخميس التي أدت الى مقتل اثنين على الأقل بعد أن استمر تبادل إطلاق الرصاص لساعات بين من يسمون أنفسهم "أنصار حزب الله" وحركة أمل في مواجهة "عرب خلدة"، فضحت كذبة الاستقرار الأمني، ورمت بهيبة الدولة مرة أخرى في أيدي ميليشيات وعصابات طائفية لم تنزع سلاحها ولم تتبن السلم الأهلي بعد الحرب.
أحداث خلدة جاءت بعد أيام قليلة من اعتداء بالسلاح على ثلاث شباب من شرطة البلدية في بلدة كفتون شمال لبنان، وحيث تم قتل هؤلاء بالدم البارد في عقر دارهم وهم يحمون ناسهم وأهلهم.
بين رصاص خلدة والقتل الغاشم في كفتون هناك غياب مخيف للدولة اللبنانية بإطارها السياسي والأمني والعسكري.
فالغموض لايزال يكتنف ما حصل في كفتون بعد أسبوع على الجريمة بالتزامن مع ضبابية في ملابسات أحداث خلدة، كيف بدأت وانتهت.
تضاف هذه الحوادث إلى الإشكالية الكبرى، ألا وهي كيف تحولت ضاحية بيروت الجنوبية إلى بؤرة مسلحة تقطع عصاباتها الطرق وترمي الرصاص في الهواء على مرأى ومسمع الجيش والسلطات الأمنية.
السلطات الأمنية لم تصل موقع الجريمة في كفتون إلا بعد ساعتين وهي أصلا غائبة عن تلك المنطقة، ولم تقدم أجوبة واضحة عن الفاعلين أو كيف حصلوا على هذا الكم من الأسلحة وما أهداف القتل.
وفي خلدة وحتى بعد بيان الجيش الذي قال إن "الوضع تحت السيطرة"، كانت النيران لاتزال مشتعلة، وتبادل الرصاص مستمر بين الميليشيات.
الهدوء عاد لخلدة قرابة منتصف الليل بعد وساطة لمدير الأمن العام عباس إبراهيم، بين حزب الله وتيار المستقبل بحسب المؤسسة اللبنانية للإرسال، وفي خطوة تفضح ما يجري في الشارع ومن ورائه.
لبنان اليوم هو لبنان الدولة غير القادرة لا على ضبط أمن شوارعها أو على حماية مواطنيها. فالجيش غير قادر على فتح طريق العاصمة من دون مفاوضات بين الأحزاب، والقضاء غير قادر على تسمية وملاحقة ومعاقبة القتلة.
السلاح الثقيل منتشر من الجنوب إلى الشمال وليس فقط بيد حزب الله الذي يخزن الصواريخ فوق عتاده التقليدي. لا أجوبة بعد على تفجير المرفأ ولا محاسبة حقيقية لمن خزن المواد هناك.
من يظن أن شرارة 1975 لن تتكرر لأن المنطقة تغيرت أو لأن اللاعبين الداخليين نضجوا في لبنان لا يرى خطورة الواقع اليوم.
انتشار السلاح، تنامي الجريمة، غياب السلطات المركزية، عدم ضبط الحدود والمعابر، عدم وجود ثقل سياسي خلف المؤسسات الأمنية، الأزمة الاقتصادية الخانقة، العزلة الخارجية والانقسام الداخلي العقيم كلها أمور تهيئ لنزاع وفوضى داخلية تضع لبنان على حافة الحرب. أما اللاعبين الداخليين فهم هم، بعضهم ورث السلطة لأولاده وحافظ على ذهنية الاقطاع التي أوصلت للحرب.
صحيح أن حزب الله هو الطرف الأقوى عسكريا في لبنان، إنما السلاح منتشر عند آخرين فيما القرار السياسي والأمني متبعثر ويستبدله الحضور المناطقي والعشائري والطائفي. إنقاذ لبنان يكون بإنقاذ سلطته المركزية والقيام بمهامها الأمنية والسياسية والاقتصادية.
شهر أغسطس فتح أبواب جهنم أمام اللبنانيين وفضح حجم الوباء السياسي والأمني والطائفي فوق وباء الكورونا. الهدنة من دون محاسبة ومن دون تقوية وفرض هيبة الدولة والقضاء لم تعد تنفع ولن تشتري الكثير من الوقت قبل عودة أصحاب البنادق ولصوص الليل إلى التهام ما تبقى للبنانيين من أمان وطمأنينة.

