لحام كان من الفنانيين الذين سخروا "الترميز الساخر" في أعمالهم.
لحام كان من الفنانيين الذين سخروا "الترميز الساخر" في أعمالهم.

في زمن الصحيفة الوطنية الواحدة (بنسخها متعددة الأسماء)، وفي زمن الإذاعة والتلفزة الوطنية الواحدة التي لا يمكن التقاطها إلا بهوائي جيد قد يلتقط محطات أخرى في جغرافيات مجاورة ذات سيادة وطنية مختلفة، في ذلك الزمن، كان الكاتب والصحفي والمسرحي والممثل والفنان والشاعر والأديب يخاف من رقيب واحد، هو رقيب السلطة.

وكان اختفاء شخص من هؤلاء المذكورين أعلاه، لا يلفت انتباه أحد، وذلك يعتمد على اتجاه اللواقط والهوائيات المحلية ذات السيادة الوطنية المقدسة والمجاورة ذات السيادة الوطنية المختلفة.

لم يكن هناك فضائيات ولا إنترنت، والمعلومة التي يلتقطها الهوائي على السطح هي الوحيدة المتاحة غالبا، وقد يحظى مثقف ما بمعلومة إضافية ربما من مطبوعة يتم تهريبها من جغرافيا مجاورة، تلك المعلومة تهدد السيادة الوطنية المحلية المقدسة، لكنها تخدم بلا شك السيادة الوطنية المجاورة المختلفة.

كان الأثير الوحيد الذي يخرج عن سيطرة الرقيب الأمني هو أثير الإذاعات، تلك التي تتبع سيادات وطنية مجاورة وغير مجاورة لكنها كلها مختلفة، ومنها ما يتبع المستعمر الآثم الغاشم حسب مناهج التعليم ضمن رؤية سيادتنا الوطنية المحلية المقدسة، مثل إذاعة "بي.بي.سي" أو "صوت أميركا" أو حتى "إذاعة إسرائيل"، لكن المواطن العربي كان رغم معرفته بـ"الاستعمار الآثم الغاشم" يثق بما تقوله تلك الإذاعات غير الوطنية ويرتاح للمعلومة الصادرة منها.

كانت الدكتاتوريات التي تحكم، هي وحدها التي تقرر مزاجك الشخصي، وتوجهك الفكري، بل وذائقتك الفنية، كان الاستبداد عموديا من فوق إلى تحت. بلا أي اتجاهات تفضي إلى التباسات.

كان ذلك زمن "القمع التسلطي الجميل"، ذلك الزمن الذي كانت فيه الخصومات والعداوات واضحة ومبرمجة فلا تقع في حيرة الالتباسات مثل اليوم، كان ذلك الزمن الذي من يختفي فيه أو يعتقل، يكون بطلا صاحب موقف بحق، ليس سهلا أن تربطه بأي أجندة أو فاتورة مدفوعة الثمن على حساب بنكي محكوم بقواعد السرية والخصوصية!

كانت قواعد الاعتقال سهلة وبسيطة للغاية، لكنها محسوبة بعناية عند السلطة الدكتاتورية، فأي خطأ في الحسابات قد يجعل السيادة المجاورة المختلفة تتحدث عن المتهم بصفته بطلا، وذلك ما لا يتفق مع السيادة الوطنية المحلية المقدسة.

في ذلك الزمن في شرقنا البائس، زمن القمع الواضح الجميل بلا التباسات الوهم الديمقراطي، كانت الجامعات والكليات ومراكز التعليم، موازيات أحزاب، بمعنى أنها كانت قادرة رغم كل القمع أن تكون حاضنة لجيوب تنويرية بين الطلاب الشباب المتحمس للتغيير.

كان التغيير فعليا يبدأ من هناك وإن ببطء، فهؤلاء المتحمسون والحالمون بالتغيير على اختلاف وتعددية توجهاتهم، كانوا مشاريع مواطنة أكثر وعيا، حتى المخبرون "تاريخيا" منهم، وهؤلاء كانوا دوما موجودين، كانوا أيضا حالات تغيير نوعي في الأجهزة الأمنية فيما بعد، تغيير أكثر إيجابية وتفهما للعالم.

كان الأمن يقبض على المحتجين منهم، ليوقعوا بيانات براءة يتم نشرها في الصحف، كانت بيانات براءة بريئة فعلا.

كان الإعلام المسيطر عليه بكل تفاصيله لا يتوجد فيه عثرات ولا أخطاء، حتى تلك العثرات والأخطاء مدروسة ومحسوبة.

كنا زمانها نضحك بهستيرية على قفشات دريد لحام في مسرحيات الكباريه السياسي التي يقدمها، ونستغرب كيف مرت تلك الملاحظات الرمزية على الرقيب، ونتداول اشاعات القبض على الفنان أو واحد من طاقمه، حكايا كثيرة وقصص كنا نغذي بها الوهم لنصنع حشوة المصداقية.

كنا نرى في سلسلة "مرايا" ياسر العظمة، جرأة غير مسبوقة، ونفكر كيف تحايل الفنان العبقري على الرقيب الأمني في دمشق ليخرج بتلك اللوحات التي ترجمها بصريا عن قصص عزيز نيسين وتشيخوف.

--

اليوم، اختلف كل ذلك. صرنا في زمن الاستبداد التعددي البائس، ذلك القمع الذي يحاصرنا من كل الجهات لا من فوق وحسب، زمن انقرض فيه الرقيب الأمني الواحد والمحدد، هو زمن الرقباء من كل الاتجاهات.

اليوم لم يعد للهوائيات على الأسطح معنى، الصحون اللاقطة حلت محلها وانفتحت الأعين فجأة على عالم صاخب من الألوان، ألوان خارج منظومة السيادة الوطنية المحلية المقدسة، وعابرة لكل السيادات المجاورة المختلفة.

الأخطاء والعثرات الانفعالية النادرة صارت تتجسد على صيغة وشكل برامج حوارية تلبي رغبات جمهور يعشق مراقبة صراع الديكة حتى الموت.

صارت الخصومات ملتبسة وضبابية إلى حد اختفاء خطوط التماس، الخطوط تتقاطع بعنكبوتية تحتاج محترفين في السياسة والإعلام، لكن محترفي أكروبات وحركات بهلوانية لا خبراء معرفة وعلوم وإنسانيات.

في زمن التنوير التكنولوجي الثوري، لم يعد لاجتماعات الطلاب في الجامعات معنى، الكل صار ثوريا خلف شاشة بحجم راحة اليد، وتساوى العارف والجاهل، الذكي والغبي على لوحة مضاءة بالثرثرة.

الجامعات، صارت رقيبا أمنيا بحد ذاتها، تتفوق على الجهاز الأمني نفسه، حتى لو احتج مجموعة طلبة على إجراءات إدارية (وهذا حصل في الجامعة الأردنية قبل أيام)، فإن الجامعة (لا جهاز الأمن) يجبرهم على توقيع براءات. براءات غير بريئة بالمطلق، ورئيس الجامعة أكاديمي برتبة جنرال أمن.

الطلاب يتخرجون كمشاريع مفاجأة غير متوقعة، فاليساريون قد ينتهون كتاب نصوص لصالح شيوخ التيار الديني، والمخبرون ينتهون برتب أمنية  ويحملون صواني الضيافة في بيوت محدثي النعمة وأثرياء الصدفة.

الفن أصبح مباشرا، لا تورية وفيه ولا بلاغات لغوية ولا ترميز ساخر.. اكتشفنا متأخرين أن دريد لحام مثلا، لم يكن إلا أفضل مدير لأكبر كباريه سياسي ترفيهي.

ونكتشف على اليوتيوب أن ياسر العظمة يشبه فعلا الصورة في مراياه، وهو مسكين لا يزال يؤمن بتلك اللغة المضحكة في الترميز، ويستخدم القصيدة العمودية ليقول ما لا يريد قوله، مدعيا أو متوهما أنه يسترضي دمشق، مع أن الكل في دمشق وباقي سوريا، قالوا كل شيء، لكنه لا يزال مسكونا بالرقيب الأمني.

أخطر ما في عصر الدفق المعلوماتي والحريات ومنظومات حقوق الإنسان العديدة، أن الإعلامي صار سياسيا بارعا يتقن لعبة القط والفأر مع الرقيب الأمني "ما غيره" والذي تطور إلى لاعب خط وسط، هذا الكاتب والفنان والصحفي لا يخاف الرقيب الأمني بالمطلق لكنه يخاف من رقباء آخرين، يحذر من مستويات تدني رقابة المعجبين على وسائل التواصل، ويرتعب من رقابة صاحب الرزق الذي يقوم بالتحويلات المالية، وهناك خوف لديه من رقابة المسؤول المتنفذ صاحب المصالح العديدة.

الاختفاء ليس واردا في عصر الإنترنت، لكن الاعتقال قد يكون هدفا لزيادة منسوب البطولة وأحيانا زيادة التسعيرة!! تلك التي تحدد قيمتها بطولات مسرحية كان عنوانها القضية الفلسطينية، ولا يزال عنوانها المسرحي الثابت، ذات القضية الفلسطينية. كل هذا يحصل في شرقنا البائس، ولا فخر.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.